هاجر الصبيري تكتب: “بخاخ السعادة”

بقلم الباحثة والقاصة هاجر الصبيري

فوقها سماء زرقاء تملؤها الغيوم، بجانبها كوب قهوة داكنة، وبين يديها كتاب يحمل عنوان ” كيف تجد السعادة الحقيقية “، مندمجة هي في القراءة، تبحث عما تخفيه الأسطر، كأنها تحاول استخراج مفاتيح السعادة من بينها، نصحتها به إحدى الصديقات بعد أن لاحظت حالها المرثي، و الهالات السوداء التي تخفي جمال عينيها، وسكونها الغير معتاد.
قرأت لكن دون جدوى، حاولت تجربة التمارين الملحقة في الكتاب، كأن تغمض عينيها و تتنفس بعمق وتضحك بصوت عال دون اكتراث لأي شخص، لكن ما إن حاولت ذلك حتى سمعت قهقهات وضحكات أصوات من حولها، فتحت عينيها فإذا بالصغار يشيرون إليها بسباباتهم ويضحكون لحالها الغريب في نظرهم، نهضت بغضب من مكانها، أغلقت الكتاب، وبدأت تهرول باتجاه القمامة، أمسكت الكتاب بقوة وقالت بضجر:”لا سعادة لي هذا العالم البائس”، ثم رمت الكتاب وابتعدت وهي تخطو خطوات محبطة، تلاشى كل شيء
حتى ذلك الأمل الذي عقدته على الكتاب غادرها، تخلصت من سعادتها الآن، ولا أمل لها لإحيائها مجددا..
فجأة لاحظت وهي تلوك أفكارها المرة تجمعا كبيرا من الناس، صراخ وتضرع ونجدة، وقفت مكانها تجول وتصول برأسها، اقتربت خطوة… خطوة، واستفسرت عن سبب التجمع من امرأة مسنة :
– ماذا يحدث ؟ ما سبب هذا التجمع؟
– هناك طفل صغير يعاني من نوبة تنفسية حادة، اختنق وأمه تصرخ منذ دقائق ولا أحد هنا يستعمل نفس البخاخ، و الصيدلية الوحيدة القريبة من هنا مقفلة الآن.. وإن اتصلنا بالإسعاف حتما سيتأخر حتى يختنق الطفل ويموت.
صعقت وقالت وهي تبحث في حقيبتها كالمسطولة:
– ربو….بخاخ … أين البخاخ ؟!
دخلت وسط الحشود قاصدة أم الطفل، فإذا بها ترى الطفل مغميا عليه بين دراعي أمه التي غطت وجهها الدموع .. وسألت:
– سيدتي .. من فضلك. أي بخاخ يستعمل ابنك .. أنا أيضا مريضة ربو !
ردت عليها الأم بكلمات مبعثرة وسطها الكثير من الدموع .
_ الأ .. الأحمر
– حسنا إنه معي
أخذت البخاخ من حقيبتها، جلست على الأرض ، أمسكت الطفل، وطلبت من أحد الواقفين أن يبعد المتفرجين، فتحت فمه وأدخلت الرشاش، رشت مرة، و أعادت الكرة، وأخذت بعدها قنينة الماء، رشت بها وجهه فإذا بالطفل يفتح عينيه، سعل ثم تنفس بعدها، بدأت الأم بالصراخ، عانقت ولدها وهي تمسح على وجهه كأنه هو من كان يبكي وليست هي ..
– حمدا لله على سلامته يا خالتي، أرجوك لا تخرجي هذه المرة وأنت لا تحملين بخاخه، انتبهي لهذه الأمور، خذيه إلى البيت و دعيه يستريح ..
ردت عليها الأم وهي تحاول تقبيل يدها :
– شكرا لك يا ابنتي، جعل الله أيامك سعيدة، أنار الله طريقك، لقد أنقذت ابني، فلينقذك الله من كل شر .. نحن لا نملك أي بيت نذهب إليه ولا نملك حتى ثمن كسرة خبز فكيف ببخاخ…
صعقت مما سمعت وتجمعت في محجريها العبرات، ثم أخرجت مبلغا من المال ناولته إلى السيدة وقالت:
– أبقي البخاخ بحوزتك، خذي هذا المبلغ لا أملك غيره الآن أتمنى أن يفيدك في اقتناء وجبة أكل …
ارتمت الأم في أحضانها باكية وشاكرة وردت:
– أثلجت صدري صغيرتي، أسعدني ما قدمته لنا ..
احتقن صوتها وهي تشكل الكلمات:
– – هذا واجبي يا خالة، هذا واجبي…
وقفت بعد أن ودعت الأم وابنها مسحت ما علق من دموع في عينيها، وتنفست بعمق ،أحست بسعادة كبيرة بعد أن كانت يائسة، فاقدة لكل شيء، وقالت وهي تخاطب نفسها:
– ما هذا الشعور الذي أشعر به، أهذه هي السعادة… ؟ أكنت أبحث عن شيء قادرة على أن أصنعه بنفسي ؟
عادت بسرعة إلى القمامة، أخذت الكتاب الذي رمته سابقا، نظفته وفتحته بارتجال فإذا بها تتعثر بعبارة صغيرة قرأتها وابتسمت بعمق…”اصنع معروفا صغيرا لشخص عابر وستشعر بأن قلبك عاد إلى الحياة، الأشياء الصغيرة مفاتيح كبيرة للسعادة الحقيقية”
تمت

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


2 + 3 =