موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في أعماق النفس البشرية حيث تتجاور الحاجة العارمة إلى الحب مع الخوف القاتل من الهجر، يعيش المصابون باضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder BPD) على أرجوحة وجدانية متأرجحة بين العاطفة الجارفة والرفض القاسي. هو اضطراب معقد لا يُقاس فقط بالأعراض، بل بالتجربة الداخلية العاصفة التي يعيشها صاحبه.
بين العاطفة المفرطة والخوف المزمن.
اضطراب الشخصية الحدية ليس مجرد “مزاج متقلب” كما قد يختزله البعض، بل هو نمط مستمر من العلاقات غير المستقرة، صورة ذاتية مهتزة وعواطف متطرفة تتغير بسرعة مذهلة. قد يُغدق المصاب حبا واهتماما يفوق التوقعات، ثم ينقلب فجأة إلى برود أو غضب جارح إذا شعر – حتى من غير دليل – بإمكانية الفقد أو الخيانة.
تقول الطبيبة النفسية الأمريكية مارشا لاينهان واضعة أسس العلاج السلوكي الجدلي (DBT): “المصاب باضطراب الشخصية الحدية يعيش في عالم عاطفي بلا وسادة أمان… كل شعور يأتيه بكامل قوته ولا يعرف طريق العودة الهادئ.”
جذور الاضطراب: بين البيولوجيا والتجربة الحياتية.
تتشابك عوامل متعددة في نشأة هذا الاضطراب من الاستعدادات البيولوجية المرتبطة باضطراب تنظيم العاطفة، إلى التجارب الصادمة في الطفولة مثل الإهمال، سوء المعاملة أو فقدان الأمان الأسري.
علميا أظهرت الأبحاث أن هناك خللا في توازن بعض النواقل العصبية خاصة السيروتونين، مما يزيد حساسية الدماغ للمثيرات العاطفية ويضعف القدرة على ضبط الانفعالات.
الحب… لكنه محفوف بالألغام.
العلاقات العاطفية للمصابين باضطراب الشخصية الحدية شديدة الكثافة، لكنها قصيرة الأمد في كثير من الأحيان. فهم يميلون إلى المثالية في رؤية الشريك، ثم إلى خيبة حادة عندما يواجهون اختلافا أو مسافة عاطفية.
قد يقولون: “أحبك أكثر من أي شيء… لكنك تركتني وحيدا” حتى لو كان الغياب بضع ساعات. هنا لا يكون الحب غائبا، بل الشعور بالأمان هو المفقود.
المعاناة الداخلية… وجه لا يراه الآخرون.
خلف السلوكيات التي قد تبدو متقلبة هناك معاناة نفسية عميقة تتجسد في:
* شعور دائم بالفراغ الداخلي.
* حساسية مفرطة للنقد أو الرفض.
* اندفاعية قد تظهر في إنفاق مفرط أو سلوكيات خطرة.
* إيذاء النفس أحيانا كوسيلة للهروب من الألم العاطفي.
يقول عالم النفس جون غونديرسون أحد أبرز المتخصصين في هذا الاضطراب: “المصاب بالشخصية الحدية لا يسعى لإيذاء من يحبهم، بل يحاول بكل ما يستطيع أن يتأكد أنهم لن يتخلوا عنه.”
العلاج: بناء الجسور فوق الفجوة العاطفية.
من أنجح طرق العلاج، العلاج السلوكي الجدلي (DBT) الذي يركز على تعليم مهارات تنظيم العاطفة، تحمل الضيق، وتحسين العلاقات إلى جانب العلاج النفسي الفردي والجماعي.
وفي بعض الحالات تُستخدم الأدوية لتخفيف الأعراض المصاحبة مثل الاكتئاب أو القلق، لكنها ليست العلاج الأساسي.
رسالة للمجتمع:
اضطراب الشخصية الحدية ليس “دراما” مفتعلة، بل معاناة حقيقية تستحق التعاطف والفهم، لا الحكم والوصم.
كل علاقة مع شخص مصاب بهذا الاضطراب تحتاج إلى وعي بالحدود، صبر على تقلباته وفهم أن الحب لديه ليس ناقصا… بل خائفا.
أحيانا كل ما يحتاجه قلبهم هو أن يسمع: لن أرحل وأن يصدق هذه الجملة بعمق..
قم بكتابة اول تعليق