مقابلة خاصة مع الدكتور يوسف بن الغياثية

موند بريس / محمد أيت المودن

 

ذكرى الموت في مسجد كيبيك تثير جدل "الإسلاموفوبيا" داخل كندا ...

مقابلة خاصة مع د. يوسف بن الغياثية لموقع (أجيال قرن الـ 21)، حول

 

“الدين والتدين في فهم المفاهيم الفلسفية واللاهوتية

 في المجادلة بين المسيحيين والمسلمين حول تحديات العصر ومستلزماته“.

المجتمع الجيد هو المجتمع الذي يسمح لأفراده من خلال توفير الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بتحقيق ذواتهم واستقلاليتهم. كما أنه المجتمع الذي يسمح لأفراده بتحقيق أحلامهم بدون المرور من تجربة الاحتقار أو الإقصاء. أو بعبارة أخرى جامعة، فالمجتمع الجيد هو الذي يضمن لأفراده شروط حياة جيدة. من هنا اقتضينا البحثُ مع دكتور يوسف بن الغياثية حقيقة أسباب التدين والتدين بهدف فهم المفاهيم الفلسفية واللاهوتية في المجادلة بين المسيحيين والمسلمين حول تحديات العصر ومستلزماته.

اورنيلا سكر: القدس مفتاح السلام! - رأي اليوم

 

حاورته: أورنيلا سكر

 

بداية أهلا بك د. بن الغياثية، في موقع أجيال قرن ال21، أنت خبير في العلاقات الدولية الثقافية والهويات هل لك ان تعرف لنا عن نفسك واطروحاتك البحثية وتخصصك؟

يوسف بن الغياثية باحث في مجال الثقافات والأديان وأدرس العلاقات الدولية الثقافية، والهويات. وأحمل دكتوراه في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، وأهتم بالقضايا الاستراتيجية والبحث في الأسباب الداخلية والمقومات الذاتية للأمة ونهوضها.

 

بحسب خبرتك في سوسيولوجيا الإسلام، وحكم عملك في فهم وتحليل التحولات الاجتماعية في العالم العربي وأثرها على التصورات والممارسات الدينية.  كيف يمكن التمييز وتحديد فيلولوجية الدين والتدين والتمييز بينهما؟

بالنسبة إلي، أميز بين لسان الكتب المقدسة والألسن العامة. فالكتب المقدسة وخصوصا القرءان الكريم يستعمل العبارةَ ويرفعها إلى مقام المصطلح، ولا يعتبرها عبارة يمكن أن تجد لها مقابلا أو مرادفا ًمثل لغة البشر. فالناس في بلادنا منذ قرون وهم يتحدثون بالألسن التي توارثوها، وجاءت لغة الكتب المقدسة بشيء جديد. ومن ثم، فالدين مثلا لا يمكن ترجمتها بالعبارة اللاتينية religio (ريليغيو)؛ وقد وردت في القرءان مثلا بصيغ في سياقات متعددة يطول شرحها. أما التدين فهو إلى حد ما ذاك التطبيق العملي لما جاء به الدين، بصفته مطلقا، من تعاليمَ وقواعدَ وضوابط وتشريعاتٍ، وغيرها؛ سواءً كان هذا الدين سماويا أو من وضع الإنسان أو ما يطلق عليه البعض ديانةً وضعيةً. وعليه يكون اتباع هاته التعاليم كيفما كان مصدرها تدينا.، فهناك فرق كبير بين مفهوم الدين ومفهوم التدين، فالدين هو النص الثابت والتدين هو تطبيق هذا النص وتحريكه وجعله عملًا يقوم به الإنسان.

 برأيك، ماذا يعني الدين والتدين في زمن كورونا وبخاصة، أن في كثير من النصوص والروايات الدينية تنبؤوا بالأوبئة وبهذه الكوارث، فما الرسالة اليوم في القرن الحادي والعشرين؟

ربما يكتسي الدين والتدين في زمن الجوائح والأوبئة أهميةً خاصةً، بحيث يتجه الناس إلى البحث عن الخلاص، ويضاف إليه الشعور بالخلاص المركب، خلاص جماعي حيث يرجو المجتمع من حيث كونُه جماعات بشرية لها مصالح مشتركة ومصير مشترك، من جهة، ويرجو خلاصا فرديا من خلال هاته التجمعات، سواء للفرد بمفرده أو من حيث كونُـه عضوا من هذا التجمع؛ حيث يفكر المرءُ في الخلاص فيما بعد الموت. ومن ثَـمَّ، فنجد المدخل إلى الدين الممارس بالتدين حسب التقليد والمذهب والأخلاق التي تعارف عليها المجتمع بما له من سلطة عليا على الأفراد، وخصوصا في المجتمعات الطائفية ومتعددة المذاهب حيث إن كل طائفة تعتبر أن أفرادَها في حمايتها وينبغي للأفراد إن هم شاؤوا خلاصا دنيويا وأخرويا أن يلتزموا بالطائفة وإن أدى الأمر إلى إهلاك الحرث والنسل. وقد عرف العالم تجارب مريرة. لكن اليوم، اتضح أن الجائحة التي حلت وعمَّـت وألقت بظلالِـها على العالمين بدون استثناء. وهذه أول مرة تعم الطامة، ولا تستثني أحدا. وجعلت الدين والتدين محط شك، ومحل الثقة الكبيرة في الوقت نفسِـه، وهي مفارقة حقيقية.

