موند بريس/ ذة. سعاد السبع
رغم الصورة النمطية التي ترسّخ في الأذهان بأن الأخصائي النفسي أو الطبيب النفساني هو الشخص الأكثر تماسكا وانسجاما داخليا، إلا أن الواقع المهني يشهد بتعقيد أكبر، حيث تظهر المفارقة المؤلمة: من يُساعد الآخرين على تجاوز أزماتهم، قد يكون هو ذاته عرضة لأزمات خفية تنخر كيانه النفسي في صمت.
تشير الدراسات الحديثة، ومنها ما نُشر في مجلة Journal of Occupational Health Psychology (2022)، إلى أن المهنيين في ميدان الصحة النفسية، خصوصا الأطباء النفسانيين والأخصائيين، يواجهون مستويات مرتفعة من الضغط العاطفي والتعرض المتكرر للمعاناة الإنسانية، ما يُنتج “عدوى وجدانية” مزمنة تُرهق الجهاز النفسي لديهم. هذه الوضعية تستنزف احتياطي الصلابة النفسية التي يُفترض أن تمثل درعهم الداخلي.
الصلابة النفسية، كما صاغها عالم النفس سوزان كوباسا (Kobasa)، هي قدرة الفرد على تحويل المحن إلى فرص، والشعور بالتحكم في المواقف، والانخراط الفاعل في الحياة رغم الشدائد. غير أن الأبحاث تُظهر أن هذه الصلابة ليست صفة ثابتة أو تلقائية، بل تتأثر بسياق العمل وظروفه التنظيمية والعلاقات المهنية. في دراسة نُشرت سنة 2020 بمجلة Psychological Services، تبين أن الأخصائيين الذين يعملون في بيئات تفتقر إلى الدعم الزملائي أو الإشراف المهني المنتظم، كانوا أكثر عرضة للاحتراق النفسي بنسبة 47% مقارنة بزملائهم ممن يحظون بأنظمة دعم واضحة.
ومن بين أحد أخطر مظاهر تآكل الصلابة النفسية لدى المهنيين هو الانزلاق التدريجي نحو متلازمة الإرهاق compassion fatigue، التي تتجلى في فقدان التعاطف، اضطرابات النوم، ومشاعر الاغتراب المهني.
وتُبرز مراجعة تحليلية نشرتها Clinical Psychology Review (2021) أن هذه المتلازمة ليست استثناءً، بل نمطًا يتكرر في أوساط المشتغلين بالمجال النفسي، خاصة في غياب ثقافة رعاية الذات والوقاية المؤسسية.
ورغم الصورة القاتمة، إلا أن الحلول ممكنة. حيث توصي الأدبيات العلمية بمجموعة من التدخلات التي أثبتت فعاليتها، من بينها إدراج برامج تدريبية حول الصلابة النفسية ومهارات التأمل الواعي (mindfulness)، بالإضافة إلى تشجيع بناء شبكات دعم مهني داخلي.
كما تشير أبحاث حديثة إلى أن إشرافا منتظما قائما على الدعم النفسي المتبادل يمكن أن يرفع من مؤشر التكيف الإيجابي بنسبة 35%.
إن التحدي الذي يواجه المختصين في الصحة النفسية لا يقتصر على علاج الآخرين، بل يشمل أيضا الحفاظ على توازنهم الداخلي في ظل مهنتهم المعقدة.
والصلابة النفسية، وإن كانت درعا وقائيا مهما، إلا أنها تظل موردا ينبغي تعزيزه باستمرار، لا افتراضه كمعطى ثابت.
قم بكتابة اول تعليق