همسة قبل مغادرة جبال حاحا

موندبريس

الكاتب : رشيد ساجد

اليوم وأنا أعد حقائبي لأغادر هذه الأرض البعيدة انتابتني أحاسيس غريبة ..وسألت نفسي أتراني أعود إلى هنا أم أن القدر قد استوفى أجله في هذا المكان ..
هذا المكان الذي طالما كرهته وتدمرت منه وأيقنت ان لا أمل في أن أألفه أو أحبه يوما فعقدت معه -غصبا- هدنة مفتوحة الى أجل غير مسمى ..
لكنني بالمقابل أحببت أناسه كثيرا أحببت طيبتهم وسذاجتهم والصبر والبساطة التي تطبع حياتهم حد الرتابة والجنون..
احببت صبرهم ومكابرتهم للألم وقسوة العيش وشظفه .. أحببت دعوتهم لي لمشاركة كأس شاي أو قهوة بالأعشاب ممزوجة بالحليب ..
اليوم وأنا أودع تلاميذي أحسست ان دموعهم قد غسلت كل أوجاعي .. أحسست برغبة كبيرة في البقاء … في الضحك..في البكاء ..وفي الصمت..
هؤلاء التلاميذ الذين أحببتهم كثيرا ..أحببت نظراتهم ابتساماتهم تعليقاتهم بالامازيغية داخل حصة الدرس حين يغضبون او حين يستعصي عليهم فهم درس ما ..حين يفرحون وحين يضحكون بشكل هستيري على كلمة بالفصحى لها معنى مغاير في قاموسهم الامازيغي ..أحببت ثقتهم بي وتقاسمهم معي لأسرارهم البسيطة والمعقدة ..تقاسمهم معي لقطعة خبز ..لبرتقالة ولقطعة حلوى ..
فلا شيء كان يخفف عني ألم الغربة والجبال عدا ابتساماتهم في الصباحات الباردة كانت تمنحني الدفء وقوة غريبة ..تجعلني اشعر أنني لست مخلوقا عاديا بل رسول يحمل فانوسا ويضيء العتمة لمن حوله .. انني أشبه بالبطل الأسطوري الذي سرق النار من الآلهة ليوزعها على الناس وينير العالم ..
ووحده هذا الاحساس كان يمنحني قوة غريبة على الصمود والاستمرار والبقاء في مكان تنعدم فيه كل ظروف الحياة الطبيعية…
اليوم وانا اعد حقائبي لاغادر جبال حاحا لا بد من
كلمة شكر:
شكرا اهل تيزي ..شكرا لانكم تقاسمتم معنا عاداتكم واعراسكم وطعامكم ..في سخاء غريب..
شكرا “بوتحانوت ازلاي” لأنك كنت تحضر كل أغراضي كلما هاتفتك .
شكرا “الفنان المشهور سي أحمد” لأنك كنت تنقدني في مواقف شتى وتنجز جميع البريكولات …
شكرا سي أعراب سي علي ومحمد ازروال ولد مبارك فبدون سياراتكم ما كنت لأطأ ارض تيزي راكبا…
شكرا لك دابتي التي امطيتك كلما استنفذت كل الحلول للحصول على وسيلة نقل
شكرا لكم تلاميذتي لانكم تحملتم عصبيتي وعقدي النفسية ولم ارى منكم الا الحب والاحترام التام ..
شكرا لأنكم جعلتموني اليوم على حافة البكاء من الفرح وهي حالة نفسية ناذرا ما اعيشها ..
اعتذار رسمي : هههه سامحيني أيتها الجبال لانني بصقت في وجهك كثيرا وأهنتك ولعنت أصولك واجدادك في صمتي وجهري ..ولعنت حشراتك السامة وأعلنت عليها الحرب والجهاد والحداد ..
..سامحيني والتمسي لي عذرا فقد كنت احس بالاحتضار وبانك ستنطبقين علي في اية لحظة وانت الرباعية العملاقة الضخمة .. وانا الضعيف قشة تهزني الغربة والخوف في حضورك ..سامحيني…
سلام عليك ايتها الارض البعيدة

وداعا جبال حاحا

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


52 + = 57