وجهة بلا عنوان

وجهة بلا عنوان

موند بريس: الكاتب جواد دو الهمة

توفي الأب بعد سنة كانت الأصابع تشير إليه ليكون وريث الأب الفعلي، رغم كثرة إخوته وبلوغهم سن الرجولة قبله، وقد كانت نسوة أبيه تتوجس منه خيفة منذ نعومة أظافره، ولولا ملوحة أمه التي حالت بينه وبينهن ما كان ليدرك هذا النصر الذي خبره المكر والدهاء قبل الولادة وبعدها، فما إن وري جثمان أبيه الثرى تداعى وقع الخطى يتقهقر، لتنسج المكائد والفخاخ، وقع خبره منذ كان أبوه حيا وعاشته مخيلته غير ما مرة بين الحلم والهذيان والحقيقة والصدفة،
لقد انطفأ القنديل الذي كان يربطه بالأرض والعرض، وصار عرض كان له فيه جزء عرضا وعبئا كاملا على ساعده، تأمل قبر والده طويلا، وأخذت أقدامه تسير دون تفكيره قبل أياد تعزيه بحكم العادة أكثر من الإدراك، نادى أمه همس في أذنها وعاد متأملا قبر أبيه رافعا كفيه للسماء وعبراته تسقي وتجود بالرحمة على قساوة الحفرة، أهو دعاء لأبيه أم تذكر لموضعه بعد أيام ؟ تكثر التكهنات وتتعدد ويبقى العنوان واحدا … انتهت حياة لتبدأ أخرى..
ذهب الأب “محمد” وترك ابنه مع ميراث فصلت آياته قبل النزول، لكن الإرث الحقيقي لعمرو هو أمه “المالحة”، وبينما هو عند القبر يتضرع للخالق الغفران لأبيه والعون لأمه، تعود أمه برزمة بوجه يختزل الابتسامة ويحتفظ ببقايا نواح صار عادة أكثر منه وجعا أو حزنا على الفقيد، نهض عمر من القبر وقصد أمه وحمل عنها الرزمة ووضع نقطة نهاية مع تاريخ كان فيه ابنا، من أجل غد حملته فيه الأيام هم الكبير وحنكة الأجير…
هرع الصحاب وكبار القبيلة يوقفون ريح المرحوم ويحولون دون سفره، بين من يستعطف الأم مستغلا كلمها، ومن يستنصح للابن بمعية التاريخ والجاه والوصية..، آلت الجهود لابتسامة من قلب ينفطر وجعا، ضحك عمرو في وجه القبيلة قائلا: “أ لا ترون أن السكان والأسرة التي تنظر أن ترث قد غابت عنكم واستوطنت مكانا غير قفركم هذا، أم تريدون أن أؤنس أبي، وإذ ذاك لمن أترك أمي”، تأمل الناس وجوه بعضهم فوجدوا وكأن محمدا لم يخلف سوى عمرو…
خرج عمرو من بلد الأب على غير مقصد أو سابق دراية، رحلة دون وجهة وبلا عنوان.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


1 + 1 =