الدين والتدين، التشريع والنص والاجتماع” لعبد الجواد ياسين التمييز ...التدين ليس هو الدين | محمد الحمامصي | صحيفة العرب

كونك باحثا متخصصاً في دراسة سوسيولوجية الدين، وتعمل على فهم وتحليل التحولات الاجتماعية في العالم العربي وأثرها على التصورات والممارسات الدينية؛ هل تظن أنه بعد جائحة كورونا سيدخل الناس أفواجا ًأفواجا ًارتداداً الى الدين والتدين أم سيلحدون؟ هل لك شرح امكانية هذه التحول وتوجهاته؟

ببساطة، لا أظن. الدين فطرة، والتدين ثقافة وتقاليد. ومن ثَـمّ، لا يمكن للدين أن يتراجع، بل ربما سيراجع الناس طرق اعتقاداتهم، سيراجعون طريقة ممارسة هذا التدين، ولا ننسى نفسية الحرمان التي يعانيها المؤمنون من كل الأديان حيث إن كلَّ دور العبادة أُغْلِقَـت بدون استثناء. وقد ترتب عن هذا حزن كبير وشوق عظيم، وسيتدافع الناس إلى دور العبادة من جديد، وقد رأينا موجة رفع الأذان في العالم، حتى الرئيس الصيني طلب الدعاء والصلاة من مواطنيه المسلمين وهو في بلد شيوعي التوجه، بثورته الثقافية الماوية ومسيرته الحمراء التي أزهقت ملاييـن الأنفُـس، وهو ما يُبيِّـن أن الدينَ أصبح ملجأً إلى جانب العلم، حيث إنّ قواعـدَ الوقاية يحترمها الجميع وتعلَّمَـها حتى من كان بعيدا عنها، فزاوَجَ هذا الإجراءَ وجودَ الدين ووُظِف التدينُ أيضا لتعزيز إجراءات العلم الوقائية والبحث عن مخرج. لقد شهدنا تحالفا كبيرا بين العلم والدين لم يسبق أن حدث في تاريخ الإنسانية.

في راهنية مشروع عزمي بشارة عربيًا

لو تتبعنا تاريخ الاصلاح الديني المسيحي نجد أننا نحن في البلاد العربية لم نبدأ بعد. سؤالي ما هو واقع الإصلاح الديني في العالم العربي-الاسلامي وما هي إمكانية تحقيق الاصلاح الديني الحقيقي في العالم الاسلامي وحدوده؟ وهل تجربة أوروبا تشبه تجربة الدول العربية في صراعها مع الكنيسة ورجال الدين ومع الدين ام هناك فرق في التجربتين من حيث أن ما يصح هناك ليس بالضرورة ان يصح عندنا والدليل تجربة مدرسة بغداد في القرن العاشر والحادي عشر، ما عرفته من تقدم حضاري في المُقارعة الفكرية؟ فكيف نفهم حقيقة المأزق الديني والإصلاح الديني في العالم العربي-الاسلامي بشكل خاص؟

هل يمكن اعتبار أن الثورات العربية أحدثت نقلةً نوعيةً في النظام التعليمي في العالم العربي من حيث النظرةُ الى الدين والتدين ومن حيث العلاقةُ مع الآخر؟

أظن – من وجهة نظري المتواضعة – أن الدين لا يمكن إصلاحُه. الدين هو هو في الكتب المقدسة التي هي عبارة عن بلاغات للناس وبيانات وبراهين أو آيات، حسب العبارة التي يستعملها من يذهب مذهبا أو حتى في التوظيف السياسي للدين أو الثقافة والتقاليد. إذن لا يمكن أن تُصلِـحَ التوحيدَ في اليهودية والإسلام – مثلا – بتحويله إلى تثليث؛ ولا أن تُصلحَ تثليثا في النصرانية بتحويله إلى توحيد أو تثْنِية. العقيدة لا يمكن إصلاحُها ولا البرهنة على وجودِها، ولا برهنة نفيها. القضية قضية اقتناع وقضية إيمان، وحالما يتحقق الإيمان يتطلع المرء إلى الاطمئنان. تجربة إبراهيم الآب عليه السلام واضحة وملهمة للديانات الثلاث، وهي كلها تدعي شرعيتَها منه، وتستلهم منه كل شيء.

إذن، لا حوار في العقائد، ولكن، هناك الشق الأكبر وهو الإنسان. والمعيار هو العمل الصالح والإحسان والمعاملة بالحسنى سواء من الأقلية للأغلبية أو للأقلية للأغلبية خصوصا في الدور المغلقة، وليس التبسم الفارغ والظاهر، والقلب ينتظر أولَ فرصة للجور ونَفْـي الآخـر. هنا ينبغي الإصلاح: عنصر الأخلاق وعنصر التنشئة الاجتماعية. فقد لاحظتُ شخصيا أن الندوات والمؤتمرات والأموال التي صُرِفَت على التقريب بين الأديان والمذاهب كلها ذهبت سدى لأنها تريد إصلاح ما لا ينبغي، وارتقت مرتقى صعبا لن تلويَ منه شيئا سوى الهباءِ المنثور. والحقيقة أن الذي يبدو أن الإهمالَ مسّـه بل وضربه في مقتل هو التنشئة الاجتماعية التي تُنشِئ على منطق “نحن خير منهم”، فمن يقول إننا خير أمة أخرجَت للناس” ومن يقول: “نحن أبناء الله وأحباؤه”، وهكذا من الشعارات الدوغمائية التي تهمل عنصر الأنانية الممقوت في كل النصوص والخطابات الكتابية وتتجاهلها، إذن، إذا تغيرت جذور التنشئة الاجتماعية فلربما ستتغير كثير من العناصر، فلا أرى فرقا بين السلافيين الذين تقاتلوا في التسعينات وهم يتحدثون لسانا واحدا، وسبقهم إلى التنافي اللبنانيون، فما الفرق بين فرد من طائفة وآخر من أخرى؟ وهم يتلون الكتاب، قرءانا أو عهدين القديم والجديد؟

