مشروع القانون الجنائي… العملية نجحت ولكن المريض توفي؟

موند بريس  :

تأتي المبادرة إلى إصلاح مجموعة القانون الجنائي ضمن أحد النقط الرامية الى تنزيل توصيات الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة. وذلك بهدف تفعيل المستجدات التي حملها دستور 2011 لمناهضة جميع اشكال الفساد والاثراء غير المشروع. وتدخل هذه المبادرة الاصلاحية في اطار المستجدات والمبادئ، والتي يمكن أن نذكر من بينها: وإرساء ثقافة النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد ودعم استقلالية القضاء وضمان سبل المحاكمة العادلة وإقرار الحقوق والحريات، ، وبناء نظام متكامل للحكامة الجيدة،… إلى غير ذلك من المبادئ التي جاء بها الدستور الجديد.
ولهذا فقد جاء نص مشروع القانون 10.16 المتعلق بتعديل القانون الجنائي في اطار هذه المبادرة الاصلاحية، حيث شهدت لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب عدة مناقشات “ماراثونية” لمضامينه طيلة الثلاثة عشر اجتماعا ، امتدت من يوم 06/07/ 2017 الى غاية يوم 02/07/2019.
والملاحظ، أن هذا المشروع عرف مسلسل كبير من التشويش والتغليط للرأي العام من طرف بعض الهيئات التي غرقت في نقاش ايديولوجي عن طريق ترويج كم هائل من المعطيات المغشوشة ، لكن المؤكد أنه لا علاقة لها بهذا المشروع الطموح. هذا في الوقت الذي كان على هذه الهيئات أن تنخرط أجل توحيد الصفوف و جهود الجميع من أجل أن ينتهي مصير هذا القانون الى محطته الاخيرة في المسار التشريعيلكي يصل الى مرحلة النشر في الجريدة الرسمية.
والجدير بالذكر ان مشروع القانون الجنائي تناوب عليه ثلات وزراء، مما يوضح بجلاء مدى أهميته القانونية لكونه يُعتبر ركناً أساسياً لكل سياسة جنائية فهو سبيلها الرئيسي في التجريم و العقاب.
فبعد انتهاء الحوار الوطني لإصلاح منظومةالعدالة، كان هناك أمل كبير في أن تتكاثف الإرادات العامة لتعديل قانون من قيمة القانون الجنائي تعديلا شاملا بسبب تقادم العديد من نصوصه التي تعود الى تاريخ وضعه سنة 1962، حيث كشفت خمسون سنة من تطبيقه العديد من أوجه الاختلال التي مست باهدافه نتيجة للتحولات المجتمعية الشاملة. خاصة وأن التعديلات التي شهدها هذا القانون ظلّت في أغلبها تتسم بالجزئية والظرفية، وهو ما أفقد هذا النص الجنائي كثيرا من عناصر انتظامه التصوري والتشريعي، مما أثر بشكل سلبي على السياسة الجنائية الوطنيةمن خلال ضعف الكثير من مقتضياته وما يفرزه الواقع من جرائم جديدة لم يكن للمشرع الجنائي ان يتصورها أو يتنبأ بها، وهكذا ظلت نصوص القانون الجنائي يشوبها.
هذا وقد عرف مسلسل اصلاح المجموعة الجنائية عدة محاولات اجرائية، حيث جاءت المحاولة الأولى عن طريق اعلان وزارة العدل والحريات بتاريخ 31 مارس 2015 إنهاء صياغة مشروع قانون جنائي جديد يشتمل على 598 مادة. ليتغير في محاولة ثانية في اتجاه اختيار تشريعي آخر، يتم من خلاله انتقاء أهم التعديلات. فتمت المبادرة إلى تقديم مشروع قانون 10.16، لم يتضمن سوى أربعة مواد مست بتغيير وتتميم ونسخ 84 مادة من مجموع فصول القانون الجنائي الـبالغ عددها 612 فصلا . غير أن مسار هذا عرف تقاعسا كبيرا، حيث عُرض مرتين، أولاهما مرحلة وزير العدل والحريات ذ. المصطفى الرميد.
ليتولى مجددا وزير العدل، حينها، ذ. محمد أوجار مسؤولية تقديم مشروع هذا القانون في 06/07/2017 انتهت بآخر اجتماع في 02/07/2019.
غير أن مرحلة الوزير الحالي ذ. محمد بنعبد القادر، شهدت مناقشة تفصيلية لكل مواد هذا المشروع وحدّد مكتب لجنة التشريع والعدل تاريخا لإيداع التعديلات.

