5/مبدع في زمن كورونا : الحبيب الدايم ربي: (كورونا  في المحاسن والأضداد).

موندبريس

حوار الأستاذ عبد الجليل العميري

زمن كورونا، زمن الحجر الصحي، زمن الجائحة المعولمة. …تسميات كثيرة أطلقت على هذه الحالة الطارئة المتسلطة على رقاب ملايير سكان العالم. صدمة زعزعت الكثير من اليقينيات وخلخلت أولويات الحياة. أصبح الطعام والصحة في صدارة الأولويات،مع أهمية الأمن حيث استرجعت الدولة ادوارا فقدتها سابقا قبل زمن كورونا،رغم أنها ظلت تتأرجح بين التدبير الجدي للأزمة والتدبير التسلطي لها . وتم رد الاعتبار للعلم وتصدر طلائع مواجهة الجائحة، وتقهقرت بعض الفقاعات، التي كانت تستنزف خيرات الشعوب، إلى الظل. تأكد دور العامل والصانع والتاجر والأستاذ. واكتشف معظم الناس أن للإبداع مكانته في زمن كوفيد 19، اعيد الإعتبار للقراءة وسمعنا عن إرتفاع نسبة رواج الكتب و نسبة استهلاك الأنترنيت، وحاجة مؤسسة عالمية مثل أمازون لآلاف العمال الجدد (100 ألف )لتقديم خدماتها وضمنها الكتاب. رغم الهزات التي عرفها الاقتصاد والمجتمع تأكد للجميع أهمية المعرفة، وان مجتمعا بدون معرفة وإبداع ماله الفشل في تجاوز ازماته، و ان  للبشرية أن تعيد الاعتبار للتعليم والصحة لضمان استمرار وجودها.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة و الاستثنائية ماذا يفعل المبدع؟ وكيف يرى العالم الجديد؟

– لتعريف القراء والقراءات الكرام بضيفنا نشير إلى أنه :روائي صدرت له منذ ثمانينيات القرن العشرين رواية المنعطف، وتلتها روايات:أهل الوقت وزريعت البلاد . ومجموعة قصص بعنوان (الرجل التي  ). بالإضافة إلى دراسة عن التناص عند جمال الغيطاني. كاتب مقالة ممتاز يبني رأيا نقديا قويا.

هنا حوار مع المبدع والناقد  المغربي  د. الحبيب الدائم ربي  يقربنا فيه من يوميات الحجر الصحي كما يعيش بعض أوقاتها.

–   ما اهمية القراءة  في زمن الحجر الصحي؟ وما قراءاتك في ظل هذا الحجر الصحي؟
1)   من المؤكد أن للقراءة دورا مركزيا في تنمية الفكر وتطوير الذات. وقد غدت اليوم ضرورة  ملحة وشرطا أساسيا من شروط انتمائنا للعصر. ولعل من أكبر أعطابنا أننا لا نقرأ إلا قليلا، أو نادرا. والحال أنه لا حل أمامنا للخروج من تخلفنا إلا القراءة، كمدخل وحيد  لترصيد  حضورنا في بورصة الرمزيات. ونحن لا نتكلم عن التمدرس، بما هو آلية من آليات الإقراء الموسساتي، وإنما نعني القراءة  كسلوك فردي منتظم  لتغذية العقل والمخيلة.  لذلك فإذا كان فعل القراءة ذا عائد مضمون في الأيام العادية فإنه يغدو في الأوقات العصيبة ترياقا يزيد من منسوب الأدرينالين للحد من  آثار الضغط النفسي. إذ إنه يصعب التكهن، مثلا، بمدى معاناة الذين لا يقرأون، في ظل الحجز الصحي الذي فرضته جائحة كورونا، قياسا إلى من جعلوا القراءة زادهم اليومي. وأظن أنني كنت، ككثير من أصدقائي، وبفعل عادة القراءة المكتسبة، محصنا نسبيا من متلازمة ” الإقامة الإجبارية” التي نجهل لحد الآن تداعياتها وأعراضها الجانبية على الأفراد والمجتمعات. ورغم ولعي بالأسفار والتنقلات، إلا أنني غالبا ما أقلل من تحركاتي خلال شهر الصيام، الذي تزامن هذه السنة مع فرض حالة الاعتكاف المنزلي. مما جعل الفرصة سانحة لي لأفي بديوني القرائية المجدولة، والمرجأة باستمرار،  وهكذا تمكنت من قراءة كتب ما كان وقتي يتسع لقراءتها من قبل. حتى خيل إلى  أن “الوقت الثقيل” لدى غيري، يمضي عندي بسرعة أكبر.

–  ما أحوال الكتابة  والإبداع لديكم في ظل هذا الحجر ؟
2)  ولأن القراءة بمثابة شحن لبطارياتي فقد كنت أنتهز أوقاتا مستقطعة لأدون ملحوظات، أو أكتب مقالات أو مداخلات، و أرتب أوراقا ورؤوس أقلام مبعثرة، فضلا عن مواصلة تحبيك نصوص تخييلية تأبى أن تكتمل. علما  بأن الإحساس بالحصار يظل ضاغطا، في كل الأحوال، ولا مجال للزعم بأن الكتابة والقراءة وحدهما قد تخلصنا من طاقتنا السلبية المتولدة من خشيتنا من وباء كورونا و تعرضنا لتسونامي الأخبار المتناقضة والمؤلمة، عدا جرعة الرداءات الزائدة التي تمطرق بها قنواتنا التلفزيونية ما تبقى سالما من حسنا الفني وذائقتنا الجمالية.

– ما رؤيتكم للعالم في ظل زمن كورونا وما بعده؟
3)  من حسنات بعض المصائب أنها قد تسرّع من وتيرة التاريخ أو على الأقل قد تعجل بفهمنا للواقع. ويُحسب لجائحة كورونا أن نبهتنا إلى أن حصرم العولمة كان من شأنه أن ضرّس أسنان الجميع. دون أن يستثني من العالمين أحدا. وكما تحققت العولمة في الاقتصاد والسياسة هاهي تتحقق في الأوبئة. بيْد أن هذه العولمة المتوحشة سرعان ما وجدت نفسها في مأزق غير محسوب، حين انكفأت كل دولة على نفسها في تناقض صارخ مع الشعارات السابقة الزائفة. بتخلي “الدول العظمى” عن الدول الفقيرة. وكان من نتائج  هذا “التخلي”  أن حفز هذه الأخيرة على الاعتماد على طاقاتها الخاصة فحققت نتائج لابأس في تدبير “أزمتها”، بل و أدركت أن مقولة “الدول العظمى” تفتقر إلى التواضع الضروري، وأن “عظمتها” أتت من استضعاف غيرها ليس إلا.
من ثم يمكننا أن نتفاءل خيرا بما بعد كورونا. شريطة تحصين القيم النبيلة التي اكتشفناها في ذواتنا، و تشجيع روح الانضباط لدى الجميع وإيمانهم  بدولة الحق والقانون والشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وإلا فسنعود إلى إحياء “أنظمة شمولية” لا تحتكم إلا إلى التسلط والقهر، لاسمح له.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


6 + 4 =