موند بريس. / بقلم: د. سعاد السبع
“الصدمة النفسية ليست حدثا يُنسى، بل أثرا يُعاد عيشه.”
— بيتر ليفين، مؤسس العلاج القائم على استجابة الجسد
في أعماق النفس، قد تتشكل جراح لا تترك أثرا ظاهريا، لكنها تنزف بصمت عبر الليالي، وتتمظهر في السلوك، الجسد والعلاقات. إنها الصدمة النفسية، تلك التجربة المفجعة التي تُربك توازن الفرد الداخلي، وتُحدث شقوقا في جهازه النفسي، يصعب التئامها بمجرد مرور الزمن.
فبينما نسمع مرارا عبارات من قبيل: “الوقت كفيل بكل شيء”، تؤكد الأدبيات النفسية أن الزمن وحده لا يكفي لمداواة جراح الصدمة، بل قد يفاقمها حين تُهمَّش أو تُنكَر أو تُترك دون احتواء ومعالجة.
ما هي الصدمة النفسية؟
يُعرّف روبرت ستولورو (Stolorow, 2007) الصدمة بأنها “تجربة تتجاوز قدرة الفرد على الاستيعاب والمعالجة، وتُحدث انهيارا في المعنى”. فهي ليست مجرد استجابة لحادث أليم، بل حالة من الشلل النفسي الناتج عن عجز الشخص عن التكيف أو احتواء ما حدث.
وقد تكون الصدمة نتيجة لحدث واحد (حادثة عنف، فقدان مفاجئ، كارثة طبيعية…)، أو تراكم تجارب مزمنة كالإهمال العاطفي في الطفولة، العلاقات السامة أو بيئة غير آمنة، وهو ما أطلقت عليه Judith Herman مصطلح “الصدمة المعقدة”.
آثار الصدمة… جرح يمتد في الزمن.
تُبيّن الدراسات أن الصدمة النفسية تؤثر ليس فقط في الجهاز النفسي، بل في البنية العصبية للدماغ أيضاً. فحسب أبحاث بِسيل فان دير كولك (Van der Kolk, 2014) في كتابه المرجعي “The Body Keeps the Score”، يتعطل الاتصال بين مراكز المعالجة العليا في الدماغ (مثل قشرة الفص الجبهي) ومراكز الاستجابة البدائية كالأميغدالا، مما يجعل الشخص يعيش في حالة تأهب دائم، ويعيد استحضار الحدث الصادم بطريقة لا واعية.
هذا ما يفسر كيف يمكن لرائحة، صوت أو موقف عابر أن يعيد تنشيط المشهد الصدمي، فيدخل المصاب في حالة من القلق أو الانفصال أو حتى نوبات الذعر، دون أن يعي الرابط المباشر بين الحاضر والماضي.
الإنكار لا يُشفي، بل يُمزّق
كثير من المصابين بالصدمة النفسية ينكرون ما تعرضوا له، إما بدافع الخجل، أو لأنهم لم يُمنحوا فرصة آمنة للكلام. غير أن الصمت لا يحرر، بل يُعمّق الألم، ويحوّله إلى اضطرابات نفسية مزمنة مثل الاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، أو اضطراب الشخصية الحدية، وفق ما توضحه Christine Courtois في أبحاثها حول معالجة الصدمات المعقد
العلاج: حين يجد الألم اسما ومساحة.
الشفاء من الصدمة ليس مسارا خطيّا، ولا يحدث تلقائيّا. بل هو رحلة علاجية تحتاج إلى احتواء مهني وأدوات نفسية فعالة. من أبرزها:
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد على إعادة بناء الأفكار المرتبطة بالحدث الصادم.
علاج EMDR (إزالة التحسس بحركات العين): يهدف إلى إعادة معالجة التجارب الصدمية بطريقة غير مؤلمة.
العلاج الجسدي (Somatic Experiencing): يُعيد التواصل بين الجسد والنفس لمعالجة بقايا التوتر العضلي والعصبي.
العلاج بالكتابة والتعبير الإبداعي: يمنح المصاب فرصة لترجمة الألم إلى كلمات وصور ورموز كأداة رمزية للتحرر.
نحو وعي جمعي بالصدمات الصامتة.
في مجتمعاتنا، لا يزال الحديث عن الألم النفسي موصوما أو مستخفاً به، خصوصا حين يتعلق بتجارب الصدمة. لهذا، فإن التوعية بأهمية الرعاية النفسية، وتطبيع الحديث عن الصدمة، والاعتراف بعمقها وأثرها هو جزء من العدالة النفسية التي يستحقها كل فرد.
فالصدمة ليست ضعفا، بل استجابة إنسانية لحدث غير إنساني. وإن إدراك ذلك هو أول الطريق نحو الشفاء.
“ما تم كسره في علاقة، يُشفى أيضا داخل علاقة.”
— Judith Herman
قم بكتابة اول تعليق