2. مشروع قانون: بين ضرورات الحاجة .. ومتاهات الأدلجة
واقع الأمر أن مشروع القانون رقم 10.16 الحالي هو مشروع بمضامين لا يختلف حولها اثنان ، ولعل ذلك راجع إلى منهجية إعداده المعقلنة لكون أغلب مضامينه جاءت منسجمة ومتوافق عليها . وتفعيلا لخلاصات الميثاق الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، جاءت مقتضيات هذا المشروع استجابة لحاجات مستعجلة من أجل تعديل القانون الجنائي للأسباب التالية:
‌أ. ملاءمة التشريع الجنائي الوطني للاتفاقيات ؛
‌ب. مراجعة تعريف وأركان بعض الجرائم.
‌ج. تجديد تصور القانون الجنائي للعقوبة.
والملاحظ أن هناك جهات عديدة قد ساهمت في التشويش على مسار هذا المشروع بما في ذلك المجلس الوطني لحقوق الإنسان وذلك بإصدار مذكرة ثانية تهم القانون الجنائي، دون طلب من أي جهة تنفيذية أو تشريعية، بالاضافة ،ومع كل الأسف، الى جهات أخرى من المثقفين أو المتحزبين أو الإعلاميين التي لازالت تعزف على نفس الوتر،من أجل طمس الحقيقة لتغليط الرأي العام وهز ثقة المواطنين .
للأسف الشديد ، وبعد مرور قرابة أربع سنوات، لا زال خلالهن مشروع القانون الجنائي يراوح مكانه دون أن يستطيع تجاوز مرحلة القراءة الأولى بمجلس النواب قبل أن تتم إحالته على مجلس المستشارين.
يبدو من خلال كل ما سبق أن حظ هذا النص كان سيئا، فالبرغم من أن مسطرة مناقشته كانت طويلة ويشوبها التشويش، فقد زاد من طولها التناوب على تقديم طلبات إرجاء أجل إيداع التعديلات: ابتداءً من 29 شتنبر، مرورا بـ 29 نونبر، فـ 13 دجنبر، ثم 27 دجنبر من سنة 2019، وأخيرا 10 يناير 2020 حيث تم الإيداع الفعلي لمقترحات تعديلات الفرق.
وبعد استنفاذ إمكانية تأجيل ميعاد إيداع مقترحات التعديلات بخصوص هذا المشروع، بدأ يظهر للعيان السبب الحقيقي وراء حالة “البلوكاج” الذي شهدها هذا القانون، لتضمنه مادة خاصة بتجريم الإثراء غير المشروع إعمالا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الموقعة بنيويورك متم 31 أكتوبر 2003.

كما أكدت ذلك المادة 4 من الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد الذي وقعت عليها المملكة المغربية بتاريخ 12/12/2010.
ومن أجل تنزيل هذه المقتضيات، نص الدستور المغربي على أن القانون يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز ووضعيات الاحتكار والهيمنة وباقي المسارات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية و إحداث مجموعة من المجالس والآليات لمحاربة الفساد فضلا عن المهام الموكولة إلى مؤسسة النيابة العامة.
غير أن الغريب في الامر ان المناصرين لسمو الاتفاقيات الدولية على الوثيقة الدستورية أصبحوا اليوم ، من أجل طمس معالم اجرامهم ، اصبحوا اليوم يضغطون بشتى الوسائل للضرب عرض الحاءط مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية خصوصا فيما يتعلق بمسألة الاثراء غير المشروع .
لقد حان الآوان لتدخل المجتمع المغربي بكل أطيافه وفئاته من أجل الضغط على الجهات العليا من أجل احترام مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية بكل درجاتها من أجل اغلاق الباب على انصار الفساد وذلك باخراج هذا المشروع القانوني الطموح الى حيز الوجود.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


94 − 92 =