هروب جماعي.. مليون عامل أجنبي يغادرون بريطانيا.. لماذا؟

موند بريس / محمد أيت المودن

لعقود طويلة ظلت المملكة المتحدة حلما للعمال من مختلف مناطق العالم؛ لما توفره من فرص، خصوصا بالعاصمة (لندن)، صاحبة المركز المالي الأكبر بالعالم؛ لكن يبدو أن هذا الوضع يسير نحو التغيير، بعد تسجيل مغادرة أكثر من مليون عامل أجنبي بريطانيا خلال سنة واحدة.

 

وأظهرت دراسة لـ”مركز التميز للإحصاء الاقتصادي” (ESCoE)، أن حوالي 1.3 مليون عامل أجنبي، قد غادروا بريطانيا خلال الفترة الممتدة بين يوليو/ تموز 2019 حتى الشهر نفسه من 2020، وهو رقم غير مسبوق، ولم يسجل نظير له منذ الحرب العالمية الثانية.

ووفق الوثيقة نفسها، فإن العاصمة لندن لوحدها فقدت 700 ألف عامل أجنبي، وهو ما يمثل 8% من سكان العاصمة، مفسرة هذا “الهروب الجماعي” بنتائج جائحة كورونا، التي أدت لإغلاق الاقتصاد لأشهر طويلة، إضافة لعدم اليقين الذي ولدته مفاوضات “البريكست” (Brexit) لمدة 4 سنوات.

والسبب في تركز ظاهرة هجرة العمال الأجانب بالعاصمة (لندن)، هو الخسائر التي تكبدها قطاع الخدمات، وفقدانه لعشرات الآلاف من الوظائف بسبب الإغلاق، ولا تحسم الدراسة ما إذا كان هؤلاء العمال سوف يعودون لبريطانيا بعد إعادة فتح الاقتصاد أم أن الوضع سيستمر على ما هو عليه.

قلق منهك

مغادرة مدينة مثل لندن لا يكون بالقرار السهل على أي شخص عمل فيها لسنوات، وتعرف عليها عن قرب، وهذا حال ميشال بورتيه المواطن الفرنسي، الذي عمل لسنوات في قطاع التأمين بالعاصمة لندن. يقول بورتيه “كانت فكرة العودة لفرنسا تراودني منذ بداية جدل البريكست؛ لكن بعد الجائحة حسمت أمري، وعدت للاستقرار في باريس”.

ويبرر ميشال قراره بأسباب اقتصادية ومالية في المقام الأول “بعد البريكست الكثير من الشركات الأوروبية نقلت مقراتها لمدن أوروبية أخرى، ولهذا فعملي سيكون أفضل في باريس”، مشيرا إلى البعد النفسي في قرار انتقاله “نقاشات البريكست كانت منهكة للكثير من العمال الحاملين لجنسية أخرى غير البريطانية، وكثيرون اختاروا مغادرة لندن تجنبا لمفاجآت الساعة الأخيرة”.

وطالما عُدت لندن المدينة الأفضل لنجاح أنشطة الخدمات؛ إلا أن جائحة كورونا ضربت هذا القطاع في مقتل، بسبب الأشهر الطويلة من الإغلاق، وهذا ما يؤكده جيريمي، العامل الفرنسي الذي حل في لندن قبل 5 سنوات للعمل في أحد الفنادق الشهيرة.

“لم أكن محظوظا لأنه مباشرة بعد وصولي وتعودي على المدينة، وما تقدمه من فرص بدأت مشاكل البريكست، ورغم ذلك كنت مصرا على البقاء في لندن، نظرا لجودة الحياة هنا، وحجم الفرص في قطاع الخدمات”.

لكن نظرة جيريمي تغيرت بعد جائحة كورونا، “في البداية كنت أعتقد أن الأمر لن يستمر طويلا؛ لكن بعد أشهر قررت العودة لبلدي، لأن النشاط الاقتصادي لن يعود للعاصمة كما كان، وسيستغرق الأمر وقتا لا أستطيع أن أتحمله ماليا ولا نفسيا”.

