17/مبدع في زمن كورونا: الأستاذ الطاهر لكنيزي   : القراءة فالقراءة ثم القراءة

موندبريس

حاور الكاتب الأستاذ عبد الجليل العميري

زمن كورونا، زمن الحجر الصحي، زمن الجائحة المعولمة. …تسميات كثيرة أطلقت على هذه الحالة الطارئة المتسلطة على رقاب ملايير سكان العالم. صدمة زعزعت الكثير من اليقينيات وخلخلت أولويات الحياة. أصبح الطعام والصحة في صدارة الأولويات،مع أهمية الأمن حيث استرجعت الدولة ادوارا فقدتها سابقا قبل زمن كورونا،رغم أنها ظلت تتأرجح بين التدبير الجدي للأزمة والتدبير التسلطي لها . وتم رد الاعتبار للعلم وتصدر طلائع مواجهة الجائحة، وتقهقرت بعض الفقاعات، التي كانت تستنزف خيرات الشعوب، إلى الظل. تأكد دور العامل والصانع والتاجر والأستاذ. واكتشف معظم الناس أن للإبداع مكانته في زمن كوفيد 19، اعيد الإعتبار للقراءة وسمعنا عن إرتفاع نسبة رواج الكتب و نسبة استهلاك الأنترنيت، وحاجة مؤسسة عالمية مثل أمازون لآلاف العمال الجدد (100 ألف )لتقديم خدماتها وضمنها الكتاب. رغم الهزات التي عرفها الاقتصاد والمجتمع تأكد للجميع أهمية المعرفة، وان مجتمعا بدون معرفة وإبداع ماله الفشل في تجاوز ازماته، و ان  للبشرية أن تعيد الاعتبار للتعليم والصحة لضمان استمرار وجودها.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة و الاستثنائية ماذا يفعل المبدع؟ وكيف يرى العالم الجديد؟
ضيفنا اليوم هو المبدع القاص البارع الأستاذ الطاهر لكنيزي، الذي سيحدثنا عن أجواء القراءة والكتابة في زمن كورونا.
-ما اهمية القراءة في زمن الحجر الصحي؟ وما قراءاتك في ظل هذا الحجر الصحي؟
– غالبا ما أردّد: القراءة، فالقراءة ثمّ القراءة. لا أحد ينكر ما لها،  في الأوقات العادية، من فوائد جمّة علاوة على  ترميم وتأتيت الذاكرة، وتجديد الفكر، وتنقية  الروح من الشوائب المشينة للخُلُق، وتليين الطباع الخشنة ؛ أمّا في زمن الجائحة التي أربكت العالم برمّته وخلخلت كل البرامج والمواعيد، وأجّلت عدّة مشاريع إن لم نقل نسَفتْها، فقد اضطر، حتى الذين لا يقرأون إلا لِماماً، إلى التشبّث بالقراءة كطوق نجاة كي لا يجْرفهم تيارُ الفراغ الهادر. لقد  أعادَ الحنينُ بعضَهم إلى كتب قرأوها سابقا، وتركت أثرا بالغا في نفوسهم، يتلمسون فيها بعض ذكرياتهم الجميلة، أو يقرأون ما اشتروه أو أُهديَ إليهم سابقاً من كتب ولم تسعفهم الإكراهات اليومية لِتَصَفّحها.  لقد أصبحت القراءة في ظلّ الحجر الصحّي مؤنسا للذين تعودوا الدردشة مع الأصدقاء وحرموا منها، وبلسما للرّوح يضمّد جراحها، ومسكّنا للهواجِسِ، ومسلّياً عن النّفس المترعة بالقلق والخوف. حتّى من له خزانة من الكتب ولم يقرأ بعضها،  فقد أتيحت له الفرصة أثناء ترتيبها  للاطلاع ولو على عناوينها.
بالنسبة لي، القراءةُ هي الخزّان الثاني، بعد كِتاب الحياة المفتوح على اليومي الذي نقفز أحيانا على إحدى صفحاته، وبعضِ مشاهده التي تشدّ بخناق البصر لكنّ البصيرة المنفلتة تعمى عنها.  يقول مثل فرنسي  ما معناه:” الكيس الفارغ لا يستقيم واقفا.”؛ فلا أحد يكتب من فراغ. الكتابة سَفر طويل،  لكن تتخلّله محطّات الاستراحة وهي الكتب. فكلّما شعرت أنّ طاقتي الإبداعية بدأت تنفُد وجفّ صبيبها حتّى لا يكاد يبلّل منقار يراع، وضاق أفق الخيال،  توّقفت لأشحن الفكر بما أستخلصه من القراءة، وأوسع فضاء الخيال بما أركّبه من صور أثناء القراءة، فأترع مما تفيض به المؤلفات كيفما كان جنسها الأدبي. في ظل هذا الحجر الصحّي، لم تتغيّر طبيعتي مع القراءة لأنّ من طبعي حبّ الاختلاء إلى النفس والقراءة والكتابة، بيْد أنّني  كنت أميل إلى قراءة كتب صغيرة الحجم.
ما أحوال الكتابة والإبداع لديكم في ظل هذا الحجر ؟
من بين من أولي لهم اهتماما خاصا في حياتي: الكتابة والتفكير فيها. أنا لا أعيش في كوكب آخر، ولا يمكن أن لا أتأثر بما يقع حولي داخل محيطي أو خارجه، ولما يتعرّض له الإنسان من ظلمه لأخيه أو حتّى لنفسه. والشاعر في رأيي ليس هو من ينظم القوافي ويُدبّجُ القصائد، ولكنّه ذاك الذي يشعر بما تركه، في نفس إنسان آخر، حدثٌ ما، في السرّاء أو الضرّاء، فيعبّر عنه كما لو أنّه عاشه هو نفسه.
لا أبالغ إن قلت إنّ هذا الحجر الصحّي، أو هذه الزلزلة التّي خضّت كل نفس مهما كانت أخلاقها لم تغيّر فلسفتي الراسخة عن الحياة، ولكنّها فجّرت ينابيع الأحاسيس بداخلي، وأصبحت روافد تغذّي نهر الإبداع بمشاعر فيّاضة،  فتضاعف نسبيا جهد الكتابة ومنتوجها. الكتابة لا تنقاد لصاحبها ولا تكون عميقة إلا إذا حلْحلت الأحزان والآلام أحاسيسه بعمقٍ ورجّت فكره أسئلة حارقة.
بعدما أصبحنا شبه معطّلين اِرْتكَنتُ إلى نفسي، كأننا في استنطاق، أتقرّى ماضيها وأستقرئ خباياها، فأجلدها أو أرضى عنها، وأعبّر عمّا يعتلج بداخلها، وكان البوح نصوصا تجسّد معاناة الإنسان في مواجهة هذا الوباء الذي صفع العالم حتّى أدرك بكلّ حواسّه أنّ الأرض فعلاً تدور.
*ما رؤيتكم للعالم في ظل زمن كورونا وما بعده؟
كان العالم نائما يحلم بحياة خارج هذه الأرض، كأنّه ملّ منها وهوالذي بدونه تحيا الحياة طقوسَها،  فَأتت هذه الجائحة كجاثوم خانق، حتّى بعد أن استفاق فقد بقي جاثما على صدره، إذ أصبح حقيقة. لا شيء تغيّر، وهذا رأيي الخاص، إلا أنّ المحسنين تضاعف برّهم، والجشعون ازدادوا نفاقا وبهتانا. حقيقة أن العالم أصبح فعلا قرية صغيرة بعدما أصبح هذا الوباء كونيا، وأنّ هذه الفترة لم تَخِلُ من مساعدات وتضامن بين الدول وأفراد المجتمع الواحد، لكنّها لم تخْلُ من معاملات برائحة المصالح الشخصية.
لا شيء في الأفق القريب يوحي بالتفاؤل أو يبعث عليه، فما بعد زمن كورونا – هذا إذا اختفتْ – ستطوّر الليبرالية المتوحّشة أساليبها الخبيثة، وتقوّي منظومتها الدفاعية، وقد تسير بظلفها نحو حتفها، دافعة بالإنسانية نحو عبودية جديدة.
لقد طحنت التكنولوجيا الحديثة كل الأخلاق والمبادئ الإنسانية وعجنتها لتصيغ منها منظومة جديدة على هوى من يتسارعون ليس فقط لترسيخ حدودهم، ولكن للدفاع عن مجالهم الحيوي، من دون أن يدركوا أن تأمين مصالحهم الخاصة يكمن في تأمين المصلحة العامة: مصلحة الإنسان، أيّ إنسان وفي أيّ مكان كان.
أتمنى أن يستفيد العالم من هذه التجربة الاستثنائية، وينتبه إلىسلوكه اتجاه محيطه، ويعمل على صيانته وعدم تلويته، وعلى الدول التي تعتقد أنّها ستقود العالم يوما، أن لا تتسابق إلى التسّلح، بل تُسارع إلى تدعيم وتطوير قطاعي  التعليم والصحة، كما أبانت هذه التجربة القاتلة عن أهميتهما في تنوير عقل الإنسان  وصحّة جسمه.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


3 + 2 =