منصات التواصل الاجتماعي..العبودية الجديدة!!

يعيش الإنسان الحالي نوعا من الجفاء، بعيدا عن عمق العلاقات الاجتماعية و الثقافية والرياضية والسياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها، إنه إنسان سطحي يعيش على الهامش، لا هم له في التفكير في جوهر الأشياء بعمق، فكل ما يعنيه أن يعبث كل العبث بجعل حياته والمجتمع ككل يسير وكفى، ولا تهمه الطريقة التي يسير بها المجتمع ولا الأفكار التي يروج لها والتي ستحدد بنسبة كبيرة مستقبله ومصير الأجيال القادمة بشكل كبير.

من هنا ستبدأ الحكاية من بين هاته اللوحة الإلكترونية، هذه الوسيلة الخطيرة التي صنعت شرق العالم وأغرقت جنوبه وشماله وحتى غربه، أبعدت الناس عن بعثرة الأفكار وإعادة تدويرها وتوجيهها نحو الأفضل، فالإنسان المثقف والأمي وعامة المجتمع لا ينظرون اليوم إلى لوحات هواتفهم، يوميا وبإستمرار دون توقف، فلم أجد قلما لأدون مايجول بخاطري في الموضوع غير مذكرة الهاتف، ولا أحد من حولي ممن يجلسون في المقهى، يتصفحون كتابا أو جريدة، كل تفكيرهم مرتبط بالهاتف الذكي، أو اللوحات الإلكترونية، ولا أجزم أن يكون الإنسان طوال اليوم يستعملها فيما يفيده، لأن الرداءة تحاصره من كل جانب، وفي كل حين، كما لا ننكر بوجود طائفة قادرة على الموازنة بين الاستعمال الإيجابي والسلبية، لكن المشكلة تكمن في الاستيلاب الذي جعل الناس يقيسون الأشياء ظاهريا وليس لهم القدرة أو الوقت بالتفكير في كنهها، إنهم مشغولين بهذه التكنولوجيا الحديثة، حتى أصبحوا صلبانا أمامها وعبيدها.
وهذا استعمال جيد حقيقة وقد يكون مفيدا، في كثير من الأحيان، لكن هذا الكم الهائل من التطبيقات الموجودة بهذا الهاتف الذكي تجرنا أحيانا، بوعي أو عن غير قصد إلى الغوص في أعماق مواضيع كثيرة وألعاب وفيديوهات نحن في غنى عنها، إنها تلهينا عن العمل و القراءة عن استثمار الوقت وعن الكتابة أيضا، وفي هذا الصدد اخترت لكتابة عن تجربتي الشخصية مع هذا الهاتف وأثره علي، لأكون أكثر وضوح ودقة وليس خاطرة، أو لنقل خاطرة تحمل موضوع عميق، لأني أغرق في المنشورات وفي مقاطع الفيديو، في التراهات في الصور في المقتبسات، وفي البروفيلات الحقيقة والمزيفة، حتى يمر الوقت ولا يتسنى لي البحث عن الموضوع الذي كنت أنوي البحث فيه، وبذلك نصبح رهائن لا نملك حرية القيادة ولا الإختيار، وحتى وإن أردنا ذلك فقد لا ننجح، لأن كمية التطبيقات والمواضيع وما يزينهما من إشعارات وإشهارات، تجعل مني ومن أي متصفح غير قادر على الدخول إلى الموضوع مباشرة دون الإطلالة على مواضيع أخرى، ألعاب أو فيديو أو محادثة، وحتى وإن قدر للباحث أن يميل إلى ما هو مفيد فسيجد نفسه أمام رغبة الرجوع بسرعة إلى تطبيقات الهاتف وألعابه ومحادثاته وغيرها، لقد اصبحت وأصبح الكل جد مشغولين بهذا الشيطان التكنولوجي الذي يسكن كل واحد فينا.

إن كما كبيرا من الأشخاص، وأنا اكتب هذا الموضوع يحاولون التواصل معي على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بي، وكلما كتبت سطرا أو عدت إلى معلومة إلا وازداد عدد الرسائل، وامتلأ الشاشة الرئيسية بإشعارات مواقع الأخبار والصحف والمجلات، وحتى مواقع الرياضية، وفي ذلك جاذبية العناوين وأيقونة الصورة، ولا أستطيع التركيز حقيقة أمام هذا الكم الهائل، فيضيع جزء كبير من أفكاري حول الموضوع، ويحصل أن تخونني الكلمات ويدخلني الشك فيما أكتب، ويستكين بي العجز وأمسح كل ما كتبته، وعندما أحاول تدارك الأمر بعدها، أجدني غارقا في لج بحر من المواضيع والرسائل، فلا انا فزت بكتابة مواضيع ولا أنا استفدت من الكم الكبير من هذه الرسائل والتطبيقات الموجودة على هاتفي، لكني مقابل ذلك لا أستطيع كما لا يستطيع جلنا التخلي عنها، إنها الفيروس الذي أصابنا وتوغل في أعماقنا كثيرا، فلم نعد نستطيع التخلص منه، لقد اصبحنا مدمنين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومرضى ولا نعلم مصير الإنسانية من هذا التطور التكنولوجي الذي يتطور بسرعة عاما بعد عام.
طبعا العالم الاجتماعي الذي اخترعه مارك، مجتمع إلكتروني بإمتياز، إنه نسخة افتراضية مسلوبة الإرادة والهوية غير قادرة على العودة إلى طبيعتها التي كانت عليها من قبل، ولا أخفيكم سرا أن عالم الأنترنت الخفي والعميق والمتسارع لحد أن الساعة فيه تمر أسرع وبشكل مشوق ومثير، فتجد جيلا حديثا من الشباب يحمل الهاتف ويتصفح ويدردش ويلعب لساعات طويلة، ولو افترضنا أن متوسط استعمال الهاتف هو ساعتين يوميا فهذا يكلف بعملية حسابية بسيطة ستين ساعة بالشهر أي مايعادل يومين ونصف وتكون على حساب الحياة الطبيعية التي كانت قبل حلول نعمة وآفة الأنترنت بحسناتها وسيئاتها.

أعده كل من :

مسعود اراوي و ضمير عبد اللطيف

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


43 + = 50