هاجر الصبيري، تكتب “عهد الأصدقاء”.

بقلم هاجر الصبيري، باحثة لسانية وكاتبة.

تجلس في زاوية الغرفة، سكون تام، لاشيء يتحرك، حتى تلك النافدة المفتوحة، لا يمر عبرها الهواء، كل شيء ساكن، إلا عقلها ، تجلس القرفصاء، شعرها المبلل يغطي وجهها، ترتدي ثوبا أكبر من حجمها، ترمش بعينيها الكبيرتين بين الفينة والأخرى، بين كل رمشة والأخرى تتمنى أن ينقض الموت عليها فتذهب بلا عودة، كيف توقف عقلها عن التفكير ؟ كيف تتجاوز ؟ كيف تنسى ؟ أو تتناسى؟ يقطع السكون الخارجي والفوضى الداخلية لديها رنين الهاتف، يرن ويرن، تتجاهل، تغمض عينيها كأنها لا تسمع شيئا، يعلو الرنين ويعلو، كأنه يعاديها، تقوم منتفضة من مكانها، تمسكه بقوة وتصرخ بوجهه وهو ما يزال يرن :” ألا تفهم، ألا تسمع، توقف عن الرن توقف، توقفوا جميعا، ماذا تريد مني، ماذا تريدون مني ؟” ترمي الهاتف بأقصى قوة، يصطدم بالجدار ليصمت أخيرا ..
12:05
تعود أدراجها، تعتدل في جلستها وكأنها انتصرت على عدوها، قوتنا أحيانا ترضي غرورنا حتى لو مارسناها على مخلوق ضعيف، فنفرغ من خلالها غضبنا المكبوت انتقاما من أناس ظلمونا، لكن سرعان ما تتلاشى هذه القوة ليتضاعف الألم ..
12:30
ضجيج آخر، هذه المرة جرس الباب، يرن يرن يرن ويرن، تمسك رأسها بإحكام، تغمض عينيها، تصرخ بدون صوت- يرن ويرن ويرن، تقف غاضبة- تفتح باب الغرفة اللعين، تقترب من باب المنزل وكلها لهيب، تصرخ بقوة : من، من، من ؟ تفتح الباب، ترى القادم، صديقتها “هناء” .
تخاطبها بغضب:
– ماذا تريدين يا هناء ؟ ألم أخبركم أني أود الاستفراد بنفسي ؟ دعوني وشأني من فضلكم .

تدفعها هناء وتدخل المنزل عنوة:
لماذا صادقتنا إذا كنت تريدين البقاء بمفردك ، خسرت بطاقتك هذه منذ انضمامك إلينا يا حلوة .. ثم ما هذه الرائحة وما هذه الكآبة ؟
أنارت هناء الغرفة، وأزالت الستائر عن النوافذ ثم فتحتها ليدلف منها هواء نقي، فصرخت في وجهها قائلة:
– توقفي ماذا تفعلين، قلت لك توقفي ..
– لن أتوقف، لن نتوقف، وأنت أيضا لا يجب أن تتوقفي، ماذا يحدث، ما الذي يجري، أكل هذا لأجل ..
– أصمتي واخرجي .. أريد الموت أخرجي ..
– لن أصمت ، ولن أخرج، تعالي معي، تريدين الموت تعالي إذن سأقتلك.
أدخلتها الحمام المتواجد بالغرفة، وضعتها في البانيو، فتحت المياه الباردة وأخذت ترش وجهها بقوة وهي تقاوم وتصرخ.
– تريدين الموت أيتها الضعيفة، فلتموتي، إما أن تستفيقي من حالتك هذه أو تموتي، أتظنين الموت سهلا، أتظنينه حلا ..
12:36
سقطت وسط البانيو، أوقفت ” هناء” المياه، وماهي إلا دقائق حتى رمت “هناء” رشاشة الماء وذهبت، وتركتها خلفها تصرخ بكل قوتها ودموعها تختلط مع قطرات الماء
– لا تذهبي أرجوك، لا تذهبي، لا تتركيني وسط تفكيري وآلامي، لا تتركيني وسط هلوساتي ومخاوفي، لا تتركيني مع ضعفي الذي يأكلني .
عادت هناء واحتضنتها
– لن أتركك أيتها الغبية، كنت ذاهبة لإحضار منشفة، أنت قوية، الظالم هو الضعيف، استجمعي نفسك، تألمي لكن لوقت محدود، كفي عن مناداة الموت ، فلن يأتي حتى يحين وقته.
ضمتها بقوة وهي تبكي ، فابتسمت هناء وهي ترمقها بنظرات غريبة:
– أتعلمين، شاهدت فيديو قبل مدة، لشخص يمزح مع صديقه وأدخله تحت المياه الباردة، عندها تمنيت أن أجرب الأمر عليك، لكن مع اكتئابك المقيت هذا لم تتح لي الفرصة، لكني اليوم حققت حلمي وأنا سعيدة بذلك.
ضحكت بصوت عال و أمسكت رشاشة الماء، ووجهتها إلى وجه “هناء” وهي تقول :
– لقد حان وقت الانتقام…
13:00
قبل ساعة من الآن كان هناك سكون مميت يعم الغرفة، والآن تتعالى الضحكات والقهقهات، هو الصديق، هو الحياة، هو الذي يمسكك من حافة الموت ويصعد بك للحياة مجددا، من تتعرى أمامه ليرى عيوبك ويحولها إلى حسنات، وحزنك إلى سعادة، وفقر مشاعرك إلى غنى.
” معنى الصداقة هو أنني – تلقائيا- أراك جديرا بأن أئتمنك على جزء من كرامتي “( أحمد خالد توفيق)

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


10 + = 14