موند بريس / محمد أيت المودن
قبل أيام من مصادقة الحكومة على مشروع النظام الأساسي المثير للجدل، والذي تسبب في أزمة غير مسبوقة في تاريخ التعليم المدرسي المغربي، تشهد الإدارة المركزية لوزارة التربية الوطنية زلزالا حقيقيا بسبب استقالة تسعة مستشارين من ديوان الوزير شكيب بنموسى، منهم مستشارون كانوا مكلفين بشكل مباشر بتنزيل ما يعرف بمشروع «مدرسة الريادة» الذي قُطعت فيه أشواط كبيرة إداريا وماليا.
كانت الاستقالة نتيجة «طبيعية» لضغوطات إعلامية ونقابية وشعبية، اعتبرت أن «التهليل» لمشروع «مدرسة الريادة»، الذي تم اقتباسه من المدارس التابعة للأبناك، لا يوازي مردوديته على أرض الواقع، بالرغم من التقارير التي يرفعها المفتشون المسؤولون عن تنزيل هذا المشروع، وهي التقارير التي أكد مسؤولون جهويون وإقليميون، للجريدة، أنها غير موثوقة بسبب ارتباط أصحابها بمصالح مالية مباشرة بالمشروع ذاته.
شلل حقيقي في ديوان الوزير
تعيش وزارة التربية الوطنية شللا حقيقيا بسبب استقالات بالجملة في ديوان الوزير، بشكل جعل التواصل مع بنموسى متعذرا، إما تحت ذريعة انشغاله بالتزاماته الحكومية أو بفعل «عصبيته» المفرطة منذ أسابيع.
وكشف مصدر مطلع عن استقالة مستشار وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الذي أوكل له تدبير مشروع مؤسسات الريادة. وقال المصدر ذاته إن هذا المستشار، الذي كان يعتبره المسؤولون المركزيون والجهويون «وزير ظل» بالقطاع، فضل مغادرة وزارة «باب الرواح» وديوان بنموسى، بعد أن سبقه لذلك آخرون عقب حراك الأساتذة الذي وضع الحكومة في مواجهة احتجاجات غير مسبوقة.
وكان المستشار ذاته، الذي كان موضوعا لتقارير إعلامية وأسئلة برلمانية، رجل ثقة شكيب بنموسى، ما جعله يضع الخطوط العريضة للنظام الأساسي الذي فجر غضب العاملين في قطاع التعليم.
واستقدم بنموسى هذا المستشار، الذي شغل منصبا كبيرا في صندوق الإيداع والتدبير ومايزال، وعمل مستشارا سابقا في البنك الدولي، وعضوا في لجنة النموذج التنموي، ومنحه مفاتيح مشروع «المدرسة الرائدة» الذي يشكل، حسب متتبعين، تكرارا لسيناريو «مدرسة النجاح» في مرحلة البرنامج الاستعجالي.
واستعان بنموسى بـ 14 مستشارا ومكلفا بمهمة، جميعهم من خريجي البعثة الفرنسية الذين كلفوا بإصلاح تعليم عمومي لم يدرسوا فيه، وهؤلاء كانوا يدبرون الوزارة بمجموعة «واتساب»، في تجاهل للمصالح المركزية، قبل تفجر أزمة النظام الأساسي التي تحمل بصمات عدد منهم، وعلى رأسهم المستشار سابق الذكر.
وقبل أسابيع قليلة، سبق لمستشارة بنموسى، المكلفة بتنزيل مشروع الإعدادية الرائدة بكلفة مالية ضخمة، أن فضلت بدورها الانسحاب، وذلك بعد الاحتجاجات التي واجهها مشروع المدرسة الرائدة مع نزول الأسر للشارع.
ووفق المصادر ذاتها، فإن عددا من الأسماء التي تزاحمت في ديوان الوزير قادمة من لجنة النموذج التنموي، وصندوق الإيداع والتدبير وسفارات، صارت تفكر في الرحيل تجنبا للمواجهة المفتوحة مع الرأي العام، خاصة بعد أن صار اسم مستشار الوزير يتصدر المشهد كعراب للنظام الأساسي، ومكلف بمهمة تنزيل توصيات البنك الدولي بالقطاع، خصوصا وأن الرأي العام تابع مستشارا في ديوان الوزير يقوم بخرجات إعلامية في قنوات رسمية خلافا لما ينص عليه القانون المنظم لمهام وصلاحيات أعضاء الدواوين الوزارية.
