ماهي تأثيرات غلق المجال الجوي بين المغرب والجزائر؟

موند بريس / محمد ايت المودن

تزيد الهوة في العلاقات بين المغرب والجزائر في التوسع مع إعلان الأخيرة الأربعاء الأخير غلق مجالها الجوي أمام الطيران المغربي. ويأتي هذا القرار بعد أقل من شهر على إعلان نفس البلد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجار الغربي. ويعتبر مراقبون أن هذه العلاقات دخلت اليوم نفقا مظلما دون أن تلوح أي بادرة أمل في الأفق لحدوث انفراج فيها. ويتساءل هؤلاء: من المتضرر من هذه الخطوة الجديدة في تعميق القطيعة بين البلدين الجارين؟ وهل يجر هذا الوضع المنطقة نحو “المواجهة”؟

 

تتوسع الهوة أكثر في العلاقات بين المغرب والجزائر مع قرار الأخيرة الأربعاء إغلاق مجالها الجوي في وجه الطيران المدني والعسكري للجار الغربي. وجاء القرار، الذي يشمل أيضا “الطائرات التي تحمل رقم تسجيل مغربي” عقب اجتماع “للمجلس الأعلى للأمن” برئاسة عبد المجيد تبون.

وعقد هذا الاجتماع، يفيد بيان للرئاسة، “لدراسة التطورات على الحدود مع المملكة المغربية”، بالنظر إلى ما أسماه “استمرار الاستفزازات والممارسات العدائية من الجانب المغربي”. وكانت الجزائر قررت قطع علاقاتها مع المملكة قبل أقل من شهر، واتهم وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة حينها المغرب بأنه “لم يتوقف يوما عن القيام بأعمال غير ودية وأعمال عدائية ودنيئة ضد بلدنا”.

وإضافة إلى إسرائيل، تتهم الجزائر المغرب بدعم منظمتين صنفتهما إرهابيتين هما “حركة تقرير مصير منطقة القبائل” الانفصالية “ماك” ومقرها في باريس والحركة الإسلامية “رشاد” ومقرها في لندن. وتتهم السلطات الجزائرية “ماك” بإشعال الحرائق الضخمة التي اندلعت في منطقة القبائل شمال شرق البلاد، وأدت إلى مقتل 90 شخصا.

وظل المجال الجوي بين المغرب والجزائر مغلقا منذ 17 مارس في إطار الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجزائرية بسبب أزمة فيروس كورونا. ولم يكن المغرب ضمن سبعة بلدان أعيد فتح الأجواء الجزائرية بوجهها في 1 يونيو. وستبقى بالتالي مغلقة أمام طيران المملكة حتى إشعار آخر في ظل دخول العلاقات بين الطرفين في نفق مظلم.

على من سيؤثر هذا القرار؟

بدء من الأربعاء، أصبحت طائرات “الخطوط الملكية المغربية” خاصة مجبرة على تغيير مسار رحلاتها التي تعبر الأجواء الجزائرية. ونقلت وكالة رويترز عن مصدر بالشركة أن هذا القرار سيؤثر على 15 رحلة فقط أسبوعيا نحو تونس وتركيا ومصر. وقلل ذات المصدر من الأضرار المادية التي يمكن أن تلحق بالشركة المذكورة، موضحا أن “أثر ذلك غير كبير، وأن طائرات الشركة قد تغير مسارها لتعبر فوق البحر الأبيض المتوسط”.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر مقرب من شركة الخطوط الجوية الجزائرية، أن “الرحلات الجوية بين البلدين لم تستأنف، (منذ تعليقها بسبب أزمة فيروس كورونا)، والجزائريون الراغبون بالسفر إلى المغرب يسافرون عن طريق تونس”. وأضاف المصدر أن القرار الجزائري سيؤثر بشكل أساسي وفوري على مسارات رحلات الطائرات المغربية التي تمر عبر الأجواء الجزائرية.

إلا أن جميع المسافرين، جزائريين ومغاربة من المتنقلين بين البلدين، سيكونون مرغمين على المرور من دول أخرى قبل النزول بأحد القطرين الجارين. فعلى الراغبين مثلا في السفر من الجزائر إلى المغرب العبور جويا عبر تونس أو حتى باريس مع ما يتطلب ذلك من نفقات إضافية حول تسعيرة التذاكر لطول الرحلة والمبيت في الفنادق.

سياسة “الأبواب المغلقة”

معاناة الجزائريين والمغاربة الذي يسافرون من وإلى البلدين الجارين ليست بجديدة، خاصة من تجمعهم روابط الدم والقرابة العابرة للقطرين، فالباحث الجزائري المتخصص في الشؤون المغاربية سعيد هادف، يلفت في يشير إلى أنه “قبل هذا القرار وبسبب إغلاق الحدود البرية، كان هناك عشرات الآلاف من المتضررين، ولاسيما الفئة البسيطة في البلدين، وهي فئة لم تكن قادرة على السفر جوا، وظلت تعاني حوالي ثلاثة عقود من عدم التواصل مع أهلها”.

وهذا القرار، بحسب هادف الذي يرأس تحرير صحيفة “الأسبوع المغاربي”، “يمكن أن نسميه سياسة ‘الأبواب المغلقة’، وجراء قسوته على الذين ظلوا يستفيدون من الوضع السابق دون أن يشعروا بمعاناة المتضررين من غلق الحدود البرية، سيعرف هؤلاء أن الحقوق لا تتجزأ، وسيعانون كما كان يعاني غيرهم، ولعل هذه المعاناة ستوحد الجهود في ميلاد وعي سياسي جديد في البلدين، وخاصة في الجزائر حيث كان أصحاب المال يسافرون إلى المغرب بكل سهولة وفي أي وقت أرادوا”.

ويعتبر هادف أن “كلفة العلاقات الرديئة كانت باهظة على جميع المستويات قبل هذا القرار، الآن بعد سياسة ‘الأبواب المغلقة’ ستتسع رقعة المتضررين، وستتسع معها مشاعر التذمر والسخط، وسيتولد وضع جديد حتما. الكرة الآن في ملعب الحقوقيين الجزائريين والمغاربة، والسياسيين والمثقفين المنشغلين بقضاياهم الأممية الخرافية التي رضعوها في محاضنهم الأيديولوجية ثم جعلوا منها أصولا تجارية للسمسرة والبزنسة في سوق القضايا الوهمية”، حسب تعبيره.

وإغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطيران المغربي، ينظر إليه أستاذ العلاقات الدولية محمد عصام العروسي من الرباط على أنه “تصعيد وصل إلى أعلى مستوياته”، “ولا يخدم مصلحة” الجارين، مشيرا إلى أن “التطمينات الجزائرية التي قالت إنها لا تضر بمصالح البلدين” عند إعلان وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة قطع العلاقات، “تتراجع عنها الجزائر” اليوم.

إمكانية انزلاق المنطقة نحو “حرب”؟

وإن كان مراقبون يستبعدون فرضية اشتعال حرب في المنطقة بين الجارين الشقيقين، ويرون في التحركات الجزائرية رسائل سياسية ودبلوماسية ليس إلا، تريد الجزائر إيصالها إلى الرباط، وقد أتت تصريحات لعمامرة لشبكة “سي إن إن” الأمريكية لتزكي إلى حد ما هذا الطرح، إذ تحدث عن أن بلاده تريد إرسال “الرسالة المناسبة” إلى المغرب، موضحا أن هذه الخطوة كانت “طريقة حضارية لإنهاء وضع…كان يهدد بدفع البلدين إلى مسار غير مرغوب فيه”.

لكن المحامي المغربي والخبير في القانون الدولي صبري الحو، كانت له قراءة مخالفة للقرار الجزائري، واعتبر أن “الخلفية الرئيسية التي تتحكم في قرار إغلاق المجال الجوي الجزائري…هو من أجل تشتيت الأنظار عن القرار الخطير المتخذ خلال ذلك الاجتماع، ومن أجل منع وحجب الرؤية المغربية عن حقيقة ما تستعد له الجزائر ولإضفاء السرية على تحركاتها في المنطقة”.

وبحسبه، “الاجتماع تناول مدى استعداد وجاهزية الحيش الجزائري للقيام بمناوشات ضد المغرب…”، أي “معركة محدودة في الزمان والمكان في الحدود الشرقية…” على حد تفسيره، إلا أن الباحث الجزائري سعيد هادف يعتبر أن هذا “القرار سيدخل البلدان في امتحان عسير، وفي عصف ذهني سيحاول كل طرف أن يعتصر كل ما لديه من ذكاء ليقضي على خصمه بالضربة القاضية، ستكون الغلبة لمن يحترم الحدود الإنسانية الممكنة، ولمن يخوض هذا الصراع بشهامة الفارس لا بأخلاق الرعاع. وأستبعد أن تنزلق العلاقة إلى الحرب بمعناها المباشر”.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 53 = 59