موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في العلاقات العاطفية لا يظهر الاستنزاف فجأة. يبدأ خفيفا كميل لطيف إلى العطاء، ثم يتحول تدريجيا إلى عادة، فإلى واجب، وفي النهاية يصبح عبئا يختبئ خلف كلمة نبيلة اسمها “الحب”.
ومع الوقت، لا يعود الطرف المُنهك يدرك إلى أي حد تغيّر وزنه العاطفي، وكيف أصبح “حَمّالا للمشاعر” بدل أن يكون شريكا متبادلا.
وهكذا تُولد ما بات يُعرف بمتلازمة الحب المرهق وهي حالة يعيش فيها أحد الطرفين علاقة تشبه حقلا من العطاء المستمر، لكنه حقل يثمر في اتجاه واحد فقط.
هذه المتلازمة لا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع، إنها تتسرّب ببطء في تنازلات صغيرة وفي جمل مثل:
“لا بأس، المهم ألا ينزعج”،
أو: “سأتحمل لأجل أن تستمر العلاقة”…
لكن الحقيقة أن العلاقة التي تُبنى على التحمل لا تنمو بل تُستنزف حيث ينقلب الحب من هوية مشاركة إلى مهمة إنقاذ وقد عرّف عالم الاجتماع زيجمونت باومان الحب الحديث بأنه “علاقة هشة تحتاج رعاية مشتركة”.
غير أن متلازمة الحب المرهق تقوم على غياب هذه الرعاية المشتركة بوجود طرف واحد يعتقد أن عليه إصلاح كل شيء، واحتواء كل شيء، وحمل كل شيء.
هكذا يتحول الحب إلى مَهمّة إنقاذ عاطفي، وإلى دور شبه أبوي أو أمومي داخل العلاقة حيث أن هناك:
* شخص يُصلح دائما.
* يعتذر دائما.
* يبرّر دائما.
* يتنازل دائما.
وفي مقابل ذلك، طرف آخر يرتاح فوق ركام الجهود.
الجذور النفسية: لماذا نتعلّم أن نُحب بطريقة تُتعبنا؟
تشرح عالمة النفس ميلاني كلاين أن الطفل الذي يكبر في بيئة يتلقى فيها الحب مشروطا بالأداء أو الطاعة يتكوّن لديه اعتقاد غير واع بأن العطاء هو وسيلة البقاء العاطفي الوحيدة.
هذا النموذج ينتقل تلقائيا إلى العلاقات العاطفية في الكبر.
وتتجسد جذور المتلازمة غالبا في:
1. الخوف من الهجر
فالأشخاص ذوو التعلّق القَلِق يعتقدون أن قلة العطاء تعني خسارة الآخر.
2. تقدير ذات هش
يحتاج هؤلاء الأفراد إلى شعور بأنهم “مفيدون” كي يحسّوا بقيمتهم.
3. النمو في بيئة مضحية
حين تتربى على “اصمتي لأجل الآخرين”، أو “افهم الجميع ولا تنتظر فهما”، تتحول التضحية إلى لغة حبّ.
4. الشريك المستغل أو غير الناضج عاطفيا
ليس بالضرورة شريرا، أحيانا مجرد شخص لم يتعلّم تبادل الجهد.
وهكذا يتكوّن نمط نفسي يقول كما عبّر عنه الشاعر ريلكه: “أخشى ألا يحبّني أحد إن لم أحمِل العالم عن كتفيه”.
علامات متلازمة الحب المرهق: حين يصبح الحب صالة مجهود.
العلاقة تُصبح مُنهِكة حين يتكرر فيها:
* استنزاف ثابت دون تعويض عاطفي
* خوف غير مبرّر من فقد الطرف الآخر
* تفضيل احتياجات الشريك على الذات دوما
* تحمل مسؤولية الصمت، الألم وحتى الفوضى العاطفية للطرف الآخر
* حرمان الذات من الراحة كي لا “يقع” الآخر
بهذا يصف عالم النفس جون بولبي الأمر قائلا:
“العلاقات غير المتوازنة لا تنكسر بسرعة… إنها تُنهك ببطء”.
الآثار الخفية: الحب حين يتحوّل إلى استنزاف داخلي.
يؤدي هذا النمط العاطفي إلى نتائج ثقيلة:
1. إرهاق عاطفي مزمن
يشبه الاحتراق المهني لكنه أعمق لأنه يحدث داخل القلب.
2. تآكل تقدير الذات
يشعر الطرف المُنهك أنه غير كافٍ رغم كل ما يمنحه.
3. اكتئاب عاطفي خافت
ليس حزنا واضحا، بل شعورا دائما بالفراغ.
4. انطفاء القدرة على الفرح داخل العلاقة
لأن العاطفة أصبحت “وظيفة” لا عاطفة.
5. التبعية العاطفية
علاقة غير صحية تجعل الانسحاب مُخيفا أكثر من البقاء المؤلم.
يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور:”حين يعطي الإنسان أكثر مما يحتمل يفقد شيئا من ذاته دون أن يشعر”.
لماذا لا ننسحب رغم الألم؟
لأن الحب المرهق لا يعيش على السعادة… بل على الأمل.
الأمل بأن الشريك سيتغيّر.
الأمل بأن التضحية ستثمر.
الأمل بأن العلاقة ستقف على قدمين يوما ما.
لكن كما يقول نيتشه:
“الأمل أطول أشكال العذاب”… حين يُستعمل للبقاء في ما يقتلنا.
العلاج يبدأ من الداخل: إعادة بناء العلاقة مع الذات.
فالتحرر من متلازمة الحب المرهق ليس قطعا للعلاقة دائما، لكنه قطع لدور غير عادل فيها.
1. تحديد الحدود العاطفية بوضوح
الحدود ليست قسوة بل احترام متبادل.
2. إعادة توزيع المهام العاطفية
الاهتمام ليس وظيفة لطرف واحد.
3. قبول أن التضحية ليس شرطا للحب
الحب الناضج لا يطلب أن تُلغِي نفسك.
4. تدريب الذات على قول “لا”
“لا” ليست رفضا للحب… بل إنقاذا للنفس.
5. اللجوء إلى دعم نفسي عند الحاجة
لتحليل الجذور العميقة لهذا النمط.
* إن الحب الصحي شراكة تتيح للطرفين النمو لا استنزاف أحدهما لصالح الآخر.
* الحب الحقيقي لا يتغذى على الإنهاك
* العلاقات ليست سباقَ بقاء ولا اختبارا للقدرة على التضحية
العلاقة التي تحتاج طرفا واحدا كي تستمر لا تستحق الاستمرار.
والحب الذي يطلب منك أن تحمل العالم بمفردك لن يمنحك راحة حتى لو منحته عمرا.
يقول جبران: “لا يُشرق الحب في ظل الظلم، ولا يثمر في أرض الإنهاك”.
قد ينهض الحب من تحت الركام… لكن لا بد أن يكون ركاما يتقاسمه الطرفان، لا حملا فوق ظهر واحد.
قم بكتابة اول تعليق