كوريا الشمالية وفيروس كورونا

موند بريس / محمد أيت المودن

تمسكت كوريا الشمالية، لنحو عام ونصف العام، بأنها لم تسجل أي إصابة بفيروس كورونا. ولكن الموقف قد تغير، فقد أعلنت السلطات قبل أيام عن تسجيل أول إصابة. وكانت كوريا الشمالية في بداية تفشي الفيروس عالميا قد أغلقت حدودها تماما لمنع وصوله، ولكن لا أحد يعتقد أنها نجحت في ذلك. أما الآن فإن المسؤولين لم يعترفوا بوجود الفيروس، فحسب، بل أعلنوا حربا شاملة للسيطرة عليه. كما وصفه الزعيم، كيم جونغ أون، بأنه “أكبر كارثة” تصيب الأمة منذ تأسيسها. وأقرت السلطات إغلاقا على المستوى الوطني. لا يوجد مكان في العالم لم يمسسه مرض كوفيد، فقد سجلت حالات في قمة إيفرست، والقارة القطبية الجنوبية. واختلف تعامل كل دولة مع الجائحة، من حيث الصرامة، ولكنها اشتركت جميعها في برامج التلقيح، واختبارات الكشف عن الإصابة، والتباعد الاجتماعي، والقيود على السفر. ولكن تعامل كوريا الشمالية مع الجائحة يبقى غامضا نظر لطبيعة النظام هناك. وهناك مخاوف من أن يتسبب فيروس كورونا في كارثة، حسب أحد الخبراء الذين تحدثت إليهم بي بي سي: “أنا قلق جدا من عدد الوفيات”.

نظام صحي ضعيف

لعل أكبر المصاعب التي تواجهها كوريا الشمالية، هي أنها لا تملك الوسائل الأكثر فعالية في التعامل مع فيروس كورونا. فالسكان لم يستفيدوا من التلقيح. وإذا افترضنا أن عدد الإصابات قليل جدا حاليا، فإنهم معرضون للفيروس على نطاق واسع. وبما أنهم غير محصنين فمن المتوقع أن يسجل بينهم عدد كبير من الوفيات ومن حالات المرض الشديدة. هذا فضلا عن اختبارات الكشف عن الإصابة محدودة في البلاد، حسب منظمة الصحة العالمية التي تقول إن كوريا الشمالية أجرت 4 ألف اختبار منذ بداية الجائحة. أما في كوريا الجنوبية، التي جعلت من الاختبارات والمتابعة، جوهر برنامجها، فبلغ عدد الاختبارات 172 مليونا. وكان جمع البيانات من بين الوسائل المهمة بالنسبة لعديد من الحكومات، ولكن هذه المسألة تثير الالتباس في كوريا الشمالية. فقد نقلت وسائل الإعلام الرسمية السبت تسجيل نصف مليون حالة حمى غير معروفة السبب، وهو دليل على صعوبة التأكد من عدد إصابات كوفيد. وهو أيضا مؤشر على حجم الكارثة التي تنتظرها كوريا الشمالية. وحتى في الدول الغنية فإن تفشي مرض كوفيد أثار قلقا بشأن قدرة المنظومة الصحية على تحمل العدد الهائل من الإصابات، أما كوريا الشمالية فهي أمام خطر حقيقي.

العاصمة الكورية الشمالية

Reuters

ويرى جيون بيك، وهو مؤسس منظمة غير حكومية تعنى بشؤون كوريا الشمالية، أن المنظومة الصحية في البلاد “كانت ولا تزال متهالكة”. ويتحدث عن “نظام مهترئ، فباستثناء مليونين من السكان يعيشون في العاصمة بيونغيانغ، فإن الأغلبية تتلقى خدمات صحية ضعيفة جدا”. فقد تحدث منشقون عن استعمال قنينة الجعة لحمل المحاليل الوريدية في المستشفيات، وإعادة استعمال إبر الحقن حتى تصدأ. وعلينا أن نتخيل، حسب بيك، مدى ندرة وسائل أخرى مثل الكمامات أو مواد التطهير.