إذن، وجوابا على سؤالكنّ، سيدتي، لا يمكن الحديث عن ثورات في العالم العربي، تلك التي حصلت في 2011. وهذا ليس تقليلا من سقفها المشروع الذي خرجت من أجله الأمة (الشعوب) تطالب بحقوق لا يجادل فيها إنسان سوي. الذي حصل هو انتفاضات. أما الثورة فما دامت لم تحصل على صعيد العقائد والأفكار فلا يمكن الحديث عن ثورة. سمِّهـا أي شيء، لكن ليست ثورة. فتغيير النظام والإتيان بأشخاص يؤمنون بالقيم نفسِها وبالممارسات نفسِها لا يمكن أن يُحْدِث تغييـرا حقيقيا. وعليه، فهاته الانتفاضات كانت منتظَرة منذ عقود، ويمكن مراجعة أعمال الخبير الدولي المغربي في علم المستقبليات البروفيسور المهدي المنجرة – رحمه الله – [1933-2014] للوقوف على توقعاته المستقبلية التي أوردها في أبحاثه وفي رصده لأوضاع العالم العربي والإسلامي وتحذيره من السيناريوهات المقلقة والمكلفة إذا اهملت الحكومات الأوضاع الإنسانية وحقوق الإنسان وكذا تحذيره من انتفاضات، وهو ما حصل فعلا ابتداءً من سنة 2011؛ وسيحصل المزيد وفي ظروف أخرى، وإن بتفاصيل مختلفة. ولا يمكن أن نصل نتائجَ مختلفة ونحن نستعمل الوسائل نفسها، ولا يمكن أن تتغير الأوضاعُ والمـرءُ على جوهر الأفكار التي هي سبب وضعه الحالي، سواء كانت دينا أو مذهبا أو طائفة أو فكرة موروثة، فكما يمكن أن نعيب على الوهابية تخلفها وسلفيتها، فهناك علمانية سلفية وماركسية سلفية وليبرالية سلفية أيضا.

واعتبارا لسؤالك عن التعليم وعلاقته بالدين في ظل المتغيرات الحاصلة، لا أظن أن العقائد الموروثة قد يمسها أي تغيير لكونها تخدم الأمن الروحي للأمة. ذلك أن الناس لا يستطيعون استيعاب عقائد جديدة، ولذا أشرت إلى أن المدخل الحقيقي هو الأخلاق والتنشئة الاجتماعية الجديدة. لأنه بمجرد لمس “البقرات المقدسة” حتى سنرى انتفاضات ربما أكبر مما حصل في الربيع العربي. فقد ينتفض الناس لمنع الصيام وهو حقهم في النسيج الاجتماعي، ولكن لن يكادوا يُحرِّكوا ساكنا إن مُسَّت حريةُ إنسانٍ، اعتُقِـل تعسفا أو ظُلِـم في حـقٍ من الحقوق الأساسية. وليس معنى هذا أنني أؤيد ممارسة السياسة من خارج المؤسسات القائمة، وإنما أوردت ذلك، فقط لتبيان إلى أي درجة يصعب أن نتكهن أو أن نتوقع من سلوك الناس ونحن نلمس عقائدَهم التي يعتبرونها أسمى مما يملكون من نفائس، بل أسمى حتى من أبنائهم. وعليه، فإن كان ولا بد من إصلاح التعليم فالحس النقدي وإدراج مناهج تزود التلميذ والطالب بقدرات على التفكير ونقد ما يقدم له من أفكار، وتعليمه الحياة اليومية من قبيل كيفية التحدث، وكيفية احترام الآخرين، وتعليمه ما ينفعه في حياته اليومية، وهي الأخلاق.

تعرف على الفرق بين الدين والتدين

يرى البعض في العلوم الانسانية والطبيعية كونَها علوما ترقيعيةً وتجميلية لتجميل تشوهات الدين وحقيقته. سؤالي اين وصلت العلوم الانسانية والطبيعية في دراسة المسالة الدينية وكيف تتعامل منهجيات كل منها في مقاربة اشكالية الدين والتدين؟ وهل لك ان تحدد لنا ما هي الافكار الثابتة والإصلاحية بحسب رؤياكم؟

الواقع أنه لا يمكن الحديث عن كون العلوم الإنسانية والاجتماعية علوما ترقيعية وتجميلية. بل إن فقـرَ العلوم الإنسانية والاجتماعية في بلداننا العربية سواء المشرقية منها أو المغربية، وهذا الفقر أو العَيْلة يجعل معطياتٍ كثيرةً غير موجودة، وبهاته المعطيات يمكن أن نحلل المجريات والأفراد والمجتمعات التي ننتمي إليها، بالإحصائيات وغيرها، وتفكيك الظواهـر بعد تحليلها، وتركيب الحلول المناسبة فالمجتمع يمرض مثل الأفراد، ويكون بصحة جيدة أيضا، وتعتريه ظواهـر البشر فهو مكون من أفراد تعتريهم هذه الظواهر، مثل الخوف والجوع والثراء والقلق، وغيرها. بل إننا بحاجة تتعاظم يوما عن يوم إلى مزيد من الدراسات والأبحاث في هذا الجانب.

وفي الشق الثاني من سؤالك، ليس هناك من وصفةٍ جاهزةٍ لنقول إن الإصلاح الذي نقوم به في هذا البلد هو الذي سينفع في البلد الآخر. ومن ثم، فالإصلاحات الأساسية التي ينبغي القيام بها المراجعة وفق الواقع الاجتماعي، لكن شريطة عدم التراجع عن أي خطوة نتخذها. المسألة الدينية هي إشكالية مركبة ومعقدة. فكثير من الناس وربما حتى من المتخصصين يظنون أن ما وقع في أوروبا من مواجهة جاليليو الكنيسة أن الرجل متنور وعالم وأن أهل الكنيسة كانوا جهلة وغُمْـرا، أو حمقى بدون علوم. والحقيقة أنه كان يواجه مجالس علمية ولكنها تتمسك بنظريات تخدم الثبات لحماية موقع الكنيسة في مركز المجتمع. ومن ثم، فالإشكاليات الحاسمة وجب أن يبادر أهل الدار أنفسُهم بمعنى أن يتحرك رجال الدين بطرق بيداغوجية لكي يدخلوا هذا المجال.

ففكرة الحرية وفكرة التعاقد الاجتماعي، تحتاجان إلى تمحيص، وإلى عمل جاد، إلى استرجاع واستيعاب وتجاوز لنقائص التطبيقات والتنظيرات التي حصلت، وكل من منبره ومجاله. وبهذا العمل المشترك والتدافع الاجتماعي غير العدائي حيث إن لكل مجتمع ثقافته وخصوصيته وأن اشترك عالميا وإنسانيا في الفطرة الإنسانية التي لا تتغير جوهريا من مكان إلى مكان ومن إنسان إلى إنسان. وعليه، فإن إعادةَ النظرِ في المُسَلَّمات كفيلٌ بأن يتقدم المرءُ فرديا واجتماعيا.

