*المبدع والناقد :توم وجيري! عبدالجليل لعميري.

موندبريس

عبد الجليل العميري

كل إبداع -وفي مختلف المجالات- هو إنتاج ذاتي لعمل ادبي أو فني أو فكري، تتفاعل فيه الذات بمحيطها الموضوعي المتعدد.
ووجود هذا الإبداع يتحقق عبر تلقيه-المفتوح- من طرف متلقين متنوعين وضمنه متلقي خاص يسمى:الناقد(بالتذكير والتانيث ).هذا الأخير يلعب دورا مهما وخاصا في خلق حياة جديدة للإبداع، ودراسته والتعريف به والحكم عليه سلبا أو إيجابا (النقد لغةتمييز الدراهم ).
*العلاقة الملبسة: سوء تفاهم قديم.
الترويج لمقولة(الناقد مبدع فاشل)،كسلاح في بعض المعارك بين المبدع والناقد،ترويج ينشر اللبس والغموض. فهل الفشل قرين الناقد؟ أليس هناك مبدع فاشل؟ أليس الفشل حالة إنسانية مرافقة لكل الناس مبدعين ونقادا وعاديين؟ والترويج لمقولة  (المبدع جاهل بقواعد الكتابة التي يمارسها )،كسلاح في معارك أخرى بين الناقد المبدع،ترويج ملبس أيضا.فهل الجهل صفة خاصة بالمبدع وحده؟أليس الجهل حالة إنسانية؟ الا يمكن أن ينال الناقد نصيبه من الجهل؟
الدخول في لعبة الإتهامات والاتهامات المضادة، وادعاء الأفضلية تنشأ عنه احتكاكات وصدامات تضر بالإبداع والنقد معا.
فما أسباب هذه الإشكالية؟ وهل هناك سبيل إلى البحث عن علاقة افضل؟
**صور المبدع:
كثيرا ما تروج عن المبدعين،أو يروج بعضهم عن أنفسهم، صفات واقاويل سلبية كثيرة من قبيل : الأنانية وما تجسده  من تضخم الأنا والتفاخر والإدعاء. وكذا الانتهازية والوصولية.
والحقيقة أنها صفات للأشخاص لا المبدعين،فكل شخص له طبائع وأخلاق معينة لأسباب كثيرة،فإن أصبح مبدعا نقل تلك الصفات معه.
وكثيرا ما تلصق تهم التملق والأنانية وعدم الموضوعية بالنقد أيضا،ولعمري هي سمات في شخصه لا في صفته كناقد.
ويذهب البعض إلى أن الأنانية التي تتخذ شكل نرجسية هي صفة أساسية في المبدع وتمنح شخصيته تميزها. وهنا نتساءل:هل تخلق النرجسية وحدها المبدع/الإبداع؟وهل كل نرجسي مبدع بالضرورة؟ (والنرجسية كما تعلمون عقدة نفسية بالزيادة  كما يقال، لا بالنقص: الرهاب مثلا).
*أنواع العلاقة بين  النقد والإبداع:
يجملها البعض في علاقات:  المجاملة ،الحياد،الإهمال، الاختلاف، الوفاق ثم التحامل.
فالحياد كثيرا ما يقصد به البرودة في التعامل مع الإبداع. والاهمال يعني وجود قصدية في الإقصاء. أما المجاملة فهي تعبير عن العلاقات (الإخوانية)التي تكرس الشللية والانتصار للعلاقات الشخصية على حساب الإبداع الحقيقي.
والاختلاف من المفروض أن يكون موضوعيا ومبنيا على إختلاف الرؤية بين المبدع والناقد.
في حين يكون الوفاق دلالة على تقارب او تطابق رؤية الطرفين.
وأخيرا علاقة التحامل التي اشرنا إلى مقوالاتها سالفا. يكون الإبداع دريعة لتصفية الحساب بين ناقد متحامل ومبدع متحامل عليه. أو بين مبدع متحامل على النقد وناقد يتعرض للتبخيس والاحتقار.
وهنا نطرح بعض الأسئلة:
– ما العيب في مجاملة مبدع في بداية طريقه لتشجيعه؟ وما العيب في التعامل بحيادية مع بعض الإبداع أو حتى إهماله أحيانا لأسباب متعددة؟وما المشكل في أن تتوافق رؤية الطرفين أو تختلف؟
كل هذا يدل على وجود تعدد وغنى في العلاقة بين الإبداع و النقد. فهذه العلاقة لا تقبل اختزالها في نمط واحد.
يبقى الحديث عن علاقة التحامل؟
التحامل تكلف وافتعال لما ليس موجودا.وهو بذلك اختلاق بهدف الإضرار بالآخر وإيذائه. وهذا أمر مذموم وغير أخلاقي لأن الناقد كما المبدع محكومان  بحد أدنى من الأخلاقية.
نصادف ناقدا صداميا(وكذا مبدعا صداميا)يعبر عن أفكاره مباشرة وبدون لباقة أو كياسة أو ديبلوماسية. قد يكون صادقا ولكن لكل مقام مقال. الصدام الأدبي والفكري والفني حدث عبر التاريخ عند العرب وعند غيرهم من الأمم. بل وانتج معارك ثقافية هائلة ساهمت في ولادة تيارات ادبية جديدة ومفاهيم وتجارب غنية. الكل يذكر صراع الاشاعرة والمعتزلة، والفقهاء والفلاسفة،والتقليديين والمجددين في شتى المجالات:الشعر والقصة والرواية والسينما والتشكيل. هذا الصراع، الذي قد يتحول أحيانا إلى تحامل،أنتج دينامية ثقافية مهمة.
ولكن عندما يصبح الناقد عدوانيا(وكذاالمبدع)فمعنى ذلك أن الإبداع والنقد أصبحا ضحية لصراع الأشخاص فقط.
*ما العمل إذا؟
أهم ما نحتاجه لتجاوز منزلقات هذه العلاقة و التباساتها:
الإيمان بالنسبية في الأحكام. فالابداع لا يحتاج  (لشرطة مرور ومخالفات)!إنه مجال حرية،حرية مسؤولة بالطبع،والحرية أيضا نسبية حتى لا يصبح الإبداع فوضى(غير خلاقة). الأصل في الإبداع التنوع والتعدد والإختلاف والتجدد، وأيضا اختلاف المستويات،ليس بين المبدعين فقط بل وبين أعمال المبدع الواحد نفسه.والامر كذلك بالنسبة للنقد هناك تعدد في المقاربات والمناهج والاجتهادات. ففي غياب الرؤية النسبية تسود  (الدوغما)و اليقينيات المطلقة،مما يفسد أي علاقة بين الطرفين.
وثاني أمر نحتاجه،وهو متولد عن النسبية ايضا،الإعتراف بأن المشهد الثقافي عموما، في الماضي وفي الحاضر،لا يخلو من أدعياء سواء في مجال الإبداع أو النقد، كما لا يخلو من أعداء الإبداع والنقد كل حسب دوافعه الخاصة.
وننتهي إلى القول بأن ضمان الحرية للإبداع والنقد،والإيمان بالاختلاف والتعدد سبيلنا إلى الرقي بهذه العلاقة الضرورية بين التجربة الإبداعية والتجربة النقدية. إيمان ديمقراطي بحقوق المبدع والناقد على نفس الدرجة(وكثيرا ما نجد المبدع ناقدا والناقد مبدعا في مجالات مختلفة نذكر هنا رولان بارت وامبيرطو ايكو وادونيس والمجاطي ونازك الملائكة)  ضدّا على اعطاب الذات هنا أو هناك.
إن المشهد الثقافي ممتد وشاسع يسع الجميع. …ولا نحتاج إلا قليلا من المحبة واحيانا بعض الحياد وكثيرا من الموضوعية لنهزم أشباح الفرقة والخصام.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


4 + 1 =