شهر أكتوبر الذي يشهد على أحداث تاريخية في الصحراء المغربية

موند بريس / محمد أيت المودن

في بداية سنة 1971 كان الإسبان لا يزالون يشغلون بعض النفوذ في المنطقة الجنوبية، واتحدت القبائل الصحراوية التي كانت تشهر عاليا صور الملك الراحل الحسن الثاني، لكي تخرج في احتجاجات ضد الوجود الإسباني في المغرب.
ضاعت تفاصيل كثيرة بخصوص جيش التحرير، إذ قيل إن نواة احتجاجات أكتوبر 1971 كان قياديوها ومهندسوها من قدماء جيش التحرير. بينما بعض المصادر التي تحدثت في الموضوع، تؤكد أن الأمر كان يتعلق بزعامات من القبائل الصحراوية.
حسب مصادر موثوقة، أثناء التنقيب في ملف هذه الاحتجاجات التي لم يسلط عليها الضوء الكافي، رغم أنها تعود إلى سنة 1971 التي كان خلالها توثيق الحدث ممكنا، بعكس عمليات الصحراء ضد الوجود الإسباني والتي قادها جيش التحرير سنة 1956، إذ بعد أن أصبح مهندسوها ملاحقين بتهم تمس أمن الدولة الداخلي والخارجي سنة 1963، ضاع أرشيف تلك العمليات ضد الثكنات الإسبانية في الصحراء.

أحداث بمثابة آخر الأدلة التاريخية على مغربية الصحراء..
فجأة عادت الحياة إلى اسم «أميناتو حيدر»، تلك المرأة التي قدمت نفسها متحدثة باسم «الشعب الصحراوي». مضت أزيد من عشر سنوات لم يظهر لها أثر، منذ أزمة رفضها الإدلاء بهويتها المغربية، رغم أنها كانت تسافر دائما بجواز مغربي. نُسيت وتوارت إلى الخلف قبل أن تقرر هذه الأيام العودة من جديد إلى الواجهة.
كانت أخبارها قد انقطعت بعد أن ظهرت في مطار العيون وهي تدخل إلى المغرب، منهية حملتها الإعلامية ضد الوحدة الترابية للمغرب، قبل عشر سنوات من اليوم.
وها هي الآن تعود عبر الإعلان عن ميلاد ائتلاف صحراوي جديد، طعن فيه الصحراويون حتى قبل أن ينتهي جمعه العام.
كيف ركب هؤلاء إذن على وقائع منسية من التاريخ وحولوها إلى رصيد من إقبار الحقائق، رغم وجود أدلة دامغة عنها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذا «الشعب الصحراوي» الذي تقود ائتلافا باسمه، سبق له قيادة انتفاضة حقيقية ضد إسبانيا طالب خلالها الصحراويون الحقيقيون بخروج إسبانيا من الثكنات، التي بقيت تشغلها في الصحراء وتسليمها إلى المغرب.
وقع هذا حتى قبل أن يولد شيء اسمه «البوليساريو». ففي أكتوبر 1971 وقعت انتفاضة منسية في الصحراء الجنوبية، طالب خلالها الأهالي بفك الحصار الذي فرضه الجيش الإسباني على المنطقة، وتركهم يتحركون بحرية في اتجاه بقية التراب المغربي.
كان الذين هندسوا أماكن انتشار الثكنات العسكرية يعلمون جيدا أنهم يطوقون قبائل تعداد سكانها بالآلاف، ويمنعون سهولة وصولهم إلى الطرق ومنابع المياه، وبالتالي كانوا يقطعون أي صلة بينهم وبين بقية مناطق المغرب، بما فيها الأراضي التي انسحبت منها إسبانيا بعد مفاوضات مع المغرب منذ 1957 و1959.
لم تكن الرباط تعلم بنية القبائل الاحتجاج ضد إسبانيا، لأن الملك الراحل الحسن الثاني نفسه تلقى تطمينات من مسؤولين بارزين إسبان بقرب حل المشكلة دبلوماسيا، خصوصا وأن الملك الحسن الثاني برمج زيارات إلى دول أوربية من بينها إسبانيا، بينما أرسل مستشاريه الثقات إلى رؤساء عرب كانوا يتابعون مشكلة الصحراء المغربية عن كثب، خصوصا الرئيس السوري ثم الجزائري.
الانتفاضة رفعت فيها الأعلام المغربية، وطالب خلالها المنتفضون الذين وقفوا أمام الثكنات الإسبانية لأيام حاملين الأعلام، رافعين شعارات تطالب بجلاء الجيش الإسباني، بإسماع صوتهم إلى العالم. لكن المشكل أن الكاميرات لم تكن موجهة إلى الصحراء، بقدر ما كانت موجهة إلى «فرانكو» في انتظار الوفاء بوعده مع المغرب.
حاول الإسبان التكتم على الموضوع، وبقيت الأحداث الفعلية لأكتوبر غائبة عن الرأي العام الدولي والمنظمات الدولية لأيام، قبل أن يصل «دخانها» إلى وسائل إعلام أجنبية، سيما بعد رواج أخبار عن مصرع مصور أجنبي كان يلتقط صورا لتلك الانتفاضة ويوثقها بالصور.
هؤلاء اليوم الذين يقودون أطروحة الانفصال، عليهم مراجعة ترقيم بعض وثائق أرشيف المراسلات الدبلوماسية الأجنبية في المغرب، والتي رفعت عنها السرية بالمناسبة، لكي يروا كيف أن القبائل الصحراوية كانت دائما تدافع عن مغربيتها، وطالب أهاليها الحقيقيون بجلاء الاستعمار الإسباني واستكمال الوحدة الترابية للمغرب.
كواليس كثيرة بقيت مغيبة عن الرأي العام وحتى عن الباحثين والمؤرخين، وضاعت في زحام تفاصيل كثيرة لم يُرد لها أن تنشر، لأنها كانت لتعري كل شيء.

حروب سرية لإسبانيا ضد الصحراويين.. الوثائق السرية التي لم يكتب لها أن تنشر
في سنة 1956، كانت إسبانيا أمام حرب شرسة قادها منتسبون لجيش التحرير المغربي. هؤلاء تحركوا منذ الإعلان عن استقلال المغرب إلى الصحراء، حاملين شعار استكمال استقلال البلاد. إذ كان انسحاب فرنسا خطوة أولى لاستقلال تام، حسب رأي القادة السياسيين في المغرب. في وقت كان تيار داخل الدولة المغربية الجديدة، يريد فتح باب المفاوضات مع الإسبان، لاستكمال الاستقلال بانسحاب الجيش الإسباني من المنطقة الجنوبية.
لم يكن الجيش الملكي قد تأسس بعد، لذلك كان خوض حرب في الصحراء ضد إسبانيا مستحيلا بالنسبة إلى دولة حصلت لتوها على الاستقلال.
قادة جيش التحرير ومنتسبوه الذين كانوا يقودون من خلال الخلايا السرية عمليات ضد فرنسا في الدار البيضاء، وصولا إلى الجنوب ثم الحدود الجزائرية في الشمال، اعتقدوا أن مواجهة الجيش الإسباني في الصحراء سوف تكون شبيهة بمعارك مرحلة نفي الملك محمد الخامس، ضد الفرنسيين.
لكن الوضع كان مختلفا، رغم الانتصارات الأولية التي أحرزها جيش التحرير في الجنوب ما بين سنتي 1956 و1959، فقد كان الأمر يتعلق بحرب ضد جيش دولة قوية اسمها إسبانيا. جيش لديه ميزانية حقيقية وعتاد، والأهم، لديه دعم فرنسي.
من بين الأمور التي لم يسلط عليها الضوء في التاريخ المشترك، العمليات الجوية التي قادها الطيران الفرنسي، قبل جلاء قواته من القواعد العسكرية وتسليمها إلى المغرب بموجب اتفاق الاستقلال. إذ كانت هذه الطائرات تقلع من قواعدها لتضرب في الصحراء، في محاولات لتطويق قادة جيش التحرير، وهو ما سرع بضرورة تدخل القصر رسميا لإيقاف كل العمليات التي يقودها جيش التحرير في الصحراء المغربية، بسبب معلومات موثوقة توصل بها ولي العهد الأمير مولاي الحسن، تؤكد أن فرنسا رغم اتفاقها مع المغرب على الاستقلال، قد تعود إلى الصحراء من بوابة الدعم العسكري للجنرال «فرانكو». وهو ما كان يحمل خطورة كبيرة على المغرب.
لذلك فضل الملك محمد الخامس الجلوس مع الإسبان أولا، وهو ما نتج عنه انسحاب جزئي من مناطق في الصحراء عادت إلى سيادة الدولة المغربية، بينما بقيت أخرى تنتظر.
انتفاضة أكتوبر 1971، كانت في سياق تذكير القبائل المغربية للجيش الإسباني بضرورة الانسحاب من المناطق التي فضل «فرانكو» أن يبقي على وحدات احتياطية من الجيش بها. في هذا الملف نسلط الضوء لأول مرة على تلك الأحداث.

تقرير يصف الأجواء في الصحراء المغربية قبل أكتوبر «الساخن»
جاء في تقرير للخارجية الأمريكية يعود لنهاية شتنبر 1971، أن تحركات «ما» على الصحراء، تنبئ باقتراب وقوع توتر «ما» على الحدود.
السفارة الأمريكية في الرباط لم تكن تتوفر على ما يكفي من معطيات بخصوص الموضوع، لكنها ذيلت التقرير رقم 11 في تلك المراسلة بالقول إن «الأيام القادمة سوف تحمل الكثير من الأحداث، وإن لقاءات مع شخصيات وازنة في الدفاع سوف تعطي معلومات لكي تتوضح الصورة أكثر».
ما ركز عليه التقرير أيضا، معلومات من الجانب الجزائري، حيث كان هواري بومدين قد وعد بتمرير أسلحة من الاتحاد السوفياتي إلى الصحراء، لتمويل النواة الأولى لفتيل المواجهات.
في الحقيقة هذه المعلومات التي سبقت تأسيس البوليساريو بفترة قصيرة، تؤكد تورط الجزائريين في افتعال مشكلة الصحراء المغربية، حتى قبل الإعلان الكامل عن مغادرة آخر جندي إسباني للمنطقة.
هذه الوثيقة تقول أيضا إن المخابرات المغربية رصدت مجموعة من الاتصالات، بين قيادات في الجيش الإسباني بخصوص انسحابهم من عدد من المناطق، وتقليص عدد المجندين. أي أن الوجود الإسباني سوف يتقلص في الفترة نفسها، التي كان فيها هواري بومدين يخطط لتمويل المواجهات، قبل حتى أن يتم الإعلان رسميا عن تأسيس البوليساريو.
في ذلك الوقت كان المقاتلون المغاربة يسعون إلى التضييق على الإسبان، من خلال قيادة عمليات هندسها جيش التحرير المغربي منذ 1956، وظل محافظا عليها رغم إدماج جل منتسبيه في الجيش الملكي، ودعوات الدولة بشكل مباشر إلى حل ما تبقى منه.
حتى أن هذا التنظيم الوطني أصبح محظورا منذ نهاية الخمسينيات، عندما تم توجيه تهمة التآمر على حياة ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وتوبع عدد كبير من أفراد جيش التحرير على خلفية الاتهام الخطير الذي مس بأمن الدولة الداخلي.
لم ينف عدد من قدماء جيش التحرير ومؤسسي المقاومة المغربية، خصوصا منهم الذين هربوا إلى الجزائر خوفا من الإعدام على خلفية محاكمة 1963، أنهم خططوا فعلا لأعمال مسلحة في المغرب. وهذا الاعتراف الضمني الذي يصنف اليوم في خانة «المعارضة»، كان نتيجة مباشرة لقرار الدولة المغربية منذ سنة 1956 إيقاف عمليات جيش التحرير في الصحراء المغربية، رغم أن قيادات هذا الجيش وعلى رأسها الفقيه البصري، الذي تصادف ذكرى وفاته الأسبوع الجاري، اعتبرت أن القرار غير صائب، وأنه يتعين مواصلة عمليات جيش التحرير في الصحراء إلى أن يتم تحريرها كاملة من قبضة الإسبان.
كان الملك الراحل الحسن الثاني يملك فلسفة أخرى في الموضوع، وفضل الجلوس مع الإسبان على طاولة المفاوضات بدل محاربتهم، سيما وأن المغرب خرج لتوه من تبعات الحماية الفرنسية.
هذا هو السياق الذي وُلدت فيه أحداث الاحتجاجات في الصحراء التي كان من أبرزها احتجاجات أكتوبر 1971، والتي قادها مغاربة من القبائل الصحراوية طالبوا خلالها إسبانيا بالرحيل. وهذه الواقعة أحد أقوى الأدلة على مغربية الصحراء، بحكم أن هذه القبائل التي كان أبناؤها من مؤسسي جيش التحرير المغربي، قد ساهموا في إشعال فتيل تلك الاحتجاجات التي أحرجت إسبانيا أمام المنتظم الدولي، وذكرت العالم باستمرار باحتلال جزء مهم من سيادة الدولة المغربية في الجنوب.

أيتام جيش التحرير.. المهندسون الفعليون للاحتجاج ضد إسبانيا
من يكون إذن هؤلاء الذين قادوا الاحتجاجات ضد إسبانيا في شهر أكتوبر 1971؟
إنهم أبناء الجنوب، وجلهم تلقوا تعليمهم في الرباط أو في باريس، ثم عادوا إلى محيطهم القبلي بتنسيق مع قيادات في جيش التحرير المغربي، حيث كان محمد الفقيه البصري ينسق مع هذه القيادات لشن هجومات على الثكنات العسكرية في الصحراء التي أقامها الجنود الإسبان. هذه العمليات التي انطلقت سنة 1956، وباركها الملك الراحل محمد الخامس في بدايتها، قبل أن يتلقى نصائح من دول صديقة بضرورة الحذر في التعامل مع الإسبان، وعدم اللجوء المبكر إلى الحرب ضد دولة قوية مثل إسبانيا لديها عتاد عسكري واتفاقيات عسكرية مع دول، من بينها فرنسا لشن هجمات محتملة ضد أي عملية في الصحراء المغربية. تحولت، أي العمليات، إلى سبب لـ«تسميم» العلاقة بين قيادات جيش التحرير وبعض الشخصيات الكبرى في الدولة، خصوصا في الجيش أمثال الكولونيل «لوباريس» ثم الجنرال إدريس بن عمر.
«لوباريس» الذي كان مسؤولا عن «كوموندو» مغربي من المظليين المحترفين، قادوا عمليات في الصحراء المغربية لضبط المواجهات مع إسبانيا. وكان الأمر مفهوما، إذ إن قيادة جيش التحرير كانت تمثل نفسها فقط، لكنها تدخل في مواجهات وحروب حقيقية مع الجيش الإسباني، بينما كان الملك الممثل الرسمي لسيادة البلاد يفضل الجلوس إلى طاولة الحوار مع الإسبان، الذين أبانوا سنة 1959 عن استعدادهم للتفاوض.
سبق أن عالجنا هذا الموضوع الشائك لأرشيف جيش التحرير المغربي في الصحراء، وقلنا إنه كيف كان الموقف الرسمي من جيش التحرير؟ الجواب لا يحتاج إلى جهد كبير ما دام الملك الحسن الثاني، وهو ولي للعهد وقتها، أي ما بين سنوات 1957 و1960، كان حاضرا بقوة في المشهد، بل كان على اتصال مباشر بقيادة جيش التحرير، سيما في المناطق الجنوبية، وكان يتابع عن كثب المواجهات بين أعضاء جيش التحرير في الصحراء وبين الجيش الإسباني. فقد كان ملف الوحدة الترابية هو الملف الأول فوق مكتب ولي العهد، ومكتب الملك محمد الخامس أيضا. كان هناك إدراك بأهمية جيش التحرير في المنطقة الجنوبية، لأن الإسبان كانوا يحتلون حيزا كبيرا جدا في الصحراء، وكانت القبائل الصحراوية قد ساهمت بشكل كبير في تأسيس النواة الأولى لجيش التحرير جنوبا، وبايع أفرادها الملك محمد الخامس بعد الاستقلال.
لكن الأمور توترت عندما قامت إسبانيا بضربة عسكرية كبيرة مع نهاية الخمسينيات، وتدخل الجيش الملكي، في خطوة لا يعلم عنها المؤرخون أي شيء تقريبا. وهكذا تفرق جيش التحرير وأصبح أمر أفراده معلقا، بين مطاردين تبحث عنهم الدولة لأنهم رفضوا تسليم السلاح، وبين غاضبين فضلوا الهروب إلى الجزائر، ما داموا قد وجدوا أنفسهم داخل تنظيم مسلح، لم يكن أصلا يتلقى تعليماته من أعلى سلطة في البلاد. لقد كان تنظيما ثوريا أكثر منه نسخة أولى للجيش المغربي.
وفي بداية 1971، كان الإسبان لا يزالون يشغلون بعض النفوذ في المنطقة الجنوبية، واتحدت القبائل الصحراوية التي كانت تشهر عاليا صور الملك الراحل الحسن الثاني، لكي تخرج في احتجاجات ضد الوجود الإسباني في المغرب.
ضاعت تفاصيل كثيرة بخصوص جيش التحرير، إذ قيل إن نواة احتجاجات أكتوبر 1971 كان قياديوها ومهندسوها من قدماء جيش التحرير. بينما بعض المصادر التي تحدثت إليها «الأخبار» في الموضوع، تؤكد أن الأمر كان يتعلق بزعامات من القبائل الصحراوية.

مغربيات في مخيمات الاحتجاجات في سبعينيات القرن الماضي

مرافعات المغرب بالأمم المتحدة وقصة قتل مصور المظاهرات
حسب مصادر موثوقة تحدثت إليها «الأخبار»، أثناء التنقيب في ملف هذه الاحتجاجات التي لم يُسلط عليها الضوء الكافي، رغم أنها تعود إلى سنة 1971 التي كان خلالها توثيق الحدث ممكنا، بعكس عمليات الصحراء ضد الوجود الإسباني والتي قادها جيش التحرير سنة 1956، إذ بعد أن أصبح مهندسوها ملاحقين بتهم تمس أمن الدولة الداخلي والخارجي سنة 1963، ضاع أرشيف تلك العمليات ضد الثكنات الإسبانية في الصحراء.
بعكس أحداث أكتوبر 1971 التي كان توثيقها سهلا، بحكم أن الذين قادوها كانوا قبائل عرف عنها تاريخيا ولاؤها للدولة العلوية، إذ توجد مخطوطات تؤرخ لمراسلات مع ملوك الدولة تهم تجديد البيعة وتعيين ممثلين للسلاطين العلويين تعود إلى زمن المولى إسماعيل، أي قبل أربعة قرون من اليوم.
هذه القبائل التي تحركت على خلفية رواج أخبار عن إنزالات عسكرية إسبانية مرتقبة، بينما في الرباط كانت أخبار أخرى تروج حول تخفيف إسبانيا لوجودها العسكري في الصحراء، بسبب أزمة الجنرال فرانكو الاقتصادية ومهاجمة المعارضة له، وسجن رموز سياسية لاختلافها مع فرانكو حول تقديرات، من بينها هندسة مستقبل الوجود الإسباني في الصحراء المغربية، وتكلفة الأمر اقتصاديا على جيوب الإسبان.
القبائل الصحراوية لم تكن تثق بكلام الجرائد، أو هذا ما يمكن أن يستشف عند أول محاولة لترتيب الأحداث. إذ إن بعض العمليات والتحركات في الثكنات العسكرية الإسبانية، جعلت قيادات القبائل الصحراوية تدرك أن أمورا ما تطبخ في الخفاء.
لم يكن خبر التحركات الجزائرية لتمويل قدماء المقاومة المغاربة بالسلاح، وتكوين خلايا تقود عمليات على الأرض قد وصل إلى القبائل في الصحراء، وهذا ما جعل احتجاجاتها تبقى بدون صبغة سياسية على الإطلاق.
هذه الانتفاضة كما أسمتها التقارير الإسبانية، وكما تشهد أحداثها أيضا، عرفت وقوع اعتقالات كثيرة في صفوف أبناء القبائل الصحراوية الذين كانوا يرفعون الأعلام المغربية أمام الثكنات، وهو ما جعل الأهالي يقررون مواصلة انتفاضتهم في وجه الجيش الإسباني، خصوصا وأن بعض وحدات الجيش سيطرت على منابع الآبار وحرمت القبائل من تلك الثروة الحيوية والوحيدة لاستمرارية الحياة في الصحراء.
تناقلت بعض وسائل الإعلام الدولية وقتها خبرا لم يحظ باهتمام دولي كبير، جراء ضغوطات «فرانكو» على الصحافة، ويتعلق بوفاة مصور صحافي أجنبي كان يوثق لتلك الانتفاضة، ويصور أبناء القبائل وهم يقفون على أبواب الثكنات الإسبانية تحت شمس حارقة، محتجين على الوجود الإسباني في المغرب. تمت لملمة الموضوع، وتشير قصاصة قديمة لوكالة الأنباء الفرنسية إلى الحادث، دون أن تذكر هوية ولا جنسية المصور، والأكثر من هذا أنها لم تحمل أي جهة مسؤولية مقتله وهو يقوم بعمله الصحافي.
بطبيعة الحال، لن يكون مقبولا أن يتم إلصاق مسؤولية الحادث بالمنتفضين الصحراويين على الأوضاع التي كانوا يعيشونها تحت رحمة الاستعمار الإسباني، حيث إن هذه القبائل لم تكن مسلحة، وآخر الحروب التي خاضتها ضد إسبانيا تعود إلى فترة الخمسينيات، وعندما تم إعلان الهدنة كان مقاومون أمثال القايد حمو وآخرين، من أوائل من انضبطوا للاتفاق المغربي الإسباني بوقف النار، في انتظار تدبير الملف سياسيا، لكن فرانكو بقي يماطل إلى أن جاءت سنة 1975 وعلى خلفية نتائج المسيرة الخضراء في 6 نونبر من تلك السنة، تم الإعلان عن الانسحاب النهائي من ثكنات عسكرية، قضى بها جيش فرانكو أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
كانت مرافعات المغرب في الأمم المتحدة خلال السبعينيات، والتي كان يقودها دبلوماسيون أمثال أحمد السنوسي والسفارة المغربية في واشنطن، خصوصا في الفترة التي قضاها عبد الهادي بوطالب هناك، وحاول خلالها التعريف بالقضية المغربية، مساهمة بشكل كبير في حل الملف لصالح المغرب بعيدا عن المواجهات.
وقد حرص الإسبان على التكتم على الخروقات الكبيرة لحقوق الإنسان التي مارسوها ضد القبائل في الصحراء، لكن قصة انتفاضة أكتوبر 1971 وجدت لها حيزا في مداخلات المغرب ومرافعاته أمام الأمم المتحدة في سنة 1973، للتذكير بممارسة الإسبان ضد المغاربة في الصحراء.

عندما استشار الملك المعارضة بخصوص المظاهرات
لم تكن 1971 سنة سهلة على المغرب والمغاربة، سنة بدأت في يناير بإغلاق المؤسسات التعليمية بجل مناطق المغرب، عرفت إضرابات تلاميذية وفي صفوف الأساتذة أيضا. كما أنها كانت سنة قاتمة بسبب حدث محاكمة مراكش، التي توبع فيها قدماء من المقاومة المغربية بتهم ثقيلة تهم المساس بالأمن الداخلي للمغرب. وبعض الذين حوكموا كانوا يعرفون قضية الصحراء المغربية جيدا، بل وغامروا بأرواحهم في المواجهات ضد الجيش الإسباني في الجنوب.
وفي يناير دائما، ذهب الجنرال أوفقير إلى الجزائر في مهمة رسمية تناول خلالها توصيات من الملك الحسن الثاني إلى هواري بومدين. وكشفت وثائق ويكيليس بعد أربعين سنة أو يزيد، عن سوء النية التي أضمرها الجزائريون للمغرب. أثناء استقبال رجل ثقة الملك الحسن الثاني، وتطمينه بخصوص حياد الجزائر بخصوص ملف الصحراء المغربية، كان الجزائريون في الحقيقة يحاولون استقطاب صحراويين مغاربة وتسليحهم للانفصال عن المغرب. وآباء هؤلاء الطلبة في الخارج، هم الذين قادوا انتفاضة أكتوبر ضد الإسبان.
وفي مارس أعاد المغرب فتح العلاقات مع سوريا، وهو ما يعني طي صفحة الخلافات مع دمشق، ومعها طي ملف تسليح المغاربة المعارضين وتدريبهم على يد خبراء في الجيش السوري على خوض حرب عصابات في المغرب ضد النظام.
أما في الصيف، فقد جاء انقلاب الصخيرات الذي غير الخريطة السياسية والأمنية في المغرب، حيث كانت تلك المحاولة الأولى الفعلية لزعزعة استقرار النظام، ولم تكن صادرة عن المعارضة وإنما عن الجيش.
المعارضة طالبت على إثر ذلك في الدخول السياسي لشتنبر بانتخابات تشريعية، تلتها إضرابات في قطاع الفلاحة على خلفية قرار توزيع للأراضي، وكانت الأجواء توحي بأزمة سياسية في الأفق، ومباشرة بعدها تدخل الملك الحسن الثاني ليجري تعديلات أخرجت البلاد من عنق الزجاجة، أهمها تعيين رجل الأعمال كريم العمراني وزيرا أول، وهو ما يعني إعطاء الأولوية للاقتصاد.
قطع المغرب أيضا علاقاته مع ليبيا، بسبب سوء العلاقات بين الملك الحسن الثاني والعقيد القذافي، الذي أعلن في أكثر من مناسبة أنه تمنى لو نجحت المحاولة الانقلابية ضد الملك.
في ظل كل هذه الأجواء المشحونة، جاءت انتفاضة الصحراويين في أكتوبر ضد الجيش الإسباني، وكانت بمثابة التنفيس الوحيد عن الأزمة التي عاشها مغاربة الجنوب في مواجهة الاحتلال الإسباني لبعض المناطق، التي لم يتم الانسحاب منها حسب اتفاق 1959، الذي وقع في فترة حكم الملك الراحل محمد الخامس.
وبما أن الأجواء لم تكن عادية في ذلك الوقت، فقد انفتح الملك الراحل الحسن الثاني على المعارضة في هذه القضية، أي انتفاضة الصحراء، واستقى آراء كل من عبد الرحيم بوعبيد، والوزير الأول الأسبق عبد الله إبراهيم.
وكانت تلك المرة الأولى التي يستشير فيها الملك الراحل الحسن الثاني مع المعارضة في ملف الصحراء، إذ إن تلك الانتفاضة جاءت في وقت كان فيه الملك الراحل يحاول عبر المسالك الدبلوماسية الوصول مع «فرانكو» إلى اتفاق للانسحاب من الصحراء، وإعلان السيادة المغربية الكاملة على أراضيه، حسب ما نصت عليه الاتفاقيات. لكن «فرانكو» بقي يماطل، منذ بداية السبعينيات ويؤخر عملية الانسحاب.
التقارير التي رفعت إلى الملك الراحل الحسن الثاني أكدت أن الانتفاضات كانت بسبب رغبة سكان القبائل الصحراوية إنهاء هيمنة الجيش الإسباني على طرق حيوية لتنقلاتهم في أماكن الرعي، بالإضافة إلى تطويق الثكنات للتجمعات السكانية.
تلك الانتفاضة مهدت لاحقا بشكل هادئ، لإجبار فرانكو على سلك طريقة دبلوماسية مع المغرب لدراسة الانسحاب، الذي لم يتم إلا قبل وفاة فرانكو بفترة قصيرة أواخر سنة 1975.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


8 + 2 =