قصة مسرح : علاقة المرحوم الطيب الصديقي و الملك الراحل الحسن الثاني

موند بريس :

كلما عادت بي الذاكرة الى المحطات الزاهرة التي قضيتها صحبة الراحل الحسن الثاني ، إلا وتذكرت طبعا اليوم الذي فاجأني وانا بشاطئ تمارة بقرار نقلي من مدينة الرباط الى مدينة الدار البيضاء، وبعدها بتعييني مديرا على المسرح البلدي بالدار البيضاء، وكنت قبل ذلك قد طلبت من جلالته سنة 1964 ان يخصص لفرقتي قاعة للتدريب بمسرح محمد الخامس حتى اشتغل في ظروف ملائمة ..لم يتردد جلالته في كتابة رسالة خطية الى الاعلام أنذاك، مولاي احمد العلوي الذي كان المسرح الوطني بالرباط تابعا لوزاراته ولا أخفي ان تواجدي بالمسرح أنذاك بأمر من صاحب الجلالة، كان يقض مضجع الادارة ويزعجها الى درجة لا تتصور..خلال تلك الفترة كانت الفرقة تتدرب على مسرحية “مومو بوخرصة” .
كان الحسن الثاني رجلا استثنائيا ، مغربيا حتى النخاع، لا يمكن أن يحدث شيء في المغرب دون أن يكون على بينة منه، كان فنانا كبيرا ، يتقن العزف على مجموعة من الآلات الموسيقية منها على وجه الخصوص الة لاكورديون والبيانو ولا باتري ، كما كان يحفظ كل الموازين والاقاعات الشعبية عن ظهر قلب ، وإذا ابقينا فقط على الميدان المسرحي ، مجال اشتغالي بالأساس، يمكن القول إنه كان على دراية كبيرة بتاريخ المسرح وتطوره محليا ودوليا ، وللاشارة فقط، فهو الذي كتب سيناريو مسرحية ‘سلطان الطلبة” التي كانت من اقتراحه ،بينما قام الطيب العلج وعبد الصمد الكنفاوي بكتابة الحوار .
في يوم من الأيام طلبني الراحل الحسن الثاني للحضور فورا إلى مكتبه ، وهناك فاجأني كالعادة بقرار من نوع غريب، وهو قرار لا يمت ، مرة أخرى، الى ميدان اشتغالي بصلة كان الحسن الثاني على دراية كبيرة بتاريخ المسرح وتطوره محليا ودوليا ، وهو الذي سيناريو مسرحية “سلطان الطلبة ”
عند تواجدي لديه بمكتبه قال : لقد فكرت في إنجاز كتاب حول فن المعمار بالمغرب ، وقد عينت السيد “اندري باكار” للقيام بهذه المهمة ، قلت له : سيدي انت تعرف أنني اشتغل بالمسرح وان كان فن المعمار يدخل ضمن اهتماماتي ، فأنا لست متخصصا في المجال ، قال او لم تكن في بداية حياتك المهنية تريد أن تتخصص في مجال الهندسة المعمارية…؟ لقد اخترتك ، لأنك من ضمن المغاربة القلائل الدين يحسنون التحدث إلى” المعلمية”
وفعلا قضيت خمس سنوات من حياتي انقل وأتحدث الى المختصين في هذا المجال ، وكان نتيجة ذلك كتاب” الفنون التقليدية في المعمار الإسلامي “الذي ترك صدى طيبا ،

هذا إلى جانب تعييني في مشروع “التلفزة تتحرك”مع اندري باكار دئما، أذكر أن أول ما قمت به خلال اشتغالي في هذا المشروع هو شراء ارشيف المغرب من شركة “باتي” بسومة 120 مليون ، فقد كنت ولا ازال افكر دائما في الذاكرة ، لسوء الحظ انه كانت هناك بعض المسرحيات والعروض واللقاءات التلفزيونية المصورة ، ولو بشكل بدئ ضاعت اشرطتها هباء تحت عامل الاستهتار واللامبالاة، منها مثلا بعض مسرحيات البشير العلج بوشعيب البيضاوي التي كان يهتز لها المغاربة ، لكن المشرفين على التلفزيون سامحهم الله ، وهنا أتحدث عن قناة الاولى بطبيعة الحال ، كانوا يصورون ثم يقومون بمحو الأشرطة او التسجيل عليها ..!
لم يكن هناك فهم او إدراك بأن الذاكرة المغربية بحاجة إلى صيانة ..هذا الكلام كان بالنسبة لهم من قبيل الهراء ،خلال هذه المرحلة عملت على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، هنأني صاحب الجلالة آنذاك وشجعني على إنتاج شريط سميته ” “ذاكرة ”
كان الحسن الثاني على دراية كبيرة بتاريخ المسرح وتطوره محليا ودوليا ،،
كثيرة هي ذكرياتي مع الراحل الحسن الثاني، وهي ذكريات لا يمكن اختزالها في مقام كهذا لكثافتها وثقلها التاريخي ، أذكر أن
أحد النقاد الفرنسيين وهو ” جيل سانديي ” أعتقد أنه اسدى لي خدمة جليلة حين خصص لي بعض الصفحات في كتابه المعنون” مسرح ومعركة ” كان جيل سانديي هذا قد أعجب بمسرحية ” الاكباش تتمرن ”
التي كتبت لها السيناريو فيما كتب الطيب العلج الحوار ، وهي المسرحية التي قدمناها مرتين متتاليتين بمهرجان الفنون الإفريقية بالجزائر سنة 1969 ، وبطبيعة الحال لم تقدم قط بالمغرب ، والسبب في ذلك يعود الى” جيل سانديي ” ،، كيف حدث ذلك..؟
كان جيل سانديي يساريا متعاطفا مع المغرب ، وقد كتب في كتابه بخصوص مسرحية الأكياس تتمرن ما يلي: في المجموع ما يريد أن يبينه الصديقي في مسرحيته هو ان المغاربة ليسوا بأكباش الحسن الثاني ..” خلاصة غريبة توصل إليها هذا الرجل ..! وهي ذات الخلاصة التي سيتوصل بها جلالة الحسن الثاني فور نشرها وبما انني لم يكن لدي ب” المشورالشريف “غير” “الاصدقاء” ! اصدقاء من نوع خاص أعني، فقد سارع العديد الى صاحب الجلالة كل منهم يحمل نسخة او اكثر ! من كتاب” جيل سانديي “.

هكذا ثم استدعائي الى القصر الملكي بفاس حيث مثلت أمام الملك حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا ، وجدت الملك الراحل في فورة من غضبه ،
كيفاش اسي الصديقي ، المغاربة اكباش ياك…؟
لم أكن انتظر أنني ساتلقى حماما باردا كالذي تلقيته ذلك المساء بقيت جامدا في مكاني لا انيس بينت شفة ، وخلال عودتي الى الفندق حيث اقيم ، كان حزني شديدا، كنت حزينا لانه ثم تأويل المسرحية بشكل مغلوط تماما من طرف نقاد لا ينتبهون ، والواقع انه لم يسبق لي أن أسأت الى نظام الحكم بالمغرب،
استقبلنا جلالته غير ما مرة بالقصر الملكي ، حيث كنا نعرض مجموعة من المسرحيات ، وكان بطبيعة الحال كريما مع المبدعين والفنانين من كل الاصناف ، من الممثلين والمغنيين والشعراء وغيرهم ، وكنا نتلقى استحقاقات مالية العروض التي نقدمها ، أراه الان جالسا بشرفته الخاصة يتابع أطوار المسرحية باهتمام بالغ ، ومن الجهة الاخرى يجلس باقي المبدعون ، ومازالت أذكر أنه مباشرة بعد الانتهاء كل عرض ينصرف الملك من الجهة اليمنى ليدخل شخص اسمه ” الغرابي ” من الجهة اليسرى يحمل ضرفا ماليا يقدمه للفرقة ..وفي كل مرة كنت الاحظ ان هذا الظرف مفتوح مع ما تعني هذه الكلمة من سطو على قدر كبير من المبلغ الذي خصص أصلا للعرض ،مرة دعاني جلالته الى مكتبه ثم سألني:
قال لي هل يكفيكم المبلغ المالي الذي تحصلون عليه من تقديم عروضكم …؟
الله يجعل البركة..
شكون هو الفنان في نظرك اللي مساهل عليه الله..؟
الغرابي امورتي..!

ضحك جلالته ، ومنذ ذلك الوقت لم يعد هناك مجال لفتح الاظرفة المالية إلا من طرف اصحابها ..!

وما قصة ربطة العنق ؟

نعم مرة سألني الراحل عن عدد ربطات العنق التي أملك، قائلا .. قيل لي انك تملك الف ربطة عنق هل هذا صحيح .. فما كان لي الا ان ارد عليه قائلا : لا يا مولاي أنهم يكذبون يبالغون في العدد ، فوالله لا أملك سو وتسعمائة وتسع وتسعين ربطة عنق .. ضحك جلالته ومازال ربطة عنقه ثم قدمها إلي وقال : يالله ها هي كاملة الالف.

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


41 + = 51