قراءة سارة صابر لرواية “نوميديا” للكاتب طارق بكاري

نوميديا العنوان:

كانت نوميديا مملكة أمازيغية قديمة  تستوطن شمال افريقيا ممتدة من غرب تونس لتشمل الجزائر وجزءا من المغرب الحاليين، و”نوميديا” هذه شخصية من شخصيات الرواية، لكنها ذات أبعاد تتجاوز الواقع، و الزمان، و المكان، محملة بالدلالات الواقعية، والتاريخية، والوجدانية، والفكرية، والسياسية، وواقع الهوية و البحث عن الذات وسط متراكمات الزمن .

لقد عالج الكاتب الشاب طارق بكاري في روايته “نوميديا” قضية الهوية بشكل كبير، في واقع عنيف، يشير فيه إلى تنامي ظاهرة التشدد والإرهاب واجتياحهما لمناطق مختلفة في الشرق والغرب، بسبب الفهم المغلوط للدين الإسلامي.

تدور الأحداث الرئيسية للرواية في قرية أمازيغية تدعى “إغرم”، وهي منطقة أمازيغية في الجنوب الشرقي للمغرب، حيث قدم لنا الكاتب بعض جوانب حياتها بنكهة يملؤها الألم والحنين، وكأنه يكشف عن هوية المنطقة ليعرف بها، خاصة وأن الغوص في أعماق هذه المناطق المغربية الغابرة، يفتح لنا آفاق إكتشاف عوالم أخرى، في الثقافة والهوية، اللغة والمجتمع، ثم التاريخ والأسطورة، وعلى الكاتب أن يكون ملما بهذه الأشياء أو باحثا عنها، وهو ما نجح فيه الكاتب بكاري بشكل كبير.
الرواية تشدّ القارئ منذ الوهلة الأولى، وتقحمه في عوالم درامية مشوقة بأسئلتها المحيرة عن كنه وهوية الشخصية الإنسانية، فهي حيوات وصور الإنسان في منطقة تنبتق منها الحياة من ثقب ضيق وتشع به عبر الجبال والأراضي الشاسعة القاحلة.

تتحدّث الرواية عن ” مراد الوعل ” أو ” أوداد ” لا فرق، فكلاهما انعكاس للخيبة والخطيئة، قبل مغادرة البطل قرية “إغرم ” مسقط رأسه يعود بعد سنوات طوال إلى ” إغرم ” وهو على دراية كاملة أنّ عودته المجنونة إلى هذه المدينة أو القرية كما يسمّيها الكاتب خطأ فادح.
عودته جعلتنا نتساءل، هل عودة مراد إلى إغرم كان من أجل استرجاع هوية أوداد المفقودة، أم من أجل استرجاع الذاكرة المفقودة ؟

لم ينس أوداد أو مراد أنّه ابن حرام، وُلِد ولا يعرف له أبًا أو أمًّا فغادر القرية منكّس الرأس بعدما قرّر أهلها طرده.
كان أوداد يحسّ أن الجميع ضدّه وأنّه منبوذًا كأنّما يشكو من مرضٍ معدٍ ، تبناه رجل لم يرزق بمولود ذكر فأطلق عليه اسم (مراد)، فاستقبلته زوجة المتبني الجديد بطبق حار من العذاب أقصى مما لاقاه في القرية. تحمّل ذلك وواصل حياته وهو يحمل الأحزان والخيبات على كتفيه، كان الموت أحب إليه من الحياة.
فيقرّر الطفل أوداد الانتحار والتخلّص من هذا الألم الموجع، ولكنّ القدر يرفض موته ليخلّصه أحدهم بعدما حاول الانتحار في النهر.
أتاني مقطع انتحار أوداد كالفاجعة، فكيف لطفل لم يتجاوز العاشرة أن يفكّر بالانتحار ؟

العشيقات المتعددات العرق :
وجد البطل نفسه في صراع دائم للبحث عن هويته المجهولة. حيث تبدأ مغامرات مراد مع عشيقاته، ليلى حبيبته الأولى التي تعرف عليها بالثانوية وعاش معها الانبثاق الأول لمشاعر الحب العذري، وخلفت أكوامًا من الأسى والحسرة، وقد يتماهى الاسم مع حكاية قيس وليلى في التاريخ العربي الذي عرف بإجهاضه لحكايات الحب اللذيذة بأعرافه القاسية . ثم خولة التي حملت منه وانتحرت  عندما هاجرها ولم يعد يسأل عنها، ونضال زميلته في الدراسة والنضال الحزبي الشيوعي، وجوليا الشابة الفرنسية التي تروي الرواية بلسانه، وتتبع زلاته وغلطاته، وأخيرا بنوميديا العشيقة الأمازيغية…
مما جعلنا نتساءل مع السارد الذي يتوارى خلف جوليا، ويمدها بخيوط السرد ،  هل كانت نوميديا إحدى هلوساته أم أنها كانت حقيقية من لحم ودم ؟

الزمان والمكان في الرواية :
ليس هناك تحديد لزمن الرواية حيث يتداخل الحاضر والماضي حسب السرد والحبكة الروائية ، تتمطط الأحداث ما بين اغرم والمدينة حتى وإن شكلت اغرم المجال الرئيسي زمكانيا .

تتمفصل الرواية عبر عدد من الثيمات وهي :
الحب والجنس : الرواية لا تخلو من الحب والعاطفة القوية والإنسانية.
الكراهية والحقد : تحضر في صورة الرجل العجوز أم محند و صفية زوجة الحسين، والظلاميين المتأهبين لقتل من يخالف رأيهم، ونضال التي تكره زوجها  واحتقار الزوج لها ، وجوليا ذات الأنانية المفرطة التي تكره وتعشق مراد .
الحياة والموت: الطفل أوداد الذي حاول الانتحار بحثا عن الخلاص، خولة الأم العازبة التي أنهت حياتها كي تتطهر من الخطيئة، وظلت حية في حياة البطل بمذكراتها.
الخيال والواقع: الخيال لعبة أثيرة وملاذ آمن يوافق تمرد وتشتت وضياع البطل مراد.
وهناك ثيمات كثيرة في الرواية كالحياة..الأخلاق.. الخيانة..

اختار طارق بكاري أسلوبا مميزا في روايته على مستوى سرد الأحداث وانتقاء الكلمات، و التي يتداخل فيها الحاضر بالماضي، و يمتزج فيها الزمن بالمكان، و تلتقي فيه الجغرافيا بالتاريخ، لتصنع رواية تحكي و تحاكي عن واقع لا مفر منه، و عن واقع يجعل من التقاليد و العادات نمطا من الحياة.
ولغة الرواية جميلة وخلفيتها الثقافية ثرية، مثخنة بالتاريخ والاسطورة، ولعل ما جعلها من أفضل الروايات المغربية وترشحها لجائزة البوكر العربية، إلمام الكاتب بهذه الجوانب.

سارة صابر من الناظور

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


26 + = 34