حديث الشجن

حديث الشجن

موند بريس:الكاتب جواد دو الهمة

شاءت الأقدار أن ترمي به في دوار، في منطقة يطلق عليها اسم ما يشير للمكانة والغلاء ، توجه رففة أمه إلى “المقدم” حكى قصته لناس أخيار، شاع كرم الضيافة عن تلك القبيلة في كل الأمصار، شاركوه الحزن والعزاء، ولولا حاجته للراحة ما انفض اللقاء…
وفي الصباح الباكر قصد أهل الكرم بيت الضيف، بأشهى ما جادت به الأرض، وتجمهروا ينتظرون خروج “عمرو” ليتأكدوا أن ضيافتهم نالت حقها من يده أوعينه أو حتى لطمت ريحها أرنبة أنفه، يستيقظ عمرو الذي لم يكن نائما، فقد ربت فيه الأيام التي قضاها في قبيلته خصال المروءة والشجاعة والظفر بم يغفل عنه هواة الراحة والظل، فقد حرمت عينه من النوم ليس حزنا ولكن دراسة واستقراء للقادم المجهول..، يتوجه صوب الباب ويفتحه، يبادل التحية بأخرى والمصافحة بغيرها، تتهافت العطايا والمكرمات.،
وما أشد العطاء على يد ألفت أن تكون من تساند، ودأبت على الأكل من عرق الجبين…، لولا أن الأيام اختارت له أن يعيش هذا القدر البائس، الذي فطن له الزمن فربى فيه القدرة على احتمالها وتصريفها، تناول العطايا قالبا لا قلبا، رفع رأسه للسماء وأغمض عينيه دقيقة أو دقيقتين، ثم حنا رأسه مرة أخرى، وقصد بيت الضيافة حاملا معه ما انتقت يده من طعام…
قصد مضجع أمه بعد أن وضع الأكل في المائدة، نادها ثلاثا لم تستجب..، فكر في نفسه هنيهة لا يمكن يستحيل، مد يده مد المتردد لا الخائف، فجأة تقفز أمه و تجلس، وقبل أن يشاركها الإحساس أو يقص عليها آمارات الكرم والضيافة، قالت له: ” لقد رأيت أباك محمد في المنام وقد أشار علي أن لا نغادر هذه البلدة فخيرها الذي ظهر أقل من ينعها إذا أثمر”، قبل يد أمه دون كلام أمسك يدها وقصد مائدة الإفطار بعد أن عرج على المغسل، تناول مع أمه وجبة الفطور ثم ارتدى جلبابه وتأبط “أقربه” وخرج.
جمعت “المالحة” بقايا الطعام، وهبت لتغسل الأواني سرعان ما تداعت أصوات النسوة خارج البيت، فتحت الباب فإذا بهن تكنسن وتنظفن، وأسنتهن تغني حينا وتستنطق “المالحة” أحيان كثيرة، التي خطر ابنها في بالها وأصبحت بين همين، هم غائب هو كل ما تبقى لها في الدنيا، وهم حاضر تمثله نسوة البلدة.
وبينما الأم تصارع هما بهم، كان عمرو يظهر خبرته ومراسه لأهل البلدة أملا في عمل يحقق حلم الوالد ورغبة الأم، وهو ما تأتى له بفضل صيته الذي وصل السكان فور معرفة أصله ومصدر عزته وهمته .. كان في القرية رجل يدعى “الحسين” يملك الكثير من الأراضي لكن الله لم يرزقه أولادا ذكورا بل رزقه إناثا فقط، استدعى “عمرو” وعرض عليه العمل عنده فوافق ..
عاد مساء يحمل لأمه البشرى، فاستبشرت به خيرا، وحينئذ؛ بدا أن الحزن الذي يعقبُه الحزنُ وهو في بلدته، قد انقلب وصارت الأفراح لا تعرف سبيلا إلا سبيله، فبعد اشتغاله لسنوات عدة مع السيد “الحسين” عرض عليه تزويج إحدى بناته، وأعطاه حق الاختيار بين فاطمة وعائشة(ابنتيه البكرين)، ذهب ليشاور أمه فاختارت له عائشة، فسأل عن السبب خصوصا وأن قلبه مال لفاطمة، فأجابت: ” أما فاطمة فجميلة لكنها قليلة الصبر، وأما عائشة فجمالها ليس أقل من أختها لكن صبرها أعظم”، تنكر عمرو لقول أمه فقد كان شابا حينها ولعل كلمة ككلمة الصبر لم تكن لتغير رؤيته أو رغبته…
عاد لمأجوره وأخبره أنه موافق وقد اختار فاطمة، ُنشر الخبر إلا أن أهل الحي لم يصلهم اسم من أراد، كل ما يعرفونه أنه اختار ابنة من بنات “الحسين”، وبعد أسابيع أقيم العرس وزفت له عائشة بدل فاطمة، إنه القدر مرة أخرى يأبى له ما اختار، ويجمعه بما أراده الزمن … سر آخر ينكشف له ويخبئ له الكثير من الأسرار، خوفا من شيء يسمى “العار” في ذلك الزمن لم يفتح فمه تزوج بعائشة بل إنه لم يسمعها كلمة واحدة تخدش كرامتها وعزتها…
زواج جلب حظا طيبا، فرصة عمل خارج البلد، في ظروف جيدة وجهد أقل، ينبع وفاء الأم للحلم، ترفض أن تغادر حلم زوجها ورغبته، انصاع “عمرو” لأمر والدته، وأكمل حياته، أكملها هو واخذت من أمه، بكى متخفيا في وقت كان الدمع ممنوعا على الرجال بحق، هجاء مرّ في حق الإنسانية التي كانت مضغة أو أقل.
لم يعد له جذع يربطه بالحياة، تاه في عقله ليلا، وأظهر توازنه نهارا، بعد أن وجد في عائشة ما افتقده تكهنه في فاطمة، فصار زواجا يحمَد عليه ربه عقب كل وضوء قبل الصلاة. تبسمت الطبيعة في وجهه حصاد وفير، وثمار يانعة، كان حديث كل لسان، قصده الفلاحون ؛ استفسروا عن السر والطريقة، حكى لهم وأشار، فوجدوا جهدهم أكثر من جهده، وغنيمته أوفر من غنيمتهم، سر ما يقبع هناك ؟ إنه البر، إن التراب الذي أوصى به الأب، ووارى جسد الأم، لا يليق به سوى العطاء، ليس مواساة بل ردا للاعتبار ..
يغزو البياض المؤلم كل سواد في عمرو، وتؤول الأقدار إلى الفقد من جديد، شيء “روتيني” في حياته ألفه حتى صار ينسى وجعا بوجع، تموت “عائشة”، ويظلم الزمان قوة الشباب ويزرع الضعف في جسمه النحيل، غير أن الخالق بثلاثة أبناء، جعلوه يضحك، ويرى من تلاوين الحياة ثمن الهرب وثمرة البر..، فصار الأبناء منتسبين لبلد كان فيه أبوهم ضيفا فأصبح من هل البلدة يتشارك تاريخهم ويحفظ هيبتهم، هو التاريخ نفسه الذي مازال حلما لم ينته أو يضمحل في نفس عمرو، الذي حاد الزمن بأبنائه خارجه، وأخذوه كرها وحبا، كره نما في صدره حول فكرة الهجرة، وحب لم يكن قادرا على شد أبنائه بالأرض، رغم رفضه كما رفضت أمه، ذكرى كان مراده أن تتحقق فيهم فمني المراد بالخذلان، فصارت العودة للبلد همه الشاغل وشمسه التي لا تغيب.
ويحكى أن الابتسامة لا تغادره، لكن قلبه يضحك من الوجع، وجع العجز والشيخوخة، ووجع الخيبة التي نالته ولم تنل أحدا بسببه سابقا، صَعب هو وجع الانتماء والأصعبُ هو الوعي بصعوبته، في ظل بطل لا يقهر يدعى الزمن…

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


3 + 3 =