وقفة أدبية: قلوب تضحك من الوجع .

قلوب تضحك من الوجع :
بقلم : جواد ذوالهمة
“وردة”
1
تنقلني السفينة الثانية إلى أمواج الأمومة، وما يرتبط بها من صخور الحياة ورمال المعيشة، هي قصة لوردة، أو زهرة لم يكن لها من اسمها نصيب، كان يلفحني عطرها كل صباح، وأستغرب لتويجاتها التي ظلت صامدة رغم شح السماء، وإهمال البستاني، وردة جربت أن تستأصل من جذور الاهل إلى أصيص الزواج على غير هداية وسابق دراية .
كانت تربة البيت الذي نقلت له لا تناسب سوى فكر الأهل الذي يرى في الزواج خلاص الأنثى، التي يرتبط العار بتنورتها منذ أول بزوغ انثوي يجذب العيون، ويستهوي الأفواه والألسن، إنه كائن يعيش البراءة ولا يحياها، كانت الأعراف التي لا تَعْرِفُ شيئا للمرأة سوى البيت والزوج والطاعة… تحرم الفتيات في بلدتها من تتمة الدراسة، خوفا من أن يصبحن محاميات…
نشأت في ضفة تحتضن الوادي الذي جف دمعه من شدة فقد ورداته، واد كان ينهمر خوفا من أن يمس العطش بزهراته ونخيله، فلما أدرك أن يد الغريب أصبحت تأكل ما ينتجه دون حق أو سابق إشعار، جف من فرط الشوق وشدة الفقد… إنه زمن كانت فيه الاشياء تصرخ قائلة لا للظلم في ظل آذان إنسانية صماء تأكل الاعراف وتشربها .. فلم يجد من يشاركه الألم سوى بكاء السماء الذي يحمله في لهفة لرؤية فُتَاتِ زهور وبقايا ورود..
مما زاد الطين بلة، واللجين سيلا، أن الشمس كانت لا تدخل قريتها، التي تقع بين الجبال، ولا تعرف عن المستقبل سوى القدرة على حمل الأثقال، ومن بينها ثقل يدوم تسعة أشهر، علامة على الكمال، وإلا صارت لقمة صائغة في أفواه النسوة،
كانت “وردة” تبكي الدم بدل الدموع معلنة رفضها، مبدية رغبتها في استكمال دراستها، (حقيقةٌ أو وهمٌ)، قطعه عليها والدها قائلا: ” تريدين أن تصيري محامية ..”، كفكفت دموعها وقصدت الوادي الذي صادف وصوله سقوط دمعاتها المنكسرة التي لا حيلة لها ولا باب ..
حكت همها وشكت حزنها للوادي أخذ منها عبرات سقطت، ومنحها احتياط دمعات تخبئه للزمن، وأكمل رحلته يسقي التيجان المحروقة، ويغدق بالرحمة على الجذور اليابسة، ويناجي السكان سقي الشتائل المنزوعة…جارفا بلا هوادة ما استطاع أن يجرفه من أعراف القبيلة …
في اليوم الموعود تزف لزوج لا يعرف مكانة المرأة إلا كما خبرها من خلال رعيه للأغنام وسقيه للنخيل..، تقضي “وردة” ستة أشهر في بيت الزوج، شهور كانت كفيلة بنزع جزء من بسلاتها وذبول تويجاتها، التي بدت ناضرة وهي تُحدِّثُ الوادي.
تخلصت من سلطة زوج وحماة وعادت والأفكار تتراقص في ذهنها حول بيت الأهل وحاله، فوجدته يعج بأزهار وِديانٍ من كل حدب وصوب، كانت تسمع قصص بعضهن في الزيارات المتباعدة التي كان يخصصها الوادي لبلدتها،

2
وجدت إخوتها الذين يتشاجرون بالأمس حول أيهم يركب في مقدمة “الحائط المتهالك” مازالت حفره شاهدة عليهم ، قد صاروا رجالا يتشاركون اللعبة نفسها مع زوجاتهن بقليل من الخصام وكثير من الحرص ..
أثبتت السنون بعد مضي، أن العقم الذي لبسته “وردة” كان توبا من أتواب زوجها السابق الذي طلَّق دونها الكثيرات، وكأنه مختبر للتحليل الصبغي، أخطاء كانت تستغرق القرون لتعيها القبيلة، كانت طريق “وردة” كفيلة بتعجيل معرفتها، بعد رزقت بطفل ذكر مع زوجها الثاني، ولا أدري أ ضاقت في وجهها أم تبسمت لها الحياة بمولود ذكر ثان، جعلها تكسب قلب الحماة، وتدخل في صراع مع “راكم عارفين” .. تفاصيل حياة “وردة” أكبر من أن يحيط بها قلم أو يجمعها قرطاس، هي شعاب مهما توغل فيها الذكر قصَّر،
فماذا تصنع وردة بعد أن حرمها عقم المجتمع من متابعة الدراسة خوفا من أن تصبح محامية، هل تحقق حلمها في أبنائها وليس بهم، لأن المرأة تعطي ولا تأخذ، تلد هي وتنسب الأبناء للرجل ليس عيبا، ولكن العيب أن يقرر الأب مصير حشاشة لبثت في بطنها تسعا، وشربت من لبنها حولين…، وهل يصمد قطارها في المضي فوق سكة واحدة، بعد أن باعدت الجغرافية المقفرة بينها وبين ذويها، كل هذه الأسئلة جالت في ذهنها كما استحضرها ذهني في قراءة مباشرة للملامح، وانغماس مستكشف في أحداث قُرِّرَ أن تعيشها أكثر من رغبتها في أن تحياها ..
تتذكر كثيرا صداقة الوادي، وعطش السنين، فتأمل أن يكون واديها الجديد في ابنيها، وبين دمعة أمس ويقظة حاضر، تسلحت بالصبر وخاضت “حرب النسا” في وقت ما تزال فيه شابة، مستشرفة أن يضحك المستقبل لها، عاقلة ألمها في قلبها، وتعلوها ابتسامة من تختصر وجع سنين ماضية، ومخاض ولادة قيصرية أو طبيعية، في عالم لا يعترف إلا بالقوي…

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


5 + 2 =