وحسب مصدر مسؤول بالوزارة، فقد سبق لمستشارة بديوان الوزير بنموسى أن انسحبت بدورها شهر غشت من السنة الماضية، وهي المستشارة التي وضعت مشروعا للترفيه داخل المؤسسات التعليمية.
المطالبة بالتعويضات
وفق المعطيات التي حصلت عليها الجريدة، فإن عددا من مستشاري بنموسى الذين تعودوا الاشتغال في الظل، صاروا يتخوفون من دفع فاتورة الأزمة الحالية، التي قد تعصف بالوزير في حال إجراء تعديل حكومي، رغم الدعم المعلن من طرف رئيس الحكومة. وتحدثت المصادر ذاتها عن مطالبة هؤلاء، عبر مدير ديوان الوزير، بتعويضات تقدر بعشرات الملايين من السنتيمات، وسط حديث في الإدارة المركزية بضرورة إجراء افتحاص يهم مشاريع «المدرسة الرائدة»، التي يقف هؤلاء وراءها، عبر اتصالات ورسائل مباشرة وجهوها لمديري الأكاديميات والمديرين المركزيين.
وكشفت المصادر ذاتها أن الانسحابات والاستقالات في محيط الوزير بنموسى، تذكر بتجربة الوزيرة لطيفة العابدة التي جلبت معها فريقا من المستشارين لتنزيل سلسلة من الوصفات الفاشلة ضمن البرنامج الاستعجالي، وهو الفريق ذاته الذي انسحب مثل الشعرة من العجين من الوزارة، بعد تفجر فضائح البرنامج الاستعجالي.
استقالة هؤلاء أحدثت زلزالا حقيقيا في مشروع المدرسة الرائدة، الذي وضع ضمن برامج خارطة طريق الإصلاح الممتدة إلى غاية 2026، والذي تطلب 389 مليونا و360 ألف درهم خلال سنة 2023، في مرحلة تجريبية أولى، على أساس تخصيص مليار و240 مليون درهم خلال المرحلة الثانية في سنة 2024. حيث لا حديث في الإدارة المركزية إلا عن تعديل حكومي سيأتي باسم وزير آخر.
ويهدف مشروع «مدرسة الريادة»، حسب الوزارة، إلى إرساء أسس المدرسة العمومية المستقبلية، التي تستند على مقاربة تشاركية تستجيب لتطلعات التلميذات والتلاميذ وأولياء أمورهم والأطر التربوية، حيث يتوخى تحقيق تحول شامل في أداء المؤسسات التعليمية، ويعتمد على الالتزام الطوعي للفريق التربوي وتمكين المؤسسات المعنية من الموارد البيداغوجية والمادية والرقمية لتحقيق نجاح التلميذات والتلاميذ. ولتحقيق ذلك، تم إرساء نظام للتكوين الإشهادي والمواكبة عن قرب لمساعدة الأستاذات والأساتذة على تبني ممارسات فعالة داخل الفصول الدراسية، والتي أثبت تأثيرها من خلال البحث العلمي. هذا وسيتم قياس تحسن مستوى تعلمات التلميذات والتلاميذ ومتابعتها بانتظام من خلال تقييمات موضوعية.
وسيتم تنزيل هذا المشروع، في إطار مرحلة الانطلاق، على مستوى 628 مدرسة ابتدائية عمومية، في الأوساط الحضرية وشبه الحضرية والقروية؛ لفائدة 322.000 تلميذة وتلميذ؛ وبمشاركة طوعية وتعبئة 10.700 من الأستاذات والأساتذة، بالإضافة إلى دعوة 157 مفتشة ومفتشا تربويا للتأطير والمواكبة في عملية التنزيل.
قم بكتابة اول تعليق