هل ستنفع الإغلاقات؟

في غياب عمليات التلقيح الواسعة، يبقى أمام كوريا الشمالية اللجوء إلى وسيلة واحدة في مواجهة تفشي الفيروس وهي الإغلاقات. ويرى بيك أن ذلك يعني أن “تقييد وقمع حركة الناس سيصبح أكثر صرامة وقسوة”. فقد أشار كيم إلى أن كوريا الشمالية مطالبة “بالتعلم” من الصين في تعاملها مع الحائجة. وبينما تقبلت أغلب الدول الآن التعايش مع الفيروس، فإن الصين لا تزال متمسكة بسياسة “تصفير الإصابات”، في محاولة للقضاء على المرض. وعليه فإن مدنا كبيرة، بما فيها مدينة المال شانغهاي، لا تزال خاضعة لقرار الإغلاق. ولكن السكان يدفعون ثمن هذه السياسة، فالناس في شانغهاي يشتكون من الظروف التي يعيشون فيها، ومن نقص الغذاء والرعاية الصحية. ولا أحد يستطيع انتقاد الحكومة في الصين. ويحذر الخبراء من أن الظروف المعيشية ستكون أسوأ مما عليه في شانغهاي لو أن كوريا الشمالية اقتدت بالصين في فرض الإغلاق. ويقول البروفيسور بن كروليغ، خبير علم الأوبئة في جامعة هونغ كونغ: “لاحظ مدى صعوبة مواجهة أوميكرون في شانغهاي”. “أعتقد أن الأمور ستكون صعبة جدا في كوريا الشمالية. المؤشرات مخيفة فعلا”.

مزارعون في كوريا الشمالية

AFP

وتعاني كوريا الشمالية منذ فترة طويلة من نقص في إنتاج الغذاء. فقد واجهت مجاعة مدمرة في التسعينات، وهي تعاني منها اليوم. ويعتقد برنامج الأغذية العالمي أن 11 مليونا من سكان، البلاد البالغ عددهم 25 مليونا، يعانون من سوء التغذية. فأساليب الزراعة في كوريا الشمالية قديمة، وهو ما يجعل المزارعين غير قادرين على تحقيق محاصيل كافية، وعليه فإن البلاد ستجد صعوبة في توفير الغذاء للناس.

المساعدات متوفرة إذا قبلت بها كوريا الشمالية

عرضت الصين ومنظمة الصحة العالمية على كوريا الشمالية مساعدات تتمثل في لقاحات، ولكن سلطات البلاد رفضت المساعدة. وربما يكون حديث كيم عن ضرورة التعلم من الصين مؤشرا على تغير في موقفه من تلقي المساعدة. ويقول أوين ميلنر، أستاذ الدراسات الكورية في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن: “يريدون من الصين أن تساعدهم، وأن الصين ستساعدهم بقدر ما تستطيع، لأن أولوية الصين أن تبقى كوريا الشمالية مستقرة”. ولكنه يضيف أن كوريا الشمالية قد لا تقبل المساعدات من أطراف خارجية أخرى، تعيدها إلى التسعينات عندما كانت العديد من الوكالات الإنسانية موجودة في البلاد. فالحكام لا يريدون مراقبة خارجية لما يجري في الداخل”. وليس هناك أي مؤشر حتى الآن على أن كوريا الشمالية ستغير من مواقفها، حتى إن كانت في أزمة صحية. فقد حذرت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من أن كوريا الشمالية ستجري تجارب نووية، وهو أمر يعتقد المراقبون أنه يهدف إن تحويل الرأي العام الداخلي، عن الأزمة الصحية. وقد يستغل كيم أزمة كوفيد لحشد الكوريين وراءه وتبرير ظروف المعيشة القاسية. وهذا كله يعني المزيد من المعاناة والعزلة. ويقول بيتر هوتيز، خبير اللقاحات في مدرسة طب الأمراض الاستوائية في جامعة بيلور الأمريكية: “ليس لهم في الواقع إلا خيار واحد وهو الحصول على اللقاحات والشروع فورا في تلقيح الناس”. “العالم مستعد لمساعدة كوريا الشمالية، ولكن عليهم أن يقبلوا ويطلبوا المساعدة”.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


9 + 1 =