ما هي تداعيات رد المغرب بالمثل في قضية “قبايل الجزائر” ؟

موند بريس / محمد أيت المودن

فوجئت الجزائر قبل أيام بموقف جديد للمغرب، عبرت عنه مذكرة تقدم بها السيد عمر هلال سفير المغرب الدائم بالأمم المتحدة وتم توزيعها بشكل رسمي على ممثلي الدول، تتبنى مقولة حق الشعب القبايلي في تقرير المصير. والحقيقة أن المفاجأة لم تكن فقط جزائرية، بل كانت مغاربية، وربما مغربية أيضا، فجزء مهم من النخب السياسية المغربية، لم تكن تتوقع أن يستعمل المغرب هذه الورقة لإقامة التوازن مع الجزائر التي ظلت تستعمل الورقة ذاتها لحوالي نصف قرن في صراعها مع المغرب. هذا الموقف أغضب الجزائر، ودفعها إلى طلب توضيح حول دعم الرباط لانفصال القبايل، بل دفعها إلى سحب سفيرها في الرباط وأدخلها في حملة إعلامية هيستيرية كثيفة وجهت كل نيرانها إلى الرباط.

 

هذا الموقف أثار جدلا واسعا داخل الجزائر وخارجها، بل حتى داخل المغرب ونخبه الحية، إذ لم يستسغ البعض أن يركب المغرب نفس أطروحة الجزائر، ويستعمل ورقة دعم الانفصال في مواجهتها. النخب العروبية والوحدوية لم تستسغ الموقف المغربي، ورأت فيه إضعافا لمصداقيته التي بناها في التعامل مع الجزائر حوالي نصف قرن من الزمن، فالمغرب كان دائما وحدويا، ضد أي نزعة انفصالية تهدد وحدة الكيانات العربية أو المغاربية، ويتحفظ دائما على اللعب بالورقة التي تستعملها الجزائر ضده، ولذلك، رأت في موقف ممثل المغرب نكوصا عن موقفه الثابت، وارتدادا لأسلوب الجزائر في دعم الانفصال وتمزيق الكيان المغاربي.

 

جزء من الداخل المغربي، رفض التحول في الموقف، واعتبره انزياحا خطيرا يتطلب تصحيحا عاجلا، وأن الاستثمار في ورقة الانفصال، لا تضعف فقط الموقف المغربي، بل تهدد حتى وحدة التراب المغربي، على اعتبار أن هناك مخططات أجنبية تحاول استعمال ورقة توحيد الشعب الأمازيغي في شمال إفريقيا من أجل خلق دول تجزئة بالمنطقة. فثمة عدد من الدراسات والتقارير الإسرائيلية، تدفع دفعا نحو الاشتغال على التوترات الإثنية واللغوية شمال إفريقيا، وعلى انفصال الهويات الأمازيغية شمال إفريقيا وتقويض أسس الوحدة الترابية بالبلدان المغاربية، بل تحاول استثمار هذه الورقة من أجل توسيع عملية التطبيع مع إسرائيل بحجة أن الصراع العربي الإسرائيلي لا يعني الأمازيغ، وإنما هو مخصوص بالعرب.

 

والواقع أن النقاش في هذه القضية، يتطلب التمييز بين مستويين: مستوى المثال، أي مستوى المبادئ والقيم، الذي اعتمده المغرب حوالي نصف قرن من الزمن، دون أن تنجح النخب التي ترفع شعار الوحدة أن تجعل الجزائر في دائرة المساءلة، فالجزائر كانت السباقة إلى استعمال ورقة دعم الانفصال، واستثمرت رصدا ماليا وسياسيا ودبلوماسيا ضخما لتقويض الوحدة الترابية للمغرب، دون أن تتحرك النخب العروبية والإسلامية، سواء داخل الجزائر أو خارجها لإدانة هذا السلوك، بل تعاملت مع المغرب والجزائر، كما ولو كانا في صراع سياسي لا علاقة له بقضية الوحدة والتجزئة، وفضلت دائما البقاء في مربع الحياد. أما المستوى الثاني، فهو المستوى الواقعي، أي مستوى الصراع السياسي على الأرض والعمل الدبلوماسي الواقعي الذي يحتكم إلى ديناميات السياسة.

 

المغرب جرب طويلا خطاب المبادئ والقيم، وكان بالإمكان أن يكون له دور حاسم في أحداث كبيرة عرفتها الجزائر، وفضل أن يبقى في مربع الحياد، بل قام بأدوار مهمة خدمت استقرار الجزائر في اللحظة التي كانت فيها كل الشروط تدفع نحو عدم الاستقرار. وحتى في لحظات الحراك الجزائري الذي لا يزال ممتدا لليوم، انضبط المغرب لخط الحياد، وبقي بعيدا عن الانخراط في أي تكتيك يغلب خيارا ما يعود إلى مصلحته. ربما نضج لدى صناع القرار في المغرب رأي يقول بأن خيار القيم والمبادئ، لم ينتج شيئا، بل لم يدفع النخب المبدئية إلى محاكمة الجزائر، فالنخب العربية الوحدوية ظلت دائما في منطقة الوسط والحياد، دون محاكمة الجزائر، والنخب الجزائرية الداخلية، بما في ذلك الناقمة على السلطة، والأشد تمسكا بخيار الوحدة، لم تدعم الموقف المغربي إلا في حدود جزئية، وظلت تناصر أطروحة السلطة، بما في ذلك نخب الإسلاميين الأشد مناصرة للخطاب الوحدوي (حركة مجتمع السلم وحركة النهضة وغيرها) فقد ناصرت أطروحة السلطة الداعمة للانفصال ولم تناصر خطاب المبادئ والقيم. وهي اليوم، تقف على خط المفارقة، إذ تنخرط في حملة النظام الجزائري ضد المغرب دفاعا على الوحدة الترابية للجزائر، ولا ترى في مناصرتها السابقة لنظام العسكر الذي يستهدف الوحدة الترابية المغربية، أي مس بمبدأ الوحدة، أو تدخل في الشأن الداخلي المغربي. إسلاميو الجزائرـ خاصة حركة مجتمع السلم ـ كانوا يعيشون ازدواجية خطيرة، فيعلنون في الرباط أن موقف الجزائر تجاه الصحراء لا يعنيهم وأنه يعني فقط السلطة، وأنهم مع الوحدة الترابية للمغرب ومع وحدة الشعوب المغاربية وأن مشكلة الصحراء ستجد حلها بتغير نظام الحكم في الجزائر، لكنهم حين يعودون للجزائر، ينتجون نفس خطاب السلطة تجاه هذه القضية.

ربما نضج هذا الرأي لدى صناع القرار في المغرب، بعد استقراء كل هذه التطورات، وبدا وكأنه صار يمثل خطا رادعا، يمكن اللجوء إليه في هذه المرحلة، لإقامة نوع من التوازن. والواقع أن التلويح بدعم الانفصال في الجزائر (حق الشعب القبايلي في تقرير المصير) هي ورقة قوية ومؤثرة، وليس هناك أدنى شك أن نخب الحكم في الجزائر تنظر إليها بجدية كبيرة، فهي تقدر بأن هذه الورقة متداولة ضمن خيارات إرادات دولية، وتتحسس في أي لحظة أن تدخل الجزائر ضمن مربع هذه الإرادات، بحكم مقدراتها في موارد الطاقة، وتعتبر أن الاتفاق الثلاثي الذي أبرم في الرباط يمثل تهديدا أساسيا للجزائر.

 

من هذه الجهة، سيكون المغرب مستفيدا من طرح هذه الورقة، كخيار ردعي، لإقامة التوازن، ولدفع الجزائر إلى مراجعة أوراقها، لكن في المقابل، ثمة محاذير ينبغي الانتباه إليها جيدا. منها أن هذه الورقة مفتوحة على كل الاحتمالات، وغير مضمونة، أي أنها ليست للاستعمال من جانب واحد، وليس متحكما في نتائجها، فيمكن أن تستعمل من جهات أخرى، ويمكن أن تكون مخرجاتها مضرة بمصالح المغرب، ووحدته واستقراره، ما دام أن هناك إرادات دولية تحمل مخططات أكبر من مجرد اللجوء للردع لإحقاق حق أو لرفع مظلمة. في التوتر مع إسبانيا، أنتج المغرب لغة راقية في التعاطي مع إسبانيا، وتحدث بخطاب ردعي قوي، كان من بين مفرداته الموقف من انفصال كاتالونيا، فكان الخطاب أشبه ما يكون بتهديد بدعم الانفصال، إذا استمرت إسبانيا في الموقف ذاته، لكن دون تورط من جهة الخطاب في دعم الانفصال.

 

يحتاج المغرب في تعامله مع الجزائر لتبني مقاربة ردعية قوية تقوم على منطق التعامل بالمثل، وهو أمر تفرضه ديناميات السياسة لا منطق خط القيم والمبادئ، فالتهديد بورقة دعم «حق الشعب القبايلي في تقرير المصير» في ظل السياسة الجزائرية العدائية تجاه المغرب، تظل ورقة مشروعة، يمكن استعمالها للتهديد لإقامة التوازن، ودفع الجزائر إلى مراجعة سياساتها، لكن، دون أن يصل ذلك إلى المدى الذي يمكن أن يضر بصورة المغرب ومصداقيته كبلد يسعى دائما إلى دعم وحدة الدول واستقرارها.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


51 + = 56