موند بريس.
لم تعد الاستعدادات للأزمات في أوروبا تقتصر على رفع جاهزية الجيوش وتعزيز الترسانة العسكرية، بل بدأت تمتد بشكل واضح إلى المجال المدني والبنية التحتية والخدمات الأساسية، مع تنامي المخاوف المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، والهجمات السيبرانية، وحوادث الطائرات المسيّرة، وما تصفه حكومات أوروبية بالتهديدات «الهجينة».
ويظهر هذا التحول في خطط عدد من الدول الأوروبية التي شرعت في تعزيز الدفاعات الجوية، وتطوير أنظمة الإنذار، وتأهيل منشآت الإيواء، وحماية شبكات الطاقة والاتصالات والنقل، إلى جانب إعداد خطط للتعامل مع الإجلاء واستمرار الخدمات الحيوية في حال وقوع أزمات واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، نشر حلف شمال الأطلسي «الناتو» في 15 شتنبر الجاري نسخة محدثة من متطلبات الصمود للدول الأعضاء، واضعاً تعزيز التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية في صلب الاستعدادات الجديدة. وتشمل المتطلبات استمرارية عمل مؤسسات الدولة، وتأمين الطاقة والمياه والغذاء والاتصالات، ورفع قدرة الأنظمة الصحية على التعامل مع أعداد كبيرة من الضحايا، فضلاً عن التخطيط لإجلاء السكان في حالات الأزمات والنزاعات.
ولا يقتصر مفهوم «الصمود» الذي يتبناه الناتو على حماية المنشآت العسكرية، بل يشمل قدرة المجتمع ككل على مواجهة الصدمات والعودة سريعاً إلى العمل الطبيعي. وتؤكد الوثيقة الجديدة أهمية استمرار شبكات النقل والمستشفيات والطاقة والاتصالات في العمل، مع توفير الموارد المدنية التي تحتاجها القوات العسكرية في حالات الأزمات والنزاعات.
وفي ألمانيا، اتجهت برلين إلى إعادة بناء جزء من منظومة الحماية المدنية التي تراجعت أهميتها بعد نهاية الحرب الباردة. وخصصت الحكومة نحو 10 مليارات يورو إلى غاية 2029 لتعزيز الدفاع المدني، مع التركيز على تحويل بعض المنشآت المدنية، مثل مواقف السيارات والأنفاق ومحطات المترو، إلى أماكن يمكن استخدامها للإيواء في حالات الطوارئ، إلى جانب تحديث أنظمة الإنذار ورفع جاهزية معدات الطوارئ. وتستوعب شبكة الملاجئ الحالية نحو 480 ألف شخص فقط، ما يعكس محدودية البنية المتوفرة مقارنة بحجم السكان.
وعلى الجبهة الشرقية، اتخذت بولندا خطوات إضافية لحماية المعابر الحدودية مع أوكرانيا، بعد حوادث مرتبطة بالطائرات المسيّرة الروسية قرب المنطقة. وشملت الإجراءات إقامة منشآت وقائية وحواجز ونقاط للمراقبة قرب معابر، من بينها دوروهوسك وميديكا وكورتشوفا، في إطار تعزيز حماية العاملين والمنشآت الحدودية.
وفي فرنسا، رفعت السلطات مستوى اليقظة تجاه ما تصفه باريس بتزايد التهديدات الهجينة، خصوصاً ما يتعلق بالهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة واستهداف البنى التحتية والمنشآت الحساسة. وأعلن الرئيس إيمانويل ماكرون، عقب اجتماع مع قادة الأحزاب في 18 شتنبر، عن إعداد خطة إضافية لحماية البنية التحتية الحيوية ومواقع الصناعات الدفاعية من هجمات محتملة بالطائرات المسيّرة أو عبر الفضاء السيبراني.
وعلى المستوى الأوروبي، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنشاء مجلس أوروبي للأمن يضم دول الاتحاد وشركاء أوروبيين وغربيين، بالتوازي مع وضع آلية مشتركة للتعامل مع ما يسمى بالتهديدات الهجينة، بما فيها التخريب والهجمات السيبرانية وحوادث الطائرات المسيّرة.
ويكشف هذا المسار عن اتساع مفهوم الأمن الأوروبي، من الاستعداد العسكري التقليدي إلى تحصين المجتمع والاقتصاد والخدمات الحيوية. فالمواجهة المحتملة لم تعد تُقاس فقط بقدرة الجيوش على التحرك، وإنما أيضاً بمدى قدرة الدول على ضمان استمرار الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل والرعاية الصحية، وحماية السكان وتأمين سلاسل الإمداد خلال الأزمات.
ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات لا تعني، في حد ذاتها، أن أوروبا تتجه حتماً نحو حرب شاملة. فالمؤسسات الأوروبية والأطلسية تقدمها أساساً باعتبارها إجراءات للردع والاستعداد ورفع القدرة على الصمود أمام الأزمات والتهديدات المختلفة. لكن توسيع برامج الحماية المدنية، وإعادة النظر في الملاجئ، وربط الخطط المدنية بالعسكرية، وتعزيز الدفاعات ضد المسيّرات والهجمات السيبرانية، كلها مؤشرات على أن البيئة الأمنية الأوروبية باتت تُدار وفق حسابات أكثر حذراً مقارنة بالسنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة
قم بكتابة اول تعليق