التنظيمات السرية بالمغرب

إدريس ولد القابلة


على امتداد التاريخ المعاصر احتضن المغرب بين ظهرانيه منظمات سرية عملت في الخفاء، وبعضها تركت بصماتها في مختلف المحطات الأساسية التي عرفتها بلادنا.
انطلقت في معظم المناطق مقاومة مسلحة عفوية منذ 1951 وتواصلت بعد نفي الملك ، وفي نفس الوقت نظم الوطنيون حركة الكفاح المسلح،وظهرت تنظيمات سرية استهدفت الخونة والاستعمار . وأسس الفرنسيون منظمات لقتل المقاومين. وفي فجر الاستقلال ظهرت مليشيات في خضم الصراع بين إخوان الأمس، ومنذ الستينات ظهرت تنظيمات سرية سعت إلى التغيير. كما احتضنت بلادنا تنظيمات سرية غير سياسية وأخرى دينية.
وسنحاول في هذا الملف سبر أغوار هذه التنظيمات واقتفاء آثار بعض قاداتها وعناصرها.

إبان الحماية
فرقة “المتطوعون”
حوالي الثلث الأول من سنة 1951 اقترح الحسن العرائشي انضمام سليمان العرائشي إلى مجموعته المناضلة، وتم تكوين اول فرقة أطلقوا عليها اسم “المتطوعون. وبعد سلسلة من الاجتماعات اقترح التهامي نعمان انضمام الشهيد محمد الزرقطوني إلى المجموعة، وهذا ما كان.
واستمرت هذه الفرقة المكونة من حسن العرائشي، محمد الزرقطوني، التهامي نعمان، و حسين برادة، وسليمان العرائشي، في نشاطها الكفاحي المعتاد. وبعد فترة عُزّزت بكل من
محمد السكوري، محمد الغنيمي عبد الرحمان العسكري، محمد ابراهيم البعمراني، محمد بن موسى الخصاصي، احمد شنطار، عبد الرحمان الصنهاجي، عبد الكبير الجزار، وبوجمعة الجزار، وكان هؤلاء لا يتعرفون علي بعضهم بصفة جماعية بل لا تتعدى المجموعة ثلاثة أعضاء. وكانت أول مهمة تم تنفيدها، توزيع منشور يحث التجار على إقفال متاجرهم يوم الجمعة، فكانت الاستجابة مشجعة إلا أن بعض التجار تنطعوا كمجموعة تجار بابن جدية وبعض تجار آخرين، فتقرر اتلاف بضائعهم بالماء القاطع. وفي خضم موجة اعتقالات 1952 قامت جماعة “المتطوعون” بطبع منشور وتوزيعه على أوسع نطاق لإعادة الثقة إلى النفوس وