تفصيل وتوسيع مجال الحقوق والحريات في دستور 2011

موند بريس  : بقلم د.يونس صبار

باحث في القانون العام والعلوم السياسية
أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية – عين الشق- الدار البيضاء

تضمن دستور 2011 العديد من الحقوق والمبادئ الجديدة المرتبطة بالحقوق والحريات والتي من شأنها ضمان ممارستها ، حيث توزعت المقتضيات المتعلقة بحقوق الموطنين على مختلف أبواب الدستور ، بدء من مقدمته وبابه الأول المخصص للأحكام العامة ، إلى باقي فصوله المتفرقة التي لها أبعاد أساسية ، وبصفة غير مباشرة ، في مجال حماية حقوق وحريات المواطنين (من قبيل الفصل 133) ، في حين أفرد لها الدستور الجديد بابه الثاني ، وعنونه ب “الحريات والحقوق الأساسية”.
فالتصدير حسم إشكالية القيمة القانونية للديباجة – على مستوى النص على الأقل – حيث أصبحت تشكل جزء لا يتجزأ من الدستور.
أما الباب الأول ، فقد نص على أن الأمازيغية تعد لغة رسمية للدولة ، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء ، وأن مراحل تفعيل الطابع الرسمي لها تحدد بقانون تنظيمي (الفصل 5).
وتؤسس الأحزاب السياسية وتمارس أنشطها بحرية ، في نطاق احترام القانون والدستور ، ولا يجوز تأسيسها على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي ، وبصفة عامة ، على أي أساس من التمييز أو المخالفة للحقوق الإنسان ، كما لا يجوز أن يكون الهدف من تأسيسها المساس بالدين الإسلامي ، أو بالنظام الملكي ، أو المبادئ الدستورية ، أو الأسس الديمقراطية ، أو الوحدة الوطنية أو الترابية للملكة ، وتحدد القواعد التي تحكم نظام الأحزاب السياسية بقانون تنظيمي (الفصل 7) من الدستور.
ويتم تأسيس المنظمات النقابية وممارستها لأنشطتها في نطاق احترام الدستور والقانون ، كما يجب أن تكون هياكلها وتسييرها مطابقة للمبادئ الديمقراطية ، ويحدد القانون ، بصفة خاصة ، القواعد المتعلقة بتأسيس المنظمات النقابية وأنشطتها … (الفصل 8) من الدستور.
أما تأسيس الجمعيات ، فقد تناوله الفصل 12 إلى جانب المنظمات غير الحكومية ، ونص على حرية تأسيسها وممارستها لأنشطتها ، في نطاق احترام الدستور والقانون ، وأكد أن تنظيمها وتسييرها يجب أن يكون مطابقا للمبادئ الديمقراطية.
غير أن أهم مقتضى جاء به الدستور 2011 ، في شأن حق تأسيس التنظيمات النقابية (الفصل 9) وكذا الجمعيات والمنظمات غير الحكومية (الفصل 12) ، أو توقيفها من لدن السلطات العمومية ، إلا بمقتضى مقرر قضائي.
إضافة إلى ذلك ، أقر الدستور الجديد مجموعة من الحقوق المهمة التي تم التنصيص عليها لأول مرة ، حيث أعطى للمواطنين والمواطنات إمكانية تقديم اقتراحات في مجال التشريع (الفصل 14) والحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية (الفصل 15). غير أن شروط وكيفيات ممارسة هذين الحقين يحدها قانون تنظيمي يصدر في هذا الشأن.
أما الباب الثاني ، فقد خصص لسرد مختلف الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئة وحمل عنوان “الحريات والحقوق الأساسية” ، فأقر تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة ، بالحقوق والحريات الواردة فيه وفي غيره من أبواب الدستور الجديد ،وكذا في الاتفاقيات الدولية ، كما صادق عليها المغرب ، وذلك في نطاق أحكام الدستور وتوابث المملكة وقوانينها (الفصل 19).
وتضمن هذا الباب تعزيزا للحقوق المدنية ، عبر التأكيد أن الحق في الحياة هو أول الحقوق وأن القانون يحمي هذا الحق (الفصل 20). وأن لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه ، وحماية ممتلكاته ، وأن السلطات تضمن سلامة السكان ، وسلامة التراب الوطني ، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع ، (الفصل 21). كما لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص ، في أي ظرف ، ومن قبل أي جهة كانت ، خاصة أو عامة… (الفصل 22). كما اعتبر أن الاعتقال التعسفي أو السري أو الاختفاء القسري 10 من أخطر الجرائم … وأن القانون يعاقب عليها وعلى جريمة الإبادة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم الحرب ، وكافة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الانسان (الفصل 23).
هذا إلى جانب أن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة ، وأن سرية الاتصالات ، كيفما كان شكلها ، لا تنهتك ، ولا يمكن الترخيص بإطلاع على مضمونها أو نشرها ، كلا أو بعضا ، أو باستعمالها ضد أي كان ، إلا بأمر قضائي ، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون ، كما تم التأكيد على أن حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه ، والخروج منه ، والعودة إليه مضمونة للجميع وفق القانون (الفصل 24).
وإلى جانب حرية الفكر والرأي والتمييز ، والتي سبق وأن كفلتها الدساتير السابقة ، أضاف دستور 2011 ضمان حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني (الفصل 25). كما أقر للمواطنين حق الحصول على المعلومات ، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية ، والمؤسسات المنتخبة ، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام ، ولا يمكن تقييد هذا الحق إلا بمقتضى القانون ، بهدف حماية كل ما يتعلق باندفاع الوطني ، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي ، والحياة الخاصة للأفراد ، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور ، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة (الفصل 27).
كما ضمن الدستور الجديد حرية الصحافة التي لا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية ، وللجميع الحق في التعبير ، ونشر الأفكار والآراء بكل حرية ، ومن غير أي قيد عدا ما ينص عليه القانون صراحة ، وتشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة ، بكيفية مستقلة ، وعلى أسس ديمقراطية ، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به (الفصل 28). كما ن حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي ، وتأسيس الجمعيات ، والانتماء النقابي والسياسي مضمونة ، وتحدد شروطها وكيفيات ممارستها بقانون (الفصل 29).
ومن أهم مقتضيات دستور 2011 هو تمكينه من تمتع الأجانب من الحريات الأساسية المعترف بها للموطنين والمواطنات المغاربة ، وفق القانون (الفصل 30). ويعتبر ذلك طفرة نوعية هامة ، بعد أن تمت لأول مرة في تاريخ المغرب دسترة هذه الحقوق ، وهو ما ساهم في بلورة إطار جديد ، سيمكن الأجنبي من التمتع بالحريات الأساسية ، مثله في ذلك مثل المواطنين المغاربة ووفق ما يسمح به القانون .
وأقر الدستور الجيد كذلك ، إلى جانب حرية المبادرة التي سبق وأن أضافها دستور 1996 حرية المقاولة والتنافس الحر (الفصل 35 ).
على أن السلطات العمومية ستعمل على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنين والمواطنات ، والمساواة بينهم ، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية (الفقرة 2 من الفصل 6).
وإذا كان الفصل 175 قد تضمن مقتضى هاما ، هو أن أي مراجعة دستورية لا يمكنها أن تتناول المكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور ، فإن ممارسة هذه الحقوق والحريات ، تفرض على جميع المواطنين احترام الدستور والقانون وممارستها بروح المسؤولية والمواطنة المسئولة ، والتي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات (الفصل 37).
هذه أهم مضامين الحقوق والحريات وضماناتها التي أعلن عنها دستور 2011 ، والتي توسعت وتم تفصيلها مقارنة بسابقيه من الدساتير ، بشكل جعل أحد الباحثين يصفه بدستور الحقوق والحريات ، بالنظر إلى المكانة المهمة والحيز الكبير الذي احتلته حقوق الإنسان في ثنايا هذا الدستور

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


+ 53 = 54