ملتقى الاديان || www.almoultaqa.orgمؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - سؤال الدين والتدين في ...

لِــمَ شخصية المُصْلِح لاتزال خجولةً في المجتمع العربي وغيـرَ قادرةٍ على التأثير وتغيير ما بالأنفس والعقول ودليل ذلك ، صعودُ الحركات المتطرفةِ والانتماء الى تنظيم “داعش” سواء في الغرب او البلدان العربية. ما تعليقك؟

نسبيا، أنا أتفق معك. وأضيف إلى ذلك بعض العناصر حتى تكتمل الصورة شيئا ما، إن جاز أن أحكمَ باكتمالها على هذا النحو. لا يغِـبْ عنا أن المصلح هو ابن بيئته، نشأ فيها ويلتزم بثوابتها، ولا يكاد يتجاوز سقفَها المعرفيَّ. ومن ثَــمَّ، فسيصعب في كثير من المحاولات أن تتجاوز هذه الإكراهات. لأن الإصلاح عادةً يتطلب شجاعةً، وكياسةً في الوقت نفسه، لأن المسألة لا تتعلق بنزاع في حارة بين طرفين يريد كل واحد أن يفرض رأيَه أو نفوذَه. يتطلب الأمر في غالب الأحيان توافقاً بين مكونات الأمة. فحتى أعتى الديكتاتوريات فهي تراعي ضمير الأمَّــة [Nation]؛ أما ما ذكرتِ من تنظيم ما عرف بداعش، وقبلها تنظيم القاعدة بفروعه وأشكاله الشوهاء فهو لا يخرج عن أيديولوجيا الاستشراق الإسرائيلي، وتمويل متنوع، وتخطيط استراتيجي من دوائر معروفة، وتنفيذ بأيدٍ محلية عملا بالمثل المغربي القائل عن قلْي اللحْـم: “من زيتو قْليــه”، أي “مِن زيته إقْلِـــه”. وهذا معناه القاتل والمقتول هو العنصر نفسه أي العربي المسلم، والعربي المسيحي، والعربي اليهودي. فتنة من داخل البيت، وتحليل الدم الأهلي. وقد حصل هذا في لبنان، وحصل في الجزائر، واليوم في سوريا، واليمن قبل تدخل العربية السعودية وحلفها العربي. فالقاتل عربي والمقتول عربي.

والإصلاحُ الحقيقيُ أنه للقضاء على التطرف وجبَ القضاءُ على التطرف المقابل. علينا إنهاء العمل بمقولة: “من ليس معنا فهو ضدنا جملة وتفصيلا”؛ أن ننهيَ العمل بمقولة “أنا خير منه”، نحن أفضل، وهم سبب المشاكل والشر؛ نحن الفرقة الناجية والباقي إلى جهنم وبئس المصير. يجب أن نحتكـمَ فيما بيننا – نحـن أبنــاءَ المنطقة – الى العقل وليس إلى القوة. ثم إن تنظيم “داعش” سيبقى ما دام سبب وجوده قائما، ما دامت البنية الفكرية الحاضنة موجودة، فلا يكفي أن نبيد عشرات المقاتلين حتى تختفي داعش وأخواتها. هذا من العبث ومن باب نقض الغزل. تجفيف منابع الإرهاب بالتعليم الجيد، بتوزيع مقبول للثروة، بالحد من التسلط الفكري العمودي هو الكفيل باختفاء مثل هاته الطفيليات الغريبة عن الفكر الإنساني من حيث إنسانيته حيث الرحمة والعدل والأخلاق السامية والرقابة الذاتية واحترام الآخرين. فالكل يعلم أن تنظيما من هذا القبيل له مقابلات في الطوائف الأخرى، سواء من الشيعة أو السنة أو طوائف أخرى ليس فقط في المنطقة العربية وإنما في آسيا حيث التطرف الهندوسي والتعصب البوذي هي ظواهر تمتاح من منبع واحد هو منطق “أنا خير منه”، ومن ثم، لا يظُنَّـنّ ظـانٌّ أن القضية هي قضية العرب وحدهم، بل هي جائحة عالمية وجب التصدي لها لإصلاح الأرضِ بعد إفْسادِها. فلما كانت الأزمة عالميةً فالحل لن يكون إلا عالميا من نسيجها. ولذا، فالتحدي الذي يواجهنا بصفتنا أُمَّــةً وعلينا رفعه هو اختيار فريق من فريقين لا ثالث لهما. إما أن نكون جزءاً من فريق الحل، أو أن نكون من فريق الأزمة. وإذا اخترنا أي فريق ما مقدار مساهمتنا في النسيج الذي اخترنا الانضمام إليه. لأنه مع تقدم المعارف وارتفاع السقف المعرفي لم يعُــد خافيا على أحد أين موقع الحلال وموقع الحرام. أي أين موقع الحرية والثروة المشتركة والتعايش المشترك، وأين الاستبداد والتنافي والإقصاء.

 

ألا تجد بمكان ما أن العلوم الانسانية والسيميائية تحاول تأكيد مسيرة بعض مدارس المستشرقين واستكمالها ممن اختزلوا الدراسات الاسلامية والحضارة العربية الإسلامية، ولم ينصفوها؛ بل إنهم مارسوا كـلَّ أنواع التشوية والاحتقار والتصنيف الدوني لتمجيد الحضارة الغربية على حساب حضارات أخرى ونذكر منهم أمثال برنارد لويس، وك سميت، الخبير بشؤون الباكست، لاكوست وزير المستعمرات الفرنسية عام 1962 باعتبار أن الاسلام لا يفهم الحرية إلا بالديكتاتورية وأن القُرآن أقوى من فرنسا. ما رأيك بهذه الاختزالية في دراسة حقيقة الاسلام وواقعها؟

فعلا، كل حضارة غالبة تسعى بكل جهدها الإنساني من وقت وتراب وزمن وإنسان أن تستقر على العرش وأن تسود على العالمين وتشهدَ عليهم، وتبيّـنَ عيوبَ الآخرين ونقائصَهم، بل تقوم بإفناء ما يهدد وجودَها وينقضَ أركان حُكمِها وهيمنتِها، وفي التاريخ حصل هذا بطرق مشروعة ومنافسة شريفة وأكثره بطرق دنيئة وغير إنسانية، بما فيها إهلاك الحرث والنسل وتغيير الديمغرافيا والهيمنة وحصر ما تعتبره خطرا عليها بكل الوسائل واحتوائه رغَبــاً ورَهَــباً. وكان مما سخره الغرب آلة الاستشراق هذه الآلة الفعالة التي كان الملك الفرنسي لويس التاسع الإفرنجي – حتى لا أصفَه بالصليبي، فأتهِـمَ فئةً عريضةً من النصارى بالإجرام وهم ممن قاتلوا وعانوا من همجية التدخل الأوروبي في تلك الأزمنة – من مؤسسيها وممن أوحى بها، لإدراكه القدرة الفعالة للمعرفة في تمليك السلطة والهيمنة. بمعنى أنك حين تملك المعرفة فإن السلطة آيلة إليك لا محالة. فبالمعرفة تستطيع التصنيع وتحسين الحرث والنسل وتملك أسباب القوة. هذا ما أدركه الأوروبيون وإذا كنا نتهم الكنيسة الأوروبية بكونها ضايقت العلماء وأرسلتهم إلى المحارق ووصفتهم بالزندقة فإن العالم العربي لم يكن أحسنَ حالا، فابن الهيثم أب البصريات الحديثة وأب التصوير الحديث لم يُنْجِــهِ غير ادعاء الجنون أيام الفاطميين، وإلا فالله أعلم ما يكون مصيرُه لكونه حاول وضع سـدٍّ على النيل، لذا ففكرة السد على النهر الشهير كانت من بنات أفكار عالم كبير من حجم الحسن بن الهيثم، ولكن لكون الإمكانيات لم تكن لديه، فاتهامه بالفشل كان يمكن أن يوديَ بحياته بإشارة يد حاكم مستبد.

وعليه، فظاهرة اتهام العلماء والفلاسفة بالزندقة والكفر والتجديف ليست حكرا على الأوروبيين في العصور الوسطى. وعلينا أن نراجعَ تاريخَنا ونتصالحَ معه لا أن نفـر منه إلى الأمام ونكرر فظاعاته وبأسلحة أكثر فتكا وأشد تدميرا. الخلاصة هي أن تلك المدارس الاستشراقية استطاعت أن تبنيَ رأيا عاما غربيا صنَع صورةً للعرب والمسلمين، بشكل خاص وللأفارقة وغير الأوروبيين، بشكل عام؛ أو باختصار لغير المركزية الأوروبية، ووضعهم على محك الموضوع بصفتهم مواضيع دراسة، وليس بصفتهم ذواتٍ مستقلةً كاملةَ الأهلية. لكن، إذا عمل الأوروبيون على مصالحهم، فما منعنا نحن من أن نعمل لمصالحنا ونُؤنْسِــن إنتاجنا أكثر فنصوغ خطاباتٍ عالميةً يجـد فيها كل الناس أنفسَهم بقـدْر ونتعايش معهم؟ إن فشل المنطقة العربية في استثمار قدراتها وإمكانياتها التنوعية من طوائف متعددة وثروات متنوعة مرده إلى خلل وجب الوقوف عنده، والبحث عنه بروية وإصلاحه دون إبطاء. فكلما ضعف الجسم ذاتيا كلما سهل غزوه من الخارج مهما ضعف الغازي أو قَــوِي. فالمسألة ذاتية أولا، وعلينا الإسراع بنقـد ذواتِنا بدل إلقاء اللوم على الآخرين. صحيح هناك نصيب للمؤامرة والعداء الخارجي عن جهل في شق وعن خوف في شق ثان وعن عمد في شق ثالث، لكن لا يعفي كل هذا الذات العربية والمسلمة من أن الخلل ذاتي وأن القابلية للهزيمة حاضرة وبقوة.

وأخيرا، لم يستطع المسلمون قراءة القرآن ولكنهم تفننوا في وضع قواعد الترتيل والتلاوة، فلم تتعــدَّ التلاوة حناجرَهم. ومن ثم، فالقرءان طلب قراءتَه ولم يكتـف بطلب التلاوة وحسب. والقراءة هنا هي البحث والاجتهاد والتمكن من أسباب القوة في كافة الميادين، ونشر العدل والرحمة بين الناس، وهي رسالة الدين بإطلاق، وليست دعوة الناس لتغيير أديانهم وإبقاء الأمور على ما هي عليه، هـذا إن لم تتراجع إلى الأسوإ. ومن ثَـمّ، قد يكون في بعض ما قاله المستشرقون بعضَ الوجاهة أو حق أريدَ به باطل، لأن الواقع المعيش يشي بكون العرب غير قابلين للدمقْـرطة ولا للحرية، ولا لأي تكريم. وكونُهم “ظاهرةً صوتيةً” يحلون مشاكلهم بالغريزة والثأر والانتقام ولا يلجؤون إلى القانون ولا يحترمون الغير ويدوسون القيم بنِعالِهم، فهذا الواقع قد يعطي صورةً مغلوطةً عن العرب وعن تاريخهم وحضارتهم، وهـم في نهاية المطاف بشـر ممَّـن خلق الله، وليسوا بِدْعــاً من الناس ملائكةً مطلقا ولا هُـم شياطين مطلقا.

 

بالعودة الى الدين وجدلية العقل، كيف كرم النص الديني مسألة (إقرأ ) و(تفكر) و(تعقل) في جميع أدبياته ولماذا يعتقد البعض أن الفكر الديني جامد ومتخلف عن معاصرة تحديات العصر دون العودة الى حقيقة أن كل هذا التقدم وصولاً للذكاء الاصطناعي يقف خلفه عقل الانسان المبارك من الله.  سؤالي هل سقوط الانسان اليوم ومجيئ كورونا هو رسالة للرد على تمرد الانسان على الله؟ أم دخوله في العدمية التي تحدث عنها نيتشه؟ وكيف نستقرئ واقع الوجودية اليوم بعد جائحة كورونا؟

باختصار، إن تجربة إقرأ المحمدية هي استعادة واسترجاع للتجربة الإبراهيمية. هذا إطار لا ينبغي أن يتناساه من يتعاطى مع عبارة “إقـرأ” التي يمكن اعتبارها منطقيا وواقعيا أول ما نزل من القرآنن الكريم. فإبراهيم الآب الأصل في القراءات السماوية هو الذي أعطى دفعة جديدة للتجربة الإنسانية وفتحها على التجريد والفكر والكون والبحث. فمن الماكرو حين راقب الكواكب باحثا عن الإله الحق، إلى المايكرو حين بحث في كيف يُحْيي اللهُ الموتى، وهو بسعيه بين صفا الماكرو ومروة المايكرو فقد وضع البناء والقاعدة الأساسية للبيت وهي خلاف ما قد يظن الكثيرون أنه بنى بيتا من طوب وحجر مقره مكة، وإنما قواعد البيت التي وضعها هي قواعد القراءة وقواعد البحث، والعلم وذاك هو البيت الذي وضعه إبراهيم. صحيح، قد يكون من الرمزية وضع بيت من طوب وحجر لكن المقصد الذي أذَّن فيه بالناس بالحج يتعدى كونَه بيتا ماديا ًإلى بيت الناس الرمزي العالمي وهو البحث والقراءة العميقة والقاصدة، والتي يمكن لكل الناس القيام بها. وهذا ما استرجعه الرسول محمد عليه السلام من خلال الامر الذي صدر إليه وهو إقرأ. بطبيعة الحال لن تكون القراءة ماضوية ولا تكرارا لما جاء به إبراهيم، وإنما هي قراءةٌ استرجاعيةٌ ونقديةٌ ومتجاوِزةٌ.

ومن ثَـمّ، فالخطاب القرءاني على سبيل المثال، هـو مؤشر على الذي ينبغي السير في اتجاهه، أي على الذي يتصدى لقراءة النص أن يجعل منه أفقـا واسعا، لا نفقا ضيقا. ونحن في هاته المناسبة التي ظللت بوجودها وتأثيرها الإنسانية كافة، هددت معها وجود الإنسان والدولة معا، وجب أن نعيد القراءة، ونرتفع درجاتٍ من التلاوة التي حصلت منذ قرون إلى رتبة القراءة التي نادى بها إبراهيم وطلب من محمد استرجاعها واستيعابها في أفق تجاوزها أي وجب العمل على إيجاد القيمة المضافة.

وبالعودة إلى سؤالك بعد هذه التوطئة التي اسْتَقَت من التجربة الإبراهيمية، نقرر أن الإنسان ليس هو المتحكم في مجريات الأمور ولا مشاركا في تدبير الكون. وقد بينت له هاته الجائحة ضعفَه ومحدودية قدراته. ومن منظور إيماني على الأقل، لا أظن أن الله بحاجة إلى منافسة مع أحد من مخلوقاته. وحتى وإن حقّت صناعة هذا الفيروس الذي وقف العالـمَ وتحكم في كل دواليبه أصغرَها قبل أكبرها، فلا يمكن التكهنُ بمجريات الأمور. بمعنى كثيرا ما يخطط الإنسان لشيء ويظن أنه قادر على التحكم في مجرياته وأنه ضابط لكل تفاصيله فيفلت الأمر منه بسبب خطإ أو بسبب تدخل عامل من العوامل لم يكن في الحسبان. وعليه، فكل الذي يجري على الأرض مما يعرف مشاركة الإنسان فاعلا أو منفعلا هو ابتلاء يتعلم منه الإنسان سواء من التجربة أو من التفكير والتأمل النظريين والعمل العقلي، يجعل الإنسانَ بهاته المَلَكات قادرا على استيعاب الدروس والعودة عن الأخطاء والهفوات أو الهلاك في حال لم يتراجع عن أخطائه أو هفواته التي تسبب إهلاكا للحرث والنسل، ومنها المشاكل البيئية التي تسبب الإنسان الغربي بالدرجة الأولى ونظامه الفلسفي فيها التي لم تترك نظاما حيويا إلا ولمسته لظاه. إذن، يستلزم منا أمر الجائحة حاليا أن نعيد النظر في نظرتنا للكون والحياة والإنسان من الفرد إلى العلاقات الاجتماعية. لأنه يبدو من بعض المؤشرات أن كثيرا من الناس لا ينتظرون سوى رفع الحجر الصحي ليعودوا كما كانوا، بل ويمنون النفس بهاته العودة إلى ما قبل الجائحة. وكأنهم لم يتعلموا شيئا. وعليه، لا يمكن أن نتحدث عن تمرد الإنسان، وأتى الرد الإلهي أو العقاب الغيبي. لأن الغيب حسب تقديرنا ليس بحاجة إلى أن يضع نفسَه في موقف الإله التوراتي متقلب المزاج، والذي يغضب ويحب رائحة الشواء أو ينصر شعبه المختار ولو كان ظالما على شعوب غضب عليها وأجاز لشعبه قتلهم وعقابهم أضعاف ما عوقبوا أو اعتُدِيَ عليهم. في تقديري أن السنن الكونية لها حدود، ويبدو أن تجاوزها يورد موارد الهلاك في حال عدم تدارك الأمور وفي الوقت المناسب. وعليه، فالكون وسننه منزهون عن العبث، سواء آمن من آمن أو كفر من كفر، وسواء اعتقدنا أن الأمـرَ إلهيٌّ أو طبيعيٌّ هكذا. فالطبيعة لا تقبل العبث بها، وهي صبورةٌ، وكذلك الإنسانُ، فهو إما أن يشيع الخير والجمال والعدل وأما فإنه سيصطدم بما لا يرضيه من الطبيعة أو من الفطرة الإنسانية. وبذلك فحتى ما تأوله اللاحقون للفلاسفة وجب أن يعيدوا فيه النظرَ ويعيدوا قراءة الكون قراءة صحيحة تبتغي تحييد عناصر الصراع، فالكون لم يخلق لهذا الغرض وهو الصراع وإنما لإثبات قواعد جديدة تقوم على الصلاح والدخول في السَّـلْـم كافة، سلْم مع النفس وسلْم مع المخالفين وسلْم مع الطبيعة وهكذا، وهذا هو التحدي المعرفي والوجودي الذي يكدح الإنسان ومنذ أول إنسان عاقل من أجله ومن أجل بلوغه. ولا يزال الطريق طويلا لكي يتمدن الإنسان تمدنا ينسجم مع روح الكون وصوته المتنوع، هذا التنوع لم يستطع الإنسان أن يحياه كما ينبغي. وسيبقى التساؤل، الممزوج ببعض التشويق، هل سيغير الإنسان تفكيره وسلوكه بعد الجائحة؟ ذاك ما نأمله ونرجوه. لكن كثيرا ما يرتد الإنسان، ويعود إلى ما كان. لكن نرجو، حقيقة، أن يحصل التغيير الإيجابي وفي الاتجــاه الصحيح.

