الدكتور يوسف بن الغياتية في تعليق على أحداث لبنان

موند بريس / محمد أيت المودن

بقلم الدكتور يوسف بن الغياتية

ليس هناك بلد في مأمن من الفواجع والكوارث. فليعلم الذي يتصدى للشأن العام ، أن مصير الناس ليس فقط تصريحا عاطفيا يدغدغ به العواطف والمشاعر القومية والدينية واللسانية. الدم الإنساني حرام، والسلم الأهلية حرام، وحين مواجهة المصالح الخارجية ، فأن تكون أداة للأجنبي أيضا حرام. لقد أثبت الانفجار في بيروت أن الكيان اللبناني من أصله غير آمن منذ أول يوم تدخلت فرنسا لاقتطاعه من صمام أمانه ، وهو كيان الشام الأكبر، وبقطعه عن حاضنته ، انقطع حبل تنفسه الطبيعي.

فليحذر الذين يريدون أن يجزئوا المجزأ ، ويشتتوا المشتت ، إنما يعدون أتباعهم غرورا، واليوم فرنسا التي رعت هذا الكيان الضعيف ، ها هي اليوم تبحث عن استنساخ ميثاق طائفي جديد، وتبحث عن نسخة ثانية من الانتداب الفرنسي لسنة 1919 عقب إنهاء الدولة العثمانية. ويا للحسرة رأينا من يطالبها بالبقاء ، ومن يطالب بتعزيز هذا الانتداب.

اي يأس هذا ؟ وأي فقدان للثقة في النفس وفي التعايش الأهلي؟ إننا لا ندعو إلى إعادة احتلال لبنان من سوريا ، ولا إلى إعادته إلى انتداب جديد، وإنما بإمكان اللبنانيين اليوم أن يختاروا ، وبمسؤولية هل سيقيمون بلدهم على مواطنة محايدة ، تكون الدولة فيها راعية للكيان، ومحايدة في الصراعات الإقليمية ، أم تريد تجميلَ نظام محاصصة طائفية على أسس تبدو جديدة ، لكنها تقوم فقط على جُــرُفٍ هــارٍ، سرعان ما سينهار ، وسيأتي رئيس فرنسي جديد ، ليمليَ على البلاد ما عليها أن تقوم به لتأمين زيارة رئيس آخر في المستقبل. من غير إبطاء، على شخصيات تتميز بالمصداقية أن تقود حركة وطنية تتعالى على الطوائف، وتتصدرَ المشهد اللبناني، فمن غير المعقول الاعتماد على بارونات الحرب الأهلية من جديد، لا بد من فترة انتقالية ، وتأسيس مجلس تأسيسي يكتب دستورا جديدا ، يقوم على المواطنة ، وعلى علمانية الدولة الصارمة، ولا بد لأبناء لبنان في المهجر ، أن يكون لهم دور في كتابة هذا الدستور الجديد ، بحكم الخبرة والكفاءة التي يملكون.

 

حفظ الله لبنان من ضباع الحروب ومن قادة إلى الهلاك ، بدل أن يقودوه إلى بر الأمان . فيكون لهم من الحياء ما يضعون به خطا أحمر ، هو الدم الأهلية والسلم الداخلية للبلاد وأمن الناس ، مهما اختلفت طوائفهم ومذاهبهم. فاللبنانيون سواء ، ولا فضل لأحدهم إلا بما يقدم من تنمية وتحضر وإبعاد للسلاح عن الساحة العامة ، وتسليمه لدولة تحفظ أمن الجميع وحقوقهم.

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


52 + = 58