الطفل العنيد: نعمة أم نقمة؟

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في زوايا كل بيت، حيث تنمو خطوات الأطفال، يبرز ذلك “الطفل العنيد”، ذاك الذي يرفض التعليمات بسهولة، يجادل ويتمسك برأيه بإصرار يثير الحيرة وربما الغضب. يراه البعض “مشكلة تربوية”، بينما يعتبره آخرون “شخصية قوية قيد التكوين”. فهل عناد الطفل نقمة ينبغي كبحها، أم نعمة تُنذر بقيادة مبكرة واستقلالية في طور التشكّل؟ للإجابة نقف عند التقاطعات الدقيقة بين علم النفس التنموي والاجتماعي والأسري والتربية السلوكية.

العناد: تعريف ومحددات
يُعرّف العناد في علم النفس بأنه “سلوك اعتراضي متكرر يتضمن رفض الأوامر أو التعليمات الصادرة من السلطة الوالدية أو المؤسسية”، وهو سلوك يظهر عادة بين سن الثالثة والسادسة، مع إمكانية استمراره في بعض الحالات حتى المراهقة.

لكن العناد ليس دائما سلوكا سلبيا، بل هو مرحلة نفسية طبيعية تدل على أن الطفل بدأ يطور استقلاليته وإحساسه بذاته، كما يوضح عالم النفس إريك إريكسون في نظريته عن النمو النفسي-الاجتماعي، حيث تعتبر مرحلة “الاستقلالية مقابل الشك” (Autonomy vs. Shame) مرحلة حاسمة في بناء الأنا، تبدأ فيها الذات بالتفرد عن الآخر.

من زاوية سوسيولوجية: هل العناد انعكاس لمنظومة أسرية؟
العناد لا ينبع فقط من نفسية الطفل، بل غالبا ما يكون مرآة تعكس ديناميات أسرية واجتماعية. تشير دراسات سوسيولوجية إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيئة سلطوية صارمة، أو في وسط تفتقر فيه العلاقة إلى الحوار، يميل إلى المقاومة عبر العناد، كوسيلة غير واعية لإثبات الذات أو طلب الانتباه.

وفي هذا السياق، تبرز فرضية “التمرد الاجتماعي الصغير” التي أشار إليها عالم الاجتماع بيير بورديو، حين تحدّث عن الكيفية التي يبدأ بها الطفل في اختبار حدوده داخل البنية الأسرية والاجتماعية، تمهيدا لبناء موقفه من السلطة والحرية والضبط.

علم النفس التنموي: بين الغريزة الفردية والتكوين الاجتماعي
يرى الباحث توماس ليويس (Thomas Lewis) أن العناد ليس خللا سلوكيا بقدر ما هو جزء من الجهاز النفسي للطفل، ينمو مع تنامي قدرته على اتخاذ القرار، وتمييزه بين الذات والآخر، مشيرا إلى أن “الأطفال العنيدين أكثر عرضة لتطوير مهارات القيادة لاحقا إذا وُجهوا بطريقة صحية.

كما أظهرت دراسة منشورة في مجلة Child Development عام 2015 أن الأطفال الذين يُظهرون سلوكيات عنيدة في مراحل مبكرة يكون لديهم احتمال أعلى لتحقيق نجاحات أكاديمية ومهنية لاحقة، مقارنة بأقرانهم الخاضعين بشكل مفرط للسلطة، لأنهم يتقنون الدفاع عن مصالحهم.

العنيد الصغير… قائد الغد؟
نظرة مغايرة بدأت تبرز في الأدبيات التربوية الحديثة: الطفل العنيد ليس تحديا، بل فرصة. إذا ما تمت مواكبته بتفهم وصبر، فقد يتحول عناده إلى:
* إصرار إيجابي في تحقيق الأهداف،
* قدرة على اتخاذ القرار دون تبعية عمياء،
* استعداد للمواجهة بدل الانسحاب،
* استقلال فكري ومعرفي.

ولذلك يقول التربوي الأمريكي جون هولت: “المتعلمون الحقيقيون هم أولئك الذين يتحدّون النظام إذا لم يكن عقلانيا، لا أولئك الذين يخضعون له بلا مساءلة.”

هل العناد قابل للتحول إلى اضطراب؟
في حالات معينة، يتجاوز العناد حده الطبيعي ليتحول إلى ما يسمى في علم النفس بـاضطراب التحدي المعارض (Oppositional Defiant Disorder – ODD)، حيث يتحول السلوك إلى نمط دائم من العدائية والتحدي والعصيان يتكرر على مدى ستة أشهر على الأقل، ويؤثر على التكيف الاجتماعي والأكاديمي.

هذا يفرض على الأهل الانتباه للفروق بين العناد الطبيعي وبين المؤشرات المرضية التي تستوجب تدخلا متخصصا كالعزلة، العنف، الكذب المزمن وفقدان السيطرة العاطفية.

من التوجيه إلى التمكين: كيف نتعامل مع الطفل العنيد؟
بعيدا عن العنف أو القمع، تقترح المقاربات التربوية السوسيونفسية المعاصرة نماذج جديدة في التعاطي مع عناد الأطفال ترتكز على:
* الحوار بدل الأوامر،
* تفهم الحاجات النفسية بدل التوبيخ،
* إشراك الطفل في اتخاذ القرار،
* منحه بدائل لا أوامر صارمة،
* تحديد الحدود بمرونة وذكاء.

تقول الدكتورة جوانا فورمان، الخبيرة في الإرشاد الأسري:
“العناد فرصة للوالدين ليختبرا مدى نضجهما في التربية وليس مجرد اختبار لطفل لا يطيع.”
نعمة مشروطة… لا نقمة مطلقة
في المحصلة ليس الطفل العنيد نقمة، بل قد يكون نعمة إذا ما تم احتواؤه بحكمة، وفهم السياقات التي تحيط به، ومعالجة أسباب العناد لا مظاهره فقط. فبين كل “لا” يقولها الطفل، هناك صوت باطني يصرخ: “أريد أن أكون أنا”… فهل نصغي له، أم نكتمه؟

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد