تلاميذ البكالوريا بين هاجس الميزة وضغط الإنتقاء

موند بريس / بقلم: ذة. سعاد السبع

مع اقتراب موعد ظهور نتائج الامتحانات الوطنية لنيل شهادة البكالوريا، يعيش آلاف التلاميذ والتلميذات في المغرب حالة من التوتر النفسي غير المسبوق، يتحول معها حلم النجاح إلى هاجس ثقيل، وتصبح الميزة المنشودة مفتاحا وحيدا لولوج بوابة المستقبل، كما رسمته الأسر والمجتمع.

رهان النتائج وقلق الميزة

في كل موسم دراسي، يُعاد نفس السيناريو: سباق محموم نحو المعدلات العليا، وسباق آخر نحو الميزة: “حسن جدًا” أو على الأقل “حسن”، باعتبارها المعيار الأول للولوج إلى الكليات والمعاهد العليا ذات الاستقطاب المحدود.

ومع اشتداد التنافس، تتحول الدراسة من عملية اكتساب معرفي ونضج فكري إلى معركة نفسية محورها الكم لا الكيف، والحساب لا الفهم، والنتيجة لا المسار. هكذا يجد التلميذ نفسه أمام ضغط كبير، ليس فقط من المؤسسات التعليمية، بل من الأسرة والمحيط، بل ومن ذاته أيضا.

ضغط الأسر: حين تتحول النوايا الحسنة إلى عبء

لا شك أن أغلب أولياء الأمور يسعون لما فيه مصلحة أبنائهم، ويرغبون في أن يروهم في أفضل المواقع الدراسية والمهنية، غير أن هذا الطموح – حين يتحول إلى إلحاح وضغط دائم – يُنتج آثارًا عكسية، تترك جراحا صامتة في نفسية التلاميذ.
كثير من التلاميذ يعيشون في هذه الفترة إحساسا خانقا بالخوف من الفشل، ليس فقط لأنهم لا يريدون الرسوب، ولكن لأنهم يخشون خيبة الأهل، ونظرة المجتمع، والشعور بالإحباط الشخصي، إن لم يحققوا المعدل المطلوب، أو لم يُقبلوا في المعهد الذي حُدد لهم مسبقا كوجهة “مستحقة”.

معضلة الانتقاء وتكافؤ الفرص

يزداد الوضع تأزيما حين يصطدم التلاميذ بمشكلة الانتقاء القبلي للولوج إلى المؤسسات العليا، حيث تضع بعض المدارس عتبات مرتفعة للمعدلات، قد لا تعكس بالضرورة الكفاءة أو الإمكانيات الفكرية، بقدر ما تعكس ظروفا اجتماعية أو تعليمية متفاوتة، بين من استفاد من دعم خاص ودروس إضافية، ومن اعتمد فقط على التعليم العمومي.

هذا النظام، رغم سعيه إلى تنظيم الطلب الكبير على المؤسسات المحدودة المقاعد، يُخلف شعورا بالغبن لدى العديد من التلاميذ المتفوقين، الذين قد تُقصيهم فوارق بسيطة في المعدل العام، من معاهد كانوا يحلمون بها لسنوات.

من أجل دعم نفسي وتربوي متوازن

في ظل هذا السياق، تبرز أهمية الدعم النفسي والتربوي، سواء من خلال توفير مواكبة نفسية داخل المؤسسات التعليمية، أو من خلال حملات توعوية موجهة للأسر والتلاميذ، تُعيد الاعتبار لقيمة الجهد، وتشجع على احترام الاختيارات الفردية، وتُخفف من هوس المقارنة والامتياز المفرط.

كما أن من واجب الإعلام والمؤسسات التربوية أن تروج لفكرة التنوع في المسارات، وأن النجاح لا ينحصر في مهنة أو شهادة معينة، وأن لكل تلميذ وتلميذة قدرات ومسارات، يمكن أن تقودهم للنجاح، إن وُفرت لهم الظروف الملائمة.

إن المرحلة التي يعيشها تلاميذ البكالوريا اليوم ليست مجرد محطة دراسية عابرة، بل تجربة مفصلية في حياتهم، تتطلب من الجميع – مؤسسات وأسرا ومجتمعا – أن يعيد النظر في تصوراته وأحكامه، ويُغلب مصلحة التلميذ النفسية والعقلية، على هوس الترتيب والمفاضلة.

فالأهم ليس فقط في الميزة التي ستُكتب على الشهادة، بل في الإنسان الذي نحميه ونبنيه خلال هذه الرحلة.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد