التنمية البشرية بين الوهم والحقيقة!

التنمية البشرية بين الوهم والحقيقة!

موند بريس:الباحث الصديق الورديغي

الآن نحن في القرن الواحد والعشرين،عصر العولمة والثورة العنكبوتية، ولعل ما لا يختلف حوله إثنان هو أن لكل زمن إيجابياته وسلبياته.
ففي الوقت الذي وصلت فيه العلوم إلى قمتها وذروتها؛نجد في المقابل طفوح التخلف، الأمراض،الحروب والفقر.. مازالت تسيطر على هذا العالم بالرغم ما وصل إليه من إنتاج في شتى المجالات. وفي الوقت التي نجد كتب نافعة للإنسان والبشرية نجد مقالات وكتب تافهة تستغل المستهلك المتخلف لتُسوّق له منتوج رديء يزيد من أزمته النفسية؛ مع العلم أن كل مستهلك هو من يبحث عن منتوجه”المصنف حسب البعض رديئا”.
في مدينتي الشهيدة، وادي زم وأنا أتأمل أخطائي من جهة وأزمات هذا المجتمع الصغير الذي أعيش فيه من جهة أخرى. أجد مجالا جديدا يُستغل فيه المستهلك العربي والإسلامي بكل سذاجة لغرض في نفس يعقوب: مجال يسمونه “التنمية البشرية والذاتية” أو ما يسمى بفن تطوير الذات ومنه :نطرح الإشكال التالي:
ما هي التنمية البشرية؟ وهل يمكن أنْ نؤمن بأنّ الإنسان بطبعه يحتاج إلى التحفيز والتفاؤل والتغيير بواسطة هذه الكتب؟ وإن كان كذلك؛ فما هي الكتب التي تستحق القراءة في هذا المجال؟ وكيف نتأكد أن أغلبها كتب تجارية تبيع الوهم للمستهلك؟ وماذا عن ثراتنا هل هناك شخصيات وكتب تشجع على الحماس والتفاؤل والقوة والوصول إلى العظمة؟
بعيدا عن كل هذه التعقيدات يمكن تعريف التنمية البشرية بأنّها العمليّة التي تهدف إلى زيادة كميّة الخيارات المتاحة للنّاس وحجمها؛ عن طريق زيادة المهارات السلوكية. (Soft skils) بمعنى آخر،كيف تطور نفسك بنفسك لتكون صالحا لهذا الزمن الذي يتميز بالتحولات السريعة؟ وفي ظل هذه التحولات تتغير نفسية الإنسان أيضا لتجعله يستنجد بالقوة والحماس ليكون منسجما مع قوانين الطبيعة والكون. ومنه يمكن الإيمان بأن هذه الكتب تحقق الإلهام بشرط أن يعرف المستهلك والقارئ أن يُنقحها من بعض بائعي الوهم. كيف ذلك ؟ إن قراءة اأي كتاب بصفة عامة يجب أن نقف على إحدى أهم عتباته وهي الكاتب في حد ذاته، لنحاكمه بأسئلتنا التالية:
ما هي جغرافيتك وتاريخك؟ يعني أين وُلدت؟ هل في مجتمعات الجنوب المتخلف أم الشمال المتقدم؟ فهذا يجعلنا نتساءل هل الكاتب سيكون قدوتي أم لا ؟ وفي كتب التنمية البشرية نجد كتب عربية تِجارية تبيع الوهم لقارئها مثل : معجزة الصباح؟ كيف تُغيير حياتك ؟ كيف تحقق الثروة؟. قوانين التغيير…الخ. هذه الكتب مؤلفها لم يفعل شيء سوى ترجمة ما كتبه الغرب النيوليبرالي في هذا المجال. وأنا شخصيا لا أحب قراءة إلا لصاحب العلم.. والأب الروحي في هذا المجال وهو نابليوت هيل في كتابه ” فكر تصبح غني” الذي بدوره ترجم الكتاب المقدس بطريقة سحرية لتجد قارئ القرن الواحد وعشرين. ومن بين عظماء هذا المجال في المدرسة الأمريكية المعاصرين نجد: “48 قانون للقوة”لكاتبه روبرت غرين، “عقل جديد كامل” لمؤلفه دانيال اتشك بينك و”العادات السبع للناس الأكثر فعالية” “و العادة الثامنة” لمؤلفه ستيفين آر كوفي. هذا الأخير يختزل ما سبقوه ويلخصهم في دائرة عجيبة موضحا أن العظمة تبدأ بفكرة والفكرة تتحرك في الزمن ليتحقق أولا ما يسمى بالنصر الشخصي بثلاث عادات أساسية وهي: المبادرة وإبدأ والغاية في ذهنك و إبدأ بالأهم ثم المهم. وبعد تحقيق النصر الشخصي يبدأ ما يسميه صاحب الكتاب العادات السبع بالنصر العام عبر تحقيق ثلاث عادات وهي : مكسب _مكسب win _win
أو بمعنى آخر النجاح للجميع وصولا للتناغم والانسجام، وبالتالي العظمة، ووقوفا عند هذه العتبة من الكتاب وهي الكاتب نحاكم صديقنا في سيرته الذاتية فيقول : أنا أمريكي حصلت على الإجازة في علوم الإدارة والماجستر في الإدارة والدكتورة في التعليم الديني، وفي سنة 2003 حصلت على جائزة “الأبوة”ولدي 80 عاما. ولدي زوجة وحيدة إسمها “ساندرا”
من خلال سيرته نستنتج من نفسية “كوفي” ما يلي :
أن المؤلف وُلد في مجتمع متطور ومتقدم في جميع العلوم، ومتخصص في الإدارة والأعمال يعني كاتبنا يعرف كيف يُسوق لمنتوجه ويعرف عقلية السوق الأمريكية،وبما أنه متخصص في التعليم الديني ومخلص لدينه المسيحي وتجلى ذلك في وفائه لزوجته الوحيدة ساندرا مما يدل على أن الكاتب وظف ما وصفه أباه الروحي بأن التشتت الجنسي لا يُحقق الإبداع.
إذا ستيفين آر كوفي نموذج للشخصية الأمريكية الناجحة التي عرفت كيف توظف كل ما تعلمته في حياتها. لكن السؤال هنا : هل يمكننانحن كمجتمع متخلف أو في طور النمو أن نُوظف التنمية البشرية الأمريكية في حياتنا الشخصية ؟ نعم، فهي مجرد كلمات تقنية ملهمة ومشجعة ومحفزة للعقل الباطني. فالتنمية البشرية هي الشعر الثوري الذي استعمله أجدادنا في الماضي، ويُمكن القول أننا لو كنا نُتقن ثراتنا ولغتنا لوجدنا ملهمين وقُدوات كثيرة في شتى المجالات.
فعلى سبيل المثال، لا الحصر، وفي تاريخ الأدب العربي وفي الفترة العباسية، هناك في الكوفة، ترعرع فقير، تميز بالنباهة والذكاء والجدية في الحياة،وكوّن نفسه بنفسه، وفي شبابه انتقل إلى عاصمة الدولة العباسية بغداد، أتقن
اللغة العربية أشد إتقان،وفي أول حربه مع المجد،اعترضته الجدران القاسية.فماذا فعل ليتحدها؟ مع كثرة الفشل المستمر،صار متشائما ولكنه لم يفشل وبدأ ينضج فيه روح الكبرياء حيت قال ناظما:
أين فضلي إذ قنعت بعيش الذل معجل التنكيد ********
أبدا أقطع البلاد ونجمي في نحوس وهِمتي في سعود
كما كان لا يحب التسويف وتأجيل عمل اليوم إلى الغد وتطهير نفسه كل يومه بانتقادها طالبا تحدي كل يوم. فهو القائل:
إلى كم ذا التخلف والثواني*** وكم هذا التمادي في التمادي.
وشغل النفس بطلب المعاني***ببيع الشعر في سوق الكساد.
فالموت أعذر لي والصبر أجمل لي ***والبرّ أوسع والدنيا لمن غلبا.
فإذا كان ستيفين كوفي هو ملهم البشرية في القرن العشرين الواحد وعشرين فلنا أبو الطيب المتنبي في القرن العاشر ميلادي الثائر والقوي في مواجهة كل التحديات.
وإذ كان صاحب العادات السبع وُلد في أمريكا أعظم دولة في القرن الواحد والعشرين. فإن المتنبي وُلد في أعظم دولة إسلامية أيضا وهي الدولة العباسية.
فمن يُبخس تاريخ ثراثنا غير مدرك لأهميته أو جاهل له لا يفقه فيه شيء. فشخصيا لا فرق عندي بين المتنبي وستيفن آر كوفي وبين أمريكا والدولة العباسية. متأكد أن القوانين والعلوم مهما تفرعت فإنها تعود لقانون واحد وهو الكون. فالفكرة التي بدأ بها ستيفين آر كوفي كتابه التي تحركت عبر الزمن إلى العظمة. هي نفسها الكون الذي كان فكرة (نقطة) وانفجر ليتحول إلى كون عظيم وشاسع. أما عن ستيفين آر كوفي فأعجبني توظيفه لكل ما تعلم من إقتصاد وإدارة أعمال والتعلم الديني في تسويقه لمنتوجه. أما المتنبي فبيبته الذي لا كلما أحسست بالضعف تذكرته:
إن أكن معجبا فعجب عجيب ***لا يرى فوق نفسه من مزيد.
وأخيرا يمكن القول أن توحيد القوانين والعلوم في علم واحد ليس سهلا على كل متبودر معرفي يحتاج الإلمام والتأمل ومواجهة الألم والذل والفقر والأزمات وتحويلها عبر الطاقة الداخلية إلى إبداع

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


6 + = 7