الإجراءات بعد البريكست أصبحت معقدة للحصول على العمل في بريطانيا للأجانب (غيتي إيميجز)

مغادرو لندن

لا يستغرب مصطفى البازركان، المستشار الاقتصادي في الحي المالي في لندن، من عدد مغادري بريطانيا من العمال الأجانب، وهذا يرجع -برأيه- بشكل أساسي للبريكست، فحتى الساعات الأخيرة من المفاوضات لم يكن هناك وضوح، والجميع كان حذرا وخائفا على وظيفته، ولهذا قرر عدد كبير مغادرة البلاد تجنبا للأسوأ.

ويرى المتحدث ذاته أن قطاع الخدمات الذي يشكل 72% من الاقتصاد البريطاني، كان الأكثر فقدانا للوظائف؛ بسبب قرار مؤسسات مالية وشركات تأمين كبرى نقل مقراتها إلى فرانكفورت وباريس، معتبرا أن هذا الوضع غير المستقر لقطاع الخدمات في لندن سوف يفقدها وضعها العالمي؛ لأن رأس المال جبان، ويبحث عن الوجهات المستقرة.

ومن بين الأسباب التي دفعت العمال الأجانب إلى مغادرة البلاد، هي تعقيد الإجراءات بعد البريكست من أجل العمل في بريطانيا للأجانب.

وعلى سبيل المثال، فقطاع الإنشاء والإعمار يعتمد بشكل كبير على اليد العاملة من أوروبا الشرقية؛ لكن هؤلاء اضطروا للعودة لدولهم بعد أن اكتشفوا أنهم سيخضعون لقوانين مختلفة.

ويعبر الخبير المالي عن خشيته من فقدان بريطانيا لجاذبيتها لليد العاملة الخبيرة والكفاءات، “في السابق كانت لندن هي المكان المفضل لألمع العقول الاقتصادية والمالية؛ لأنها منصة عالمية أما بعد البريكست، فالوضع تغير كثيرا”.

وتوقع أن لندن لن تتمكن من الحفاظ على وضعها كأكبر مركز مالي بالعالم.

آمال الانتعاش

يعترف أستاذ الاقتصاد في لندن، نهاد إسماعيل، بفقدان بريطانيا لجاذبيتها للعمال الأجانب منذ التصويت لصالح البريكست، بعد أن وجدوا أنفسهم أمام شروط وقيود كثيرة، الغرض منها التحكم بالهجرة خصوصا القادمة من أوروبا الشرقية.

ويشير نهاد إسماعيل إلى نتائج جائحة كورونا، التي جعلت العمال المهاجرين يهربون منذ إعلان إغلاق الاقتصاد، والشروط الصعبة التي وضعتها وزارة الخزانة للاستفادة من تعويض فقدان العمل، ولهذا فضل كثيرون العودة لبلادهم.

ويراهن الخبير الاقتصادي على سرعة إعادة فتح الاقتصاد البريطاني مع تسارع وتيرة عملية التلقيح مقارنة ببقية الدول الأوروبية، فحينها ستحتاج بريطانيا ليد عاملة خصوصا في قطاع الصناعة والفلاحة والفندقة والمطاعم، وهذه مهن لا يحب البريطانيون العمل فيها، ولهذا يحتاجون لليد العاملة الأجنبية.

ويبقى القطاع المالي هو حجر الزاوية في أي إقلاع اقتصادي بريطاني، فهذا القطاع يشكل 7% من الناتج الداخلي الخام، ومع الأسف لم يكن مشمولا بالاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي، وفق نهاد إسماعيل، الذي كشف أن هناك ضغوطا كبيرة على الحكومة البريطانية لفتح هذا الملف مع الأوروبيين.

ويقول إنه في حال كان هناك اتفاق واضح حول هذا القطاع، فالأكيد أن لندن ستعود مركزا ماليا عالميا مفضلا للجميع، وتعود بريطانيا لاستقطاب العمال الأجانب.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 77 = 86