 

 “كثيراً ما نسمع أن الإسلام “دين ودنيا”، وأن المسيحية دين وروحانية، ولا تهتم بالدنيا. وهذا الكلام غير دقيق، يحتاج إلى تمييز جديد: فالإسلام والمسيحية واليهودية وجميع الأديان الأخرى دين ودنيا، أي هي: ممارسة للإيمان في عناصر الدين المختلفة، وتطبيق الإيمان في شؤون الإنسان الدنيوية”. كيف يمكن توضيح هذا الالتباس؟

الحقيقة أن الحديث أن الإسلام دين ودنيا، وأن النصرانية دين وروحانية فقط، هو حديث غير دقيق. فقد أثبتت الوقائعُ التاريخيةُ والتجربةُ الحضاريةُ الإنسانيةُ أن الدياناتِ لها ظاهـرٌ وباطـنٌ، ولها مظهرٌ شخصيٌّ ومظهـرٌ عامٌّ، ولها أعماقٌ وسطوحٌ. إذن، لا أرى مجالا لإعادة تكرار مثل هاته “الأساطير”.

ومن ثَـمّ، فالذي يعتنق هذه المعتقداتِ هو الإنسان، ببساطة. ونتساءل: منذ متى كان الإنسان ذا بُعْـد واحد؟ هذا لم يحصل في تاريخ البشر. صحيح قد يجد المرءُ نفسَـه في بعد من الأبعاد، أو ربما قد يعملُ على تقوية بُعْــدٍ ويتناسى أو ينسى أبعادا أخرى، لكن يجد الدينَ له بالمرصاد يذكِّره بكون هذا الإخلال بالتوازن بين الأبعاد سيؤدي به إلى الظلم، ظلم نفسه وأهله والمجال الذي يحيط به، وبأن هذا اللاتوازن سيسبب لا محالة أضرارا لا يمكن تحملها، وأن هذا خروج عن الجادة. وسيكون له آثار سيئة إن لم تكن مدمرة. إذن كلما كان الاعتدال والإحسان والتوازن أو كلما حلت قاعدة لا ضرر ولا ضرار أو لا إفراط ولا تفريط إلا وحل هذا التوازن، وكان الأمر كما هو مقر في السنن، وحلت الحياة البهيجة التي يستفيد منها الإنسانُ ومحيطُه ومجالُه وتتحقق له تلك السعادة المتوازنة، وتتحقق له السَّلْــم المنشودة.

المركز العربي للبحوث والدراسات: رمال متحركة: تزايد تهديد التطرف ...

كثير من المرادفات التي رصدتها في الدين والتدين كتابي د. عزمي بشارة وعبد الجواد ياسين حول “العلمانية في سياق تاريخي” و”الدين والتدين”، حيث أرى أن هناك بحثاً في مقارعة الدين وكأنه يقف أمام تقدم الانسان وتطوره أو أمام العلمانية والعلم وهذه المغالطات معظم الكتّاب وقعوا فيها في منهجيتهم العلمية متأثرين بالتجربة الأوروبية وثقافتها، فالدين كان عبارةً عن تدبير شؤون الانسان في الدين والدنيا على اعتبار أن إنجيل يوحنا (15:15)، “أنا لا أدعوكم عبيدا بعد اليوم بل أحياءاً / الكلام الذي أكلمكم به هو الروح والحياة يوحنا. (63:6)

وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)  / سورة آل عمران 49 ، وآية كريمة أخرى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ ءامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ / سورة الاعراف 96، وفي الآية الكريمة تعالى: ( واتبعت ملة ءابـآئي إبراهيم واسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) / سورة يوسف الآية 28.

إذن، فالمشكلة هي بمن لا يشكرون. كيف تفسر لنا هذه الاشكالية والجدلية العميقة؟

لنضع نُصْبَ أعيُننا مبدءا ًمهما ًوواضحاً، وهو الدين يحرر الإنسان، ذاك هو المقصد الأسمى. معنى تحرير الإنسان فهو تحرير شامل، وليس شموليا في سياق (توتاليتاري / Totalitarian). ولذا، فأنا أُفضِّـل استعمالَ عبارة (الشامل)، مكان عبارة (الشمولي). هذا التحرير الذي نتحدث عنه هو تحرير إنساني، ونفسي واقتصادي واجتماعي وفكري. تواصل هاته الحرية أخذ الإنسان بيده إلى التحرر والاستقلال، أي ألا يكون تابعاً، ولا خاضعا ًلأحد. ذلك أن الإنسان الحر يستطيع أن يمارس ضميرَه ومسؤوليته بكفاءة أعلى، ويستطيع أن يجيب عن أفعاله تماما ولن يكون مضطرا لينحرف عن السنن ولا عن العرف الإنساني الذي لا يفسد في الأرض ولا يسفك الدماء. هي معادلة رفيعة وتحد لم يستطع الإنسان رفعَه إلى اليوم. فلا أحد من المخلوقات يفني نوعه غير الإنسان. وهذا أمر عملت الأديان على تهذيبه وقد حققت أشواطا ًبعيدة لكن تبقى هاته الجهود خاضعةً دوما لسلسلة تراجعات، بل ورِدَّة كبيرة جدا. وعلينا جميعا أفرادا وجماعات أن نراقب تنفيذَنا لهذا التحدي حتى نستطيعَ رفعه، أو على الأقل ألا نتراجعَ إذا لم نتقدم. والأمر يعني جميعنا. فالمسألة في مجملها مسألة حياة أو موت. وكما قلت فالنصوص التي بين أيدينا كافية لترافقنا إلى جانب الذكاء الإنساني، فالمراقبة ذاتية وجماعية ليس لفرض رأي أو تصور عقدي على فرد أو جماعة، وإنما لإقامة التعارف والتعاون. صحيح أن هاته قيم سامية، وربما مثالية لكنها تبقى واردةً، ومشروعةً، بـل وقابلةً للوضع والتحقق على أرض الواقع.

