متلازمة النبيذ الحلو: التعلق بما نعرف أنه يؤذينا

موند بريس / بقلم: دة سعاد السبع

في زاوية ما من النفس، توجد خزانة قديمة نخبّئ داخلها ما يشبه “النبيذ الحلو”. أشياء نعرف تماما أن مذاقها يؤلمنا لكننا نعود إليها في لحظات الضعف، كما لو أننا نبحث في الألم عن عزاء خفي. تلك هي “متلازمة النبيذ الحلو” التسمية المجازية لحالة التعلق بما نعلم أنه يؤذينا من علاقات، عادات، ذكريات وحتى أنماط حياة نجرّها خلفنا رغم ثقلها لأن الفراق يوجعنا أكثر من الاستمرار في الخيبة.
وكأن النفس البشرية تُصاب أحيانا بما سماه الفيلسوف سورين كيركغارد: “العادة التي نعرف أنها تقتلنا لكننا لا نتخلّى عنها لأننا نخشى الفراغ بعدها”.

لماذا نتمسك بما يؤلمنا؟

تشير المقاربات النفسية-الاجتماعية إلى أن الإنسان لا يتشبث بالمؤذي لأنه يحب الألم، بل لأنه يخشى الفقد، يخاف أن يتعرّى من المعنى. فالمؤذي في الغالب مألوف، والمألوف يوفر أمانا وهميا أقوى من المجهول مهما بدا قاتلا.

هناك ثلاثة دوافع أساسية تحكم هذا النوع من الارتباط:

1. الحنين كمخدّر عاطفي

فالحنين ليس مجرد ذاكرة، إنه سردية ذاتية يعيد العقل تشكيلها ليجعل الماضي أجمل مما كان. فالذهن كما يقول جيمس بالدوين “لا يتذكر الأشياء كما حدثت، بل كما احتجنا إليها أن تحدث”. وهكذا يصبح الشخص المؤذي أو السلوك المؤذي جزءا من أسطورة داخلية نخشى انهيارها.

2. العجز المكتسب

حين يتكرر الألم دون أن يغيّر الإنسان مساره، يبدأ العقل في بناء قناعة خفية بأن الخلاص مستحيل. يشبه الأمر غرفة بلا نوافذ نقنع أنفسنا أن الهواء خارجها أكثر تلوثا من الهواء المختنق بالداخل.

3. الخوف من البديل

فالمجتمع يعزز هذا الخوف «ابقَ حيث أنت ولا تُخاطر». كأننا نتربّى على ألا نتحرر من شيء حتى نجد شيئا آخر نتمسّك به، ولو كان الانتظار وحده هو بداية النجاة.

كيف تتحوّل المتلازمة إلى دائرة مغلقة؟

“النبيذ الحلو” لا يوجعك فقط، بل يخلق دورة نفسية تتكرر:

اشتياق → عودة للمؤذي → لحظة سكر وهمية → صحوة مؤلمة → تعهّد بالرحيل → انتكاسة → اشتياق من جديد.

إنها دائرة شبيهة بما وصفه إريك فروم بـ”حب الاستلاب”، حيث يُستبدل الوعي بالأمان الزائف، وتصبح المعاناة جزءا من الهوية العاطفية.

البعد السوسيو-نفسي: عندما يساند المجتمع السلوك المؤذي

لا تعمل المتلازمة في فراغ فالمجتمع يصنع لنا أحيانا «قوالب تبريرية» تجعلنا نغفر للمؤذي حتى لو التهمنا.
نسمع مثلا: «اصبري… سيتغيّر»
«تحمّل… لأجل الذكريات»
«كل شيء يُصلَح بالوقت»

وهكذا يصبح الألم فضيلة، والصبر قيدا، والعلاقة المكسورة «مشروعا يستحق التضحية».
فيُعاد تشكيل الأذى في قالب عاطفي جميل مثل نبيذ معتم داخل كأس بلورية.

هل الخلاص ممكن؟

الخلاص ليس قطيعة مفاجئة، بل عملية تفكيك بطيئة للأوهام:

● تسمية الأذى بصوته الحقيقي

لا جبر ولا تجميل، الاعتراف أول مفاتيح التحرر.

● فهم دوافع الارتباط

لماذا نعود؟ هل هو حنين؟ خوف؟ وحدة؟ أم انعدام تقدير الذات؟
السؤال هنا أشبه بمصباح صغير يضيء دهاليز النفس.

● إعادة توزيع المعنى

نحتاج إلى إعادة بناء مصادر المعنى بعيدا عن الشخص أو السلوك المؤذي لأن التعلّق لا ينفكّ إلا حين يجد البديل فرصة الظهور و هذا بديل في داخلنا لا خارجنا.

● التحرر كقرار لا كمزاج

التحرر ليس شعورا، إنه قرار يتم حمله رغم الأمزجة المضطربة، مثل زرع شجرة في أرض ما زالت مبللة من العاصفة.

لماذا نعود رغم معرفتنا؟

لأن الوعي وحده لا يكفي،
والإنسان لا يتحرك بالمنطق فقط، إنه يتحرك بجرحه أيضا، بذاكرته وبالفراغ الذي يخشاه.
ولهذا يقول باولو كويلو: «بعض الطرق نعرف أنها تؤذينا، لكننا نسلكها لأن جزءا منا يريد أن يتأكد
مرة أخرى».

حين نعيد تعريف الحلاوة

“متلازمة النبيذ الحلو” ليست ضعفا، بل مرآة تكشف هشاشة الإنسان في مواجهته لذاته.
فلا أحد يعود للمؤذي حبّا في الألم، بل بحثا عن نسخة قديمة من نفسه يظن أنه لا يجدها إلا هناك.
لكن الحقيقة أن النسخة التي تستحق الحياة لا تأتي بالعودة إلى المؤذي، بل بالعودة إلى الذاة، إلى تلك المساحة الداخلية التي لم تُجرّب الحلاوة بعد، لأنها ظلت منشغلة بطعم لم يكن يوما لها.

وكلما أدرك أن الحلاوة ليست في الكأس، بل في الروح، بدأ التحرر… بهدوء، وبخطوات يشبه صداها أول صباح بعد نجاة طويلة.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد