النهضة الأوربية ودور العلم العربي(ابن رشد:نجاح عندهم وفشل عندنا)

 

موند بريس : بقلم الدكتور مصطفى جفال
أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية
والإقتصادية والإجتماعية – الدار البيضاء

يمتد العهد الوسيط من سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية (عام 476 م) إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية وبيزنطة (1433م) أي منذ سيطرة نظام اجتماعي خاص حل محل نظام الرق وهو النظام الإقطاعي “أو الإقطاعية” حتى بداية ظهور الأشكال الأولى للمجتمع الرأسمالي.
وسقط كل شيء خلال هذه العصور في أيدي الكنيسة التي كانت معتقداتها الجامدة تشكل أساس كل الآراء عن الطبيعة والعالم والإنسان. فسيطر اللاهوت على كل فروع المعرفة.
وهكذا ظلت الفلسفة لعدد من القرون خادمة للاهوت على يد أباء الكنيسة وأبرزهم القديس أوغسطين (430-354) الذي أدخل الأفلاطونية الجديدة في نسق المذاهب الفلسفية المسيحية.
ولنظرية أوغسطين الهامة للعالم طابع إيماني واضح المعالم يقوم على أساس مبدأ يقول “حيث لا يوجد إيمان لا توجد حقيقية ” ووفقا لهذا التصور كانت المعرفة مرتبطة بالإيمان وكل العلوم الدنيوية تخضع للعلم المقدس أو اللاهوت.
وكانت عبارة أوغسطين الشهيرة ” أؤمن لأتعقل ” تعني إعطاء الأولوية للإيمان وللاهوت في مجال المعرفة.
وطور في كتبه “مدينة الله ” المفهوم المسيحي لتاريخ العالم ، الذي كان يفهمه فهما فوريا باعتباره مقدرا تقدير منسقا من الله. وقد وضع “مدينة الله” مقابل الأرض أي دولة الدنيوية “الخاطئة”.
وكان من شأن هذا التصور عرقلة أي ازدهار للفكر الفلسفي العقلاني.
واستمر الوضع حتى منتصف القرن الثاني عشر ، تاريخ ترجمة مؤلفات أرسطو وابن رشد ، وما رافق ذلك من تطور للمدارس العلمانية الدينية وقيام الجامعات في إيطاليا وفرنسا وانكلترا ، حيث بدأ الفلاسفة بوضع تفسيرات فلسفية للمعتقدات الدينية الجامدة.
فنشأت الفلسفة المدرسية “السكولاستية « scolastique « التي أصبح أتباعها شراحا لأرسطو ومدافعين عنه ، وحاولوا تكييف الأفكار الأرسطية مع المفاهيم الدينية والفلسفية واكتفوا بما أتى به أرسطو ، ورفضوا كل بحث عن الجديد في العلم.
وكان أبرز المدافعين عن النزعة المدرسية في القرن الثالث عشر القديس “ألبرت الأكبر” و”القديس توما الاكويني”. إلا أن مجموعة من العوامل الداخلية كتطور المدن والحرف والتجارة من جهة ، والخارجية وخاصة الاتصال بالحضارة العربية الإسلامية ومن خلالها بالفكر الأرسطي ،أدت إلى نهوض الفلسفة.
وهكذا ظهرت في القرن الثالث حركة قوية مناهضة للمدرسية أترثها تعاليم أبن رشد ، وقد تطورت هذه الأفكار بشجاعة خاصة في جامعة باريس على يد “سيجر دوبرابانت” من أبرز المناضلين ضد المدرسية.
وفي وجه هذا التطور نفذ المدرسيون المنتمون لطائفتي” الدومنيكان “و”الفرنسيسكان” مشروع “البابا غريغوارالتاسع “لتصحيح تعاليم أرسطو لتلائم الأيديولوجية الكاثوليكية حيث اضطرت الكنيسة إلى الاعتراف بالأرسطية أساسا فلسفيا بعد أن كانت قد قابلتها بالعداء.
لقد تضافرت عوامل متعددة أدت إلى الانتقال بأوربا من أسلوب التفكير السائد في العصور الوسطى إلى أسلوب التفكير العلمي الحديث. بعض هذه العوامل كان داخليا ، يتعلق ببناء المجتمع الأوربي ذاته ، وبعضها كان خارجيا ، وخاصة والتأثير الإيجابي الذي مارسته الحضارة العربية الإسلامية والفكر الإغريقي ، خاصة الأرسطي على العقل الأوربي.
دور العلم العربي في التمهيد للنهضة
الغرب الوسيطي مدين إلى حد كبير في ازدهاره العلمي لروافد العلم العربي ، وامتد إسهام العرب في نمو الفكر الفلسفي ليطال معظم فروع العلم (الرياضيات ، علم الفلك ، الطب ، والكيمياء الخ…) بحيث كان هذا الإسهام حاسما في أصل حركة النهضة العلمية في الغرب ، سواء باعتبارهم نقلة العلم القديم والإغريقي ، أو بوصفهم رواد علوم جديدة وتقنيات وإبداعات باهرة.
فمنذ القرن الثالث عشر الذي يعتبر نقطة التحول من العصور الوسطى المظلمة إلى الملحة الممهدة لظهور عصر النهضة والتي شكلت البداية الحقيقية للنهضة الأوربية ، أخذت المؤلفات العربية الكبرى تترجم على نطاق واسع للغة اللاثينية ، لا بل أن المؤلفات الإغريقية الأساسية وخاصة مؤلفات أرسطو قد ترجمت للاثينية عن ترجمات عربية ، كما أن الجامعات ومعاهد العلم الأوربية القريبة جغرافيا من مراكز الثقافة العربية في جنوب إيطاليا وصقلية وفرنسا وإسبانيا كانت مراكز الإشعاع الأولى للنهضة الأوربية.
وهذا الاتصال مع الحضارة العربية لم يقتصر على هذا الجانب ، فقد شكلت الحروب الصليبية حلقة اتصال أخرى مع الحضارة العربية الإسلامية ، ستساهم بدورها في خلخلة أركان النظام الإقطاعي الذي كان سائدا في أوربا وفي نشر المعرفة.
ولكن قبل أن نرى ذلك سنحاول الإشارة بشكل مقتضب للنقاش الذي دار في مراحل سابقة حول دور العلم العربي في التمهيد للنهضة الأوربية.
مدى الإسهام العربي
ثار نقاش طويل في أوساط المفكرين الأوربيين حول دور العلم العربي في التمهيد لعصور النهضة الأوربية وحول تحديد تاريخ بدء التأثير العربي على الفكر المسيحي في العصر الوسيط وعما إذا كانت الترجمات عن اليونانية للفكر الإغريقي مباشرة قد سبقت الترجمات عن العربية.
فقد ذهب العديد من المفكرين الغربيين للقول بأن دور العرب لم يكن أكثر من مجرد تمهيد الطريق وتذكير الغرب بوجود الفكر الإغريقي ، وأنهم لم يكونوا إلا جسرا عبر عليه العلم اليوناني لأوربا.
وعلى العكس من ذلك أكد مفكرون آخرون ومنذ وقت مبكر أن العرب كانوا هم أساسا الذين كشفوا النقاب للغربيين عن العلم والفلسفة القديمين ، وأن الترجمة عن العربية لأعمال أرسطو ، سبقت عموما الترجمة عن اليونانية وبأن العرب قد أضافوا الكثير للفكر البشري ، خاصة وأن مفكريهم – أصحاب عقيدة ، حاول قسم منهم وخاصة ابن رشد التوفيق بين البناء الفلسفي والدين الإسلامي ، وهو توفيق يصلح للمسحيين كذلك ، خلافا للفكر الوثني للإغريق.
فصورة العلم في العصور الوسطى إسلاميا ، كانت مختلفة عن صورة الركود والجمود الأوربي كل الاختلاف. ففي العالم الإسلامي كانت هناك حضارة فتية متفتحة ونشطة تأثرت وأثرت في الحضارة والفكر البشريين.
وكان التقدم الذي عرفته العربية الإسلامية في عصر ازدهارها مثالا رائعا من أمثلة التفاعل الخصيب بين الحضارات فعرف المسلمون علوم اليونان والفرس والهنود ، ولم يترددوا في استخدام كل الذخيرة الضخمة من المعلومات العلمية التي كدستها البشرية حتى ذلك الحين ، ولكنهم أضافوا الكثير إلى العلوم التي ورثوها عن الحضارات السابقة عليهم.
وأعظم ما أسهم به العلم العربي –الإسلامي في عصر ازدهاره ، هو أنه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدا لم يعرفه اليونانيون ، وهو استخدام العلم من أجل الكشف عن أسرار العالم الطبيعي وتمكين الإنسان من السيطرة على الطبيعة.
فقد عرف اليونانيون الرياضيات وتفوقوا فيها ، ولكنهم لم يعرفوا كيف يستخدمونها لحل المشكلات الواقعية التي تواجه الإنسان وفي مقابل ذلك كان المسلمون بارعين في استخدام الأرقام ووضع أسس علم الحساب الذي يمكن تطبيقه في حياة الناس اليومية.
وكان اختراعهم للجبر وتفوقهم في الهندسة التحليلية وابتكارهم لحساب المثلثات ، إيذانا بعقد جديد تستخدم فيه الرياضيات للتعبير عن قوانين العلم الطبيعي وتطبيق لمبادئها من أجل حل مشكلات المساحة الأرضية وحساب المواقيت وصناعة الأجهزة الآلية.
وكذلك كانت كشوفهم الفلكية مرشدا هاما للملاحين والجغرافيين ، وساعدت على فهم أفضل للعالم الذي نعيش فيه. أما بحوثهم الطبيعية والصيدلانية فقد بلغت مستوى متقدما.
كما كان للعلم الإسلامي انجازات هامة ، خاصة في مجال المنهج التجريبي ، بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة ، وتسجيل منظم لهذه الملاحظات ، ثم وضع الفروض لتفسيرها وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض.
وتمثلت أبرز النتائج المباشرة للصدمة التي أحدثها العلم العربي للفكر المسيحي فيما يلي :
*حلول الفكرة القائلة بعدم جواز الاعتقاد في شيء قبل فهمه ، بما في ذلك الكنيسة وتعاليمها ، مكان المفاهيم السابقة التي كانت تأخذ العلوم على علاقتها وشعائرهم في ذلك “اعتقد لأ فهم”.
*السعي لملائمة الكنوز المعرفية الجديدة مع الدين المسيحي ، والأخذ منها بما يخدم هذا الدين.
*قبول إمكانية وجود حقيقيتين متعارضتين وسليمتين في الوقت نفسه ، تقول بأحدهما الكنيسة ، وتبرهن الفلسفة على صحة الأخرى.
إن انتقال الثقافة العربية إلى غرب أوربا يقدم دليلا واضحا على قوة هذه الثقافة وفعاليتها. وقد بدأ اتصال غرب أوربا بالعرب عن طريق اسبانيا وجزر ومدن البحر التوسط ، ثم عن طريق الحروب الصليبية.
فقد بقي العرب في اسبانيا مدة تقرب ثمانمائة عام. كما أنهم بقوا في صقلية قرابة مائة وثلاثين عاما.
فكان هذان الإقليمان بمثابة النوافذ التي أطل منها الغرب على حضارة العرب.
وفي القرن الحادي عشر بدأت معاقل العرب تتساقط في أيدي الفرنجة ، فاستطاع هؤلاء أن يستولوا على مركز ضخم من مراكز الفكر العربي ، هو مدينة طليطلة (عام 1085).
حركة الترجمة :
أ-طليطلة :
تعتبر طليطلة أول مركز تمت فيه ترجمة مؤلفات أرسطو وشروحها وكذا مؤلفات أرسطو كاملة وكذا مؤلفات ابن رشد وغيرها من كتب الفلاسفة اليونان والعرب ، وقد حافظت هذه المدينة على الطابع العربي، إذ استقر العرب فيها طويلا. ويمكن القول أن وقوف العرب لأول مرة على مؤلفات أرسطو كاملة وكذا مؤلفات شارحة ومطوره ابن رشد يرجع في الحقيقة إلى مشروع جماعي ضخم للترجمة كانت طليطلة مركزه. وكان أسقفها المستنير ريموند Reymondعنصرا فعالا في هذا العمل المعرفي.
كان أشبه ما يكون معهدا للترجمة دعت واجتذت إليه كبار المترجمين. وأسدى هذا المجمع العلمي خدمات جليلة للعلم العربي.
ب-صقلية
بدأت الحضارة العربية ترسخ فيها في النصف الثاني من القرن العاشر، إذا كانت تابعة للحكم الفاطمي في مصر.
ومع أن الجزيرة خضعت بعد ذلك للفاتحين النورمان إلا أن معالم الحضارة العربية الإسلامية لم تزل عنها ، بل ذهب في عهد روجر الأول (1101) المعروف بحبه للعلم. وبلغت أوجها بعده ، في عهد حفيده فريدريك الثاني (1250). إذ جعل بلاطه هبة للعلم ومركز للسخاء. وأوقف على ترجمة الآثار اللاتينية بسخاء كبير. وأسس في عام 1224 جامعة في نابلي كانت مهمتها نقل علوم العرب ومعارفهم إلى العالم الغربي.
وكان بين فردريك الذي كان يحب العرب ويعتقد أنهم ممتازون بحرية الفكر وبالعلم العقلاني. وأمراء المسلمون الشام ومصر والمغرب بمراسلات تتعلق بشؤون العلم وأقوال العلماء.
لقد احتفظت صقيلة النورمانية ، بالتراث الثمين للثقافة العربية النوعية التي ازدهرت في أرضها. وشجع آراء النورمان الترجمة من العربية إلى اللاتينية.
وفي بلاط “فردريك الثاني” نجد” ميخائيل سكوت “، و”هرمان الألماني” وقد وفدا من طليطلة.
ج-المترجمون والترجمات :
جاء في مقدمة كتاب المترجمين في طليطلة ، دومنيك غنديسا لفي D.Gundissalviوكذلك جيرار كريمون Gérard Crémoneوميشل سكوت.Michel Scot
وكانوا هؤلاء من أوائل الأوربيون الذين انصرفوا لترجمة المؤلفات العلمية العربية ، لابد من ذكر” أبيلار دي بات “، الذي ترجم خاصة بعض مؤلفات الخوارزمي ، و”اتيان روبيزا” مترجم الكتاب المطول الشهير في الطب وعنوانه “كامل الصناعة” لعلى بن العباس المجوسي. وقد غدا كتابا تعليميا أساسا لتدريس الطب في أوربا.
وازدهرت الترجمة من العربية إلى اللاتينية أو اللغة الكاتالونية. وكان الباحثون يقصدونها من أمكنة بعيدة للدراسة على يد العلماء العرب. ويمكن ذكر اسم (جربير الاوفريني) الذي أصبح بابا باسم سلفستر الثاني (توفي 1003) وقد ترك آثارا في الرياضيات لا ينكر تأثرها بالعلم العربي ، وكان أول عالم مسيحي أطلع أوربا على الأرقام العربية.
ومن الغرباء القيمين في اسبانيا نذكر “روبرت شستن”ر (منتصف القرن الحادي عشر) الذي تشكل ترجمته جبر الخوارزمي تاريخا بارزا في علم المسيحيين كما يقول الدوميللي.
أما أخصب المترجمين فهم ، في منتصف القرن الثاني عشر أفلاطون التيفولي وجيرار الكريموني ، وهما إيطاليان عاشا في اسبانيا ، وألفا زمرة عمل. وترجم الكريموني (توفي سنة 1187) المترجم الشهير لكتاب المجسطي من 87 ترجمة من العربية تتصل بجميع العلوم.
وفي القرن الثالث عشر اتسعت حركة الترجمة عن العربية وبلغ عدد المترجمين العشرات. ويمكن ذكر إسم” الملك الفونس العاشر “، الحكيم الذي لم يكتف بتشجيع المترجمين بل أسهم بنشاط في إعداد مجموعة كبيرة حوالي سنة 1277 تضم كثيرا من الرسائل الفلكية العربية المترجمة إلى اللاتينية بعنوان “كتاب المعرفة في علم الفلك”.
وثمة أمير آخر من أمراء القرن الثالث عشر ، اهتم بترجمة المؤلفات العلمية العربية إلى اللاتينية وهو “شارل دانجو” ملك صقلية (توفي 1285) الذي ترجم في بلاطه كتاب “الحاوي” للرازي الذي كان له دور عظيم في تعليم الطب وممارسته في أوربا.
القائمة طويلة ولا نريد الإسهاب ولكن لا بد من ذكر ثلاثة من العلماء الأوربيين في العهد الوسيط ساهموا في تعليم العلم العربي في الغرب وهم :
الأول هو ليوار دوبيزانو ويدعى فيبونشي Fibounacci (توفي عام 1249) ، وقد ساهم بتجديد الرياضيات في الغرب ، فبعد عدة سنوات في العالم العربي عاد إلى بيزا ووضع فيها عدد من المؤلفات التي تتجلى فيها بداهة تأثير العلم العربي.
أما الأخيران فهما أرنو دوفيلنوف D.De VIIeneuve(توفي عام 1313) وريمون لولR.Lulle(توفي عام 1315) كلاهما تأثرا بالثقافة العربية وقد كانا كلاهما يتقن العربية ، وترك دوفيلنوف ترجمات إلى جانب مؤلفاته الأصلية ، بينما كتب “لول” بعض كتاباته بالعربية أولا ، ثم ترجمها إلى اللغة الكاتالونية.
وتبقى المؤلفات الفلسفية الأرسطية منها والرشدية ، هي أبرز ما نقله المترجمون من العربية إلى اللاتينية، وكانت هذه الترجمات هي التي مهدت الطريق لدخول الفكر الأرسطي والرشدي للجامعات الأوربية.

يتبع …

1 Comment

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


28 − = 19