 

وختاماً، يرى بعضهم أن التنوعَ والتمذهبَ هو مشروع حرب وفتنة وليس تنوعا ًوتسامحاً.  في رأيك و” حسب خبرتكم البحثية والمعرفية في مواضيع التسامح الديني والتعددية الدينية وتحولات المجتمعية، هل تجدون أن الهويات الدينية لها دور في تحقيق الانتماء أو الإقصاء الاجتماعي للآخر المختلف من الناحية العقدية، أم يمكن اعتبارها من مداخل التعصب الديني والانتمائي؟ وكيف يمكن حل هذه المعضلة؟

يكون التنوع والتعدد المذهبي فتنة ومشروع حرب في حال واحدة هي إن نحن أردنا ذلك، وإذا قبلنا أن نكون أدوات للخارج ونستقويَ بالخارج على حساب الناس من بني بلدنا، بدعوى الأفضلية. التنوع تلاقح وتقوية للنوع البشري والحضاري والفني والإنساني والبيئي. فالعنصر الواحد إنْ لم يجد من يكمله يتآكل؛ وتفاعلُه وتلاقحُه مع غيره يساعده على الاستمرار واكتسابِ عناصر جديدة تقويه وتُمنِّعُــه. إذن، بدون الاقتناع والتنشئة على الانفتاح على المخالف والمغاير وأنه قوة وليس ضَعْفا، فإننا نعيد إنتاج الطائفية المقيتة، والتي تنبني على هدم الجوار لبناء الذات، فهي هُـوية طاردة، ونحن لا نحتاج اليوم لهُوية أو هُويات طاردة. المطلوب وبشجاعة أن ندخل عصر الهُوية الجاذبة المندمجة، وليس المنسجمة. الهوية المنسجمة هي خيال ووهم وشوفينية لا تقوم إلى على جماجم من يخالفها، وانظري الحربَ الأهليةَ اللبنانيةَ ماذا جنى من سار فيها، وانظري القتال الأهلي في البلقان، وما هي النتائج والمآلات. إن الذي يطلق الرصاصة الأولى ليقتل أهله في البلد الواحد لا يمكنه بحال التحكم في كمية الرصاص المصبوب بعد رصاصته، وإلى يوم الدين. لذا، فعلى الفرقاء السياسيين والدينيين والمفكرين قبل تبشير أتباعهم بالمجتمع الهارموني المنسجم والنقي عرقيا وبالجنة والنعيم في الآخرة بعد المرور من برزخ الشهادة وبالفكر الشوفيني أن يفكروا في المآلات، وأن يُراجعوا برامجَهم وعقائدَهم وأفكارَهم، وينقدوا أنفسَهم قبل أن يتعرض لهم أحد بالنقد ويتفكروا جميعا، أي برنامج وأي عقيدة وأي فكرة تقصي الآخرين وتعتبرهم عدوا وهم من أهل البلد الواحد هل هي جديرة حقا بالاتباع؟ ثم الذي يستهلك هاته البرامجَ والعقائدَ والأفكارَ حتى ينخرطَ فيها بماله ووقته ودمه هل هو فعلا إنسان كاملُ الأهلية؟ كيف بحفنة من القادة الدمويين يسوقون الناس تباعا مثل النعاج إلى المسالخ باسم المقاومة تارة وباسم الطائفة تارة أخرى وباسم العدوان الخارجي وباسم تنقية الوطن من الخيانة، كيف للناس تتبع هاته الخطابات ولا تسأل ولا تتفكر؟ خلاصة القول، إن الطريق لا يزال طويلا أمام قراءة صحيحة للنصوص المؤسسة نفسِها، نصوص رهَـنها بعضُ الناس باسم الفهـم والنطق باسم الإله فحرَموا الناسَ عامة من فوائدها ونورها وحِكَمِـها الكثيرة، فعطَّلوا بعضَها وأوّلوا بعضَها الآخر ونسخوا أقساما منها تعسُّفا وعُنوةً. ولكن، نبقى متفائلين أن الهُويةَ الجاذبةَ المُضيفةَ هي التي ستنتصر؛ الهويةُ الطاردة النافرة من غيرها إنما هي جائحةٌ مُقيمـةٌ، ولكن ما ثبت في التاريخ أن جائحةً أقامت ودامت. بل انحسرت وبادت، وإنما تأخذُ الجوائحُ الضعافَ ممن لا مناعةَ لهم. والمناعةُ مكتسبةٌ من عناصر كثيرةٍ تكون متناقضةً ومتنافرةً أحيانا. إنما يجب تنظيمُها وتقويتُها. وذلك هو التحدي الذي ندعو كــلَّ ذي صلة أن يساعدَنا أن نرفعَـه. والأمة العالمية تحتاج كـلَّ مكوناتِها فالأرض عامةً، والوطن خاصةً هي بيتُنا، وليضع كل منا نفسَه مكان غيره قبل أن يصدر عليه حكما أو أن يقوم بطرده من جنته. ومنطق من ليس معنا فهو ضدنا لا أساس له، ولن يكون له مستقبل. فإما القَبول بالمخالف والمتنوع فننجوَ جميعا، وإما التنابذ والصراع والتقاتل فيخربُ الهيكل على من فيه ويخسرُ الجميع. والعاقل والحكيم هو الذي يعرف الجوابَ، كما قالت العرب:

مِـنْ شــدَّةِ الظُّـهـورِ الخفَــاءُ.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 75 = 83