موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
حين ينسحب الضجيج فجأة من المشهد، يتسلّل شعور خفي بالانقباض كأن الصمت حدث طارئ لا مكان له في الحياة اليومية. الهدوء لا يُقابل بالطمأنينة بل بالقلق، وتتحرّك الأيدي آليًا نحو الهاتف أو أي مصدر صوتي متاح. هذا السلوك المتكرر يكشف عن ظاهرة نفسية-اجتماعية عميقة تتجاوز حدود الفرد، ويمكن توصيفها بمتلازمة الخوف من الهدوء.
فنحن نعيش داخل بنية اجتماعية تُعيد تعريف القيمة الإنسانية عبر الامتلاء المستمر. حيث يجب أن يكون مشغولا، الحضور دائما والحركة متواصلة. وفي هذا السياق يصبح السكون عنصرا غريبا يهدد الإحساس بالاندماج.
ويصف عالم الاجتماع زيغمونت باومان الإنسان المعاصر بأنه كائن يعيش في حالة سيولة دائمة، حيث الاستقرار يُثير الريبة، والتوقف يُفسَّر كخروج عن النسق العام.
ومن هذا المنظور السوسيولوجي يتكوّن الخوف من الهدوء بوصفه نتيجة مباشرة لإيقاع اجتماعي سريع يضغط على الأفراد نفسيا. كما أن المجتمع لا يمنح وقتا للتباطؤ، ولا يوفّر مساحات للاختلاء بالذات، فينشأ الفرد وهو يتعلّم أن الصمت فراغ غير مقبول.
و في تحليله للتسارع الاجتماعي، يربط هارتموت روزا بين هذا الإيقاع المتسارع وتآكل القدرة على إقامة علاقة هادئة مع الذات ومع العالم.
أما على المستوى السوسيونفسي فيعمل الهدوء كمنطقة كشف داخلي. وحين يغيب التشويش الخارجي تظهر المشاعر التي تم إزاحتها، والأسئلة التي لم يُسمح لها بالسطوع، والقلق الذي جرى تغليفه بالانشغال. ويعتبر كارل يونغ أن المحتوى النفسي غير المعاش يعود دائما بطرق غير مباشرة، والهدوء يوفّر المساحة التي تسمح لهذا المحتوى بالظهور بوضوح.
و هناك مجموعة من الدراسات في علم النفس المعاصر تدعم هذا التحليل. من بينها بحث أجرته جامعة فرجينيا أظهر أن عددا كبيرا من المشاركين شعروا بعدم ارتياح شديد عند الجلوس في صمت مع أفكارهم لبضع دقائق، وفضّل بعضهم التعرّض لمحفزات غير مريحة على البقاء في هدوء. هذه النتائج تعكس هشاشة علاقتنا بالذات أكثر مما تعكس نفورا من الصمت ذاته.
ومن الجانب الثقافي يتم تلقين الأفراد منذ الصغر أن الامتلاء فضيلة. الجداول المزدحمة، الأنشطة المتلاحقة، المثيرات الدائمة… كلها تُقدَّم بوصفها علامات نجاح. وفي هذا السياق يتشكّل وعي جمعي يرى في السكون نوعا من التعطّل.
وقد عبّر باسكال عن هذه المعضلة حين ربط شقاء الإنسان بعجزه عن الجلوس هادئا مع نفسه، وكأن الزمن الحديث جعل من هذا العجز حالة عامة.
أما في المجال المهني، فيتخذ الخوف من الهدوء بعدا أكثر تعقيدا. بحيث أن التوقف يولّد شعورا بالذنب وذلك لأن القيمة الذاتية ترتبط بالأداء.
ونجد أن علم النفس الاجتماعي يفسّر هذا الارتباط بدمج الهوية الشخصية في الدور الوظيفي حين يهدأ الإيقاع، تتراجع الأدوار ويبرز الإنسان مجرّدا من وظائفه فينشأ توتر داخلي ناتج عن غياب التعريف الخارجي للذات.
ونجد أن الهدوء يكشف كذلك هشاشة الروابط الاجتماعية في العصر الرقمي خصوصا أن التواصل المستمر لا يضمن القرب العاطفي، بل قد يغطي فراغا داخليا مؤقتا فقط.
وهناك أبحاث في علم النفس الاجتماعي تشير إلى أن الإفراط في التفاعل الرقمي يؤجّل الشعور بالوحدة دون معالجته.
وفي لحظات السكون يعود هذا الإحساس بقوة فيتم الهروب منه بإعادة إنتاج الضجيج.
وقد ربط إريك فروم النضج النفسي بالقدرة على البقاء مع الذات دون خوف. فالصمت هنا يصبح اختبارا للأمان الداخلي. ومن يمتلك حدّا أدنى من هذا الأمان يحتمل الهدوء دون انهيار. ومن يفتقر إليه يشعر بأن السكون يهدد تماسكه النفسي.
أما من منظور سوسيو-نفسي فيمكن اعتبار الخوف من الهدوء علامة على اختلال العلاقة بين الفرد والمجتمع. حيث أن المجتمع لا يتيح لأفراده حق التوقف بل يعمّق اغترابهم عن ذواتهم. والصمت يتحوّل إلى مساحة مهجورة في حين أنه نفسيا يعد شرطا لإعادة التنظيم الداخلي.
وتشير الدراسات العصبية الحديثة إلى أن فترات الهدوء تساعد الدماغ على دمج الخبرات وتنظيم الانفعالات. والسكون يتيح للعقل فرصة للترميم المعرفي والانفعالي.
يرى الفيلسوف سينيكا أن الضجيج الدائم يزيد اضطراب الداخل وهي فكرة تؤكدها اليوم أبحاث علم الأعصاب.
ففي زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه لحظات الإصغاء أصبح الهدوء مساحة مقاومة صامتة، مقاومة ثقافة الاستهلاك النفسي، ومقاومة الهروب المستمر من الذات. ومن يجرؤ على البقاء في السكون يكتشف أن الخوف لم يكن في الصمت نفسه بل في ما يكشفه عن هشاشتنا الفردية والجماعية حين نكفّ عن الضجيج.
قم بكتابة اول تعليق