تقرير خاص بالندوة عن بعد حول اللاتمركز الإداري وسؤال العلاقة بين المعين والمنتخب

موند بريس

استمرارا لسلسلة الندوات العلمية الأسبوعية المنظمة خلال شهر رمضان الفضيل بمبادرة من المنصة العلمية Marocdroit، نظم ماستر الإدارة، حقوق الإنسان والديمقراطية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، وماستر التدبير السياسي والإداري بالكلية متعددة التخصصات بالناظور، ومنتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية والمركز الدولي للدراسات والبحث العلمي متعدد التخصصات، يومه السبت 24 أبريل 2021 ابتداء من الساعة التاسعة مساء، ندوة علمية عن بعد حول موضوع : “اللاتمركز الإداري، وسؤال العلاقة بين المعين والمنتخب”، بمشاركة السادة:
– ذ. محمد المنصوري: مسير الندوة،دكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس بالرباط.
– ذ. أحمد حضراني: أستاذ التعليم العالي، جامعة المولى إسماعيل بمكناس.
– ذ. الحسين العبادي: مستشار برلماني، ورئيس مجلس عمالة فاس.
– ذ. رشيد كديرة: أستاذ التعليم العالي، جامعة ابن زهر بأكادير، منسق ماستر الإدارة، حقوق الإنسان والديمقراطية.
– ذ. عبد الحي الغربة: باحث في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

وقد افتتح الأستاذ محمد المنصوري، مسير الندوة، هذه الأمسية العلمية بكلمة ترحيبية شَكَرَ من خلالها الأساتذة المتدخلين على تلبية دعوة المشاركة في أشغال هذه الندوة، إلى جانب المتتبعات والمتتبعين عبر المنصات والصفحات الإلكترونية التي واكبت النقل المباشر لأشغال هذه الأمسية، وذكر في الوقت ذاته بموضوع هذا اللقاء العلمي المتعلق باللاتمركز الإداري وسؤال العلاقة بين المعين والمنتخب، باعتبار ورش اللاتمركز الإداري من الخيارات الإستراتيجية لبلادنا والتي تم التأسيس له من خلال مضامين دستور المملكة لسنة 2011، وكذا التوجيهات الملكية الرامية لمواكبة الدينامية الجديدة التي تعرفها بلادنا وخصوصا المرتبطة بتنزيل ورش الجهوية المتقدمة، كما أشار الأستاذ محمد المنصوري في معرض كلمته الافتتاحية إلى كون نظام اللاتمركز الإداري يسعى إلى تجاوز تمركز الاختصاص والسلط التقريرية على مستوى الإدارات المركزية لفائدة المصالح اللاممركزة لخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولتحقيق هذه الغاية المهمة أصدرت الحكومة مرسوما رقم 2.17.618 مؤرخا في 26 دجنبر 2018 بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري، منحت من خلاله صلاحيات واسعة لرجال السلطة (الولاة والعمال) من خلال إشرافهم كممثلين للسلطة المركزية على المصالح اللاممركزة تحت سلطة الوزراء المعنيين لضمان الالتقائية والتجانس أثناء تنفيذ السياسات العمومية.

وفي مستهل كلمته الموسومة بعنوان “التأطير الدستوري لميثاق اللاتمركز الإداري وأهدافه”، استحضر الأستاذ أحمد حضراني بداية حدثين مهمين تمثلا في اللقاءات والأوراش الجهوية التشاورية الخاصة بتعديل القانون 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي والتي تميزت أشغالها آنذاك بإشراك الأكاديميين كمقررين محايدين إلى جانب كل من المعينين والمنتخبين كفاعلين أساسيين في هذا الموضوع، إضافة إلى مسألة اعتماد الدستور الجديد على مبدأ الحكامة الجيدة كتتويج للتسويق الإعلامي والأكاديمي، وكلا الحدثين السابقين يعكسان بشكل كبير مدى اهتمام وتأثر الفاعل السياسي في الوقت الراهن بالبحث العلمي الجامعي، خلافا للقاعدة التي كانت سائدة والتي تنقص من قيمة المثقف في علاقته بالسياسي وتعتمد على توجه يربط البحث العملي عموما بالحدث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأشار الأستاذ أحمد حضراني كذلك إلى أن أكثر ما يعاب على مرسوم الميثاق الوطني للاتمركز الإداري كمرجع للاتمركز الإداري لمصالح الدولة، عدم اعتماده على الآليات التشاورية والتشاركية وهو ما تجلى بشكل واضح في إغفاله للمجتمع المدني، كما تطرق في نفس السياق لوصف شكلي دقيق لمضامين للمرسوم السالف الذكر وسياق وحيثيات صدوره، بالإضافة إلى ذكر أهم مرتكزاته المتمثلة أساسا في الجهة باعتبارها الفضاء الملائم لبلورة السياسة الوطنية للاتمركز الإداري، إلى جانب الدور المحوري لوالي الجهة في تنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة. قبل أن يستعرض بشكل مختصر أهم مبادئ اللاتمركز الإداري التي تستمدها أساسها من مضامين دستور 2011، والتي يمكن تلخيصها في مبدأ الإنصاف في تغطية التراب الوطنية من خلال ضمان التوزيع المتكافئ لمصالح الدولة اللاممركزة، والتفريع في توزيع المهام وتحديد الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمصالح اللاممركز التابعة لها، وتخويل الجهة مكانة الصدارة في التنظيم الإداري الترابي وجعلها المستوى البيني في تنظيم العلاقة بين المستوى المركزي وباقي المستويات الترابية، وتكريس الدور المحوري لوالي الجهة في تنسيق عمل المصالح اللاممركزة للدولة والسهر على حسن سيرها ومراقبتها، واقتران نقل الاختصاصات إلى المصالح اللاممركزة بتخصيص موارد مالية وبشرية لتمكينها من الاضطلاع بالمهام والصلاحيات المخولة لها، والكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص في إسناد مسؤولية تدبير المصالح اللاممركزة، وتقريب الخدمات العمومية من المرتفقين والارتقاء بها وضمان جودتها واستمرارية تقديمها، أما فيما يتعلق بالأهداف فقد نصت المادة السابعة من ميثاق اللاتمركز الإداري على مجموعة من الأهداف من بينها التوطين الترابي للسياسات العمومية، وضمان التقائية السياسات العمومية وتجانسها وتكاملها وتحقيق التعاضد في وسائل تنفيذها، وإرساء دعائم راسخة ودائمة لتعزيز التكامل في الوظائف والمهام بين المصالح اللاممركزة للدولة والهيئات اللامركزية، وغيرها من الأهداف التي تصبو إلى الارتقاء بأداء مصالح الدولة اللاممركزة.

وفي مداخلته المعنونة ب”جدلية المعين والمنتخب في ظل اللاتمركز الإداري”، تحدث الأستاذ الحسين العبادي عن علاقة المعين بالمنتخب في المجال الترابي المحلي في مرحلة ما بعد صدور دستور 2011، من خلال الإشارة إلى أهم المقتضيات الجديدة التي تهم الجماعات الترابية كمبدأ التدبير الحر والتعاون والتفريع، والتي توحي ظاهريا بكون القرار المحلي أصبح بيد المجالس المنتخبة بعيدا عن كل أشكال الوصاية. وهو ما حاولت تأكيده القوانين التنظيمية بعد صدور سنة 2015 التي وسعت من مجالات تدخل الجماعات الترابية ومن هامش اشتغال المنتخب بالرغم من الرقابة الإدارية التي تنهجها السلطات المعينة على المجالس المنتخبة، وهذه الرقابة خاصة القبلية منها المتعلقة بالخصوص بآلية التأشير وتبليغ القرارات والمقررات وجداول أعمال الدورات وإمكانية تعرض السلطات المعينة على أعمال هذه المجالس، أدت كلها إلى إفراغ المبادئ الدستورية خاصة التدبير الحر والتفريع من حمولتها ومن محتواها بسبب تعارضها مع مبدأ استقلالية المجالس المنتخبة في الاشتغال والتداول واتخاذ القرار، الشيء الذي يؤثر سلبا على عمل وأداء الجماعات الترابية ويزكي عمليا استئثار السلطة المعينة باتخاذ القرار المحلي. وبالتالي ظهرت الحاجة الملحة إلى إجراء تعديلات لمضامين هذه القوانين التنظيمية لتعزيز الديمقراطية المحلية واستقلالية المنتخب في ممارسة مهامها، مع الإبقاء على المراقبة البعدية في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتجويد عمل المجالس المنتخبة.

كما تناول الأستاذ رشيد كديرة في مداخلة تحت عنوان “سؤال الديمقراطية بين القرار التنظيمي للاتركيز وقانون اللامركزية”، موضوع الإنتاج القانوني للدولة من خلال مقاربة مغايرة بعيدا عن النص والنقاش القانوني، اعتبارا لكون هذا الأخير مجرد إعادة إنتاج لسلطة وقرارية الدولة وتصورها للمجال الترابي، وهو ما عكسه جليا مرسوم اللاتمركز الإداري الذي جاء بالأساس ليخدم مصلحة الدولة على حساب الأجهزة المنتخبة، وهذا ما يحيل على سؤال الديمقراطية وسؤال التعاقد الدستوري. فالنقاش اليوم ينبني على إشكالية توغل وتعمق نموذج الدولة الإدارية كمفهوم يرجع ظهوره لبداية القرن العشرين بعد انحراف مبدأ فصل السلط الذي شكل مبدأ أساسيا مميزا للدولة الدستورية المبنية على تصور مثالي يعتمد على التعاقد المرتكز على حكم شخص معنوي يحظى بالإرادة العامة، وبالتالي أضحت جميع السلط وفق هذا النموذج مجتمعة بيد الإدارة (السلطة التنفيذية) كعقل بيروقراطي لا يقبل مشاركة الغير. وهذا الصراع انتهى بتحول ديمقراطي تمثل في سيطرة وهيمنة الدولة الإدارية على الدولة التعاقدية الدستورية، من خلال إنتاج قوانين تتم ترجمتها واقعيا على شكل قرارات ينفذها الجهاز البيروقراطي، كما أضاف الأستاذ رشيد كديرة أن هذا التحول شبيه بما نعيشه اليوم باعتبار ميثاق اللاتمركز المستمد من نظيره الفرنسي، جاء كتصور منفرد للدولة وتجسد في تقنيات قانونية تعبر عن الإرادة الأحادية الدولة، وتضع بموجبه كل السلط بيد الوالي باعتباره ممثلا للدولة هدفه ترسيخ الإدارة التنفيذية، وهو تصور قاصر عن فهم الديمقراطية كمفهوم مثالي لأن النظام القانوني في أصله هو نتاج نظام سياسي قائم على هوية المسيطر والمسيطر عليه، وبالتالي يمكن القول أن مرسوم اللاتركيز يزكي لمفهوم الدولة الإدارية التي تتحكم في النظرية القرارية وفي صنع القرار على المستويين الوطني والترابي كآلية لتصريف قوة الدولة وفق نموذج وصائي لا يسمح بمزيد من الديمقراطية والاستقلالية في القرار، وهذا ما يؤكد كذلك أن هذا المرسوم ما هو إلا تعبير وتجسيد للإرادة الفردية الأحادية للحكومة في غياب إشراك ممثلي الإرادة العامة، ويزكي هيمنة الدولة الإدارية التي تتجلى في سلطة تنفيذية مركزية وترابية متحكمة بعيدا عن المقاربة التشاركية وعن الحياد القيمي للقانون.

وتطرق الأستاذ عبد الحي الغربة في مداخلة تحت عنوان “الثابت والمتغير في علاقة المعين بالمنتخب في ضوء القواعد المعيارية والتنظيمية”، لتنظيم العلاقة بين المعين والمنتخب التي أسست لها مضامين دستور 2011 بتوسيعها لصلاحيات الجماعات الترابية من خلال سن مجموعة من المبادئ كالتدبير الحر والتفريع، بموازاة مع ترسيخ واضح للوظيفة الرقابية للسلطة المعينة. وخلافا لهذه المبادئ الدستورية الجديدة، كانت النصوص الدستورية السابقة قد أكدت على نمط التدبير الديمقراطي لهذه الجماعات الترابية ولم تنص على المبادئ التي تحكم العلاقة بين المعين والمنتخب، وهو ما يبرز آنذاك عدم تكافؤ وضعية كل من المجالس المنتخبة والسلطات المحلية وعدم تحديد مجال تدبير الاختصاصات فيا بينها، الشيء الذي كرس بشكل كبير لإشكالية تداخل وغموض الاختصاصات وغياب معالم استقلالية الجماعات المحلية وتحديد وظيفتها داخل الدولة، كل هذه الأمور ساهمت في ترك المجال للتدخل الواسع للسلطات المعينة اعتمادا على مضامين النصوص التنظيمية. وهذا ما حاول أن يتداركه دستور 2011، الذي عمل بالرغم من سياقه الحساس على وضع حد لغموض النصوص المرجعية وتحديد معالم العلاقة بين المعين والمنتخب وترسيخ القواعد والمعايير المؤسسة لهذه العلاقة وفق مقاربة تشاركية غايتها النهوض بالتنمية. وأضاف الأستاذ عبد الحي الغربة أن ملامح علاقة جديدة بين المعين والمنتخب بدأت تبرز مع صدور القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، التي شكلت تحولا جذريا في تأطير هذه العلاقة، من خلال تكريسها لاستقلالية الوحدات الترابية في أدائها لوظائفها ومهامها في إطار المراقبة الإدارية عوض النظام الضبطي المتمثل في الوصاية المتشددة، وأصبحت هذه الرقابة ترتبط بآلية التأشير كرقابة قبلية بعيدا عن آلية المصادقة المعتمدة سابقا.
وقد خرج اللقاء بمجموعة من التوصيات التي أدلى بها الأساتذة المتدخلون، انصبت كلها على دعم وتعزيز ورش ومسلسل اللاتمركز الإداري في أفق الرقي بأداء وفعالية المصالح اللاممركزة للدولة، وتتعلق ب:
– تأهيل العنصر البشري كركيزة أساسية لإنجاح ورش اللاتمركز الإداري.
– إشراك الجماعات كوحدات ترابية قاعدية في ورش اللاتمركز الإداري.
– إشراك المجتمع المدني في ورش اللاتمركز الإداري وتفعيل آلية العرائض كآلية تشاركية وتشاورية مهمة وفعالة.
– تدارك إشكالية إغفال المنتخب داخل الأجهزة والهياكل المتعلقة باللاتمركز الإداري.
– تعديل القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية لتحقيق مزيدا من الديمقراطية المحلية.
– الاعتماد على الرقابة الإدارية البعدية كآلية لتتبع عمل المجالس المنتخبة في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
– ضرورة إلغاء المراقبة الإدارية القبلية لأعمال المجالس المنتخبة وترك المجال للقضاء كجهاز رقابي مستقل للفصل في مشروعية هذه الأعمال.

و لقي هذا اللقاء العلمي، الذي دام حوالي ساعتين ونصف الساعة، تفاعلا واستحسانا كبيرين من طرف المتتبعات والمتتبعين الحاضرين بشكل مكثف طيلة أطوار الندوة، اتضح من خلال حجم الأسئلة ذات الصلة بالموضوع المطروحة والتي تكلف الأساتذة المشاركين في أشغال الندوة بالإجابة عنها، واختتم هذا اللقاء على الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا، في انتظار تحديد موعد لندوة علمية ثالثة خلال الأيام المقبلة استمرارا للأنشطة العلمية المزمع تنظيمها خلال هذا الشهر الفضيل.

إدريس أرامي
طالب بسلك ماستر الإدارة، حقوق الإنسان والديمقراطية
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة ابن زهر أكادير

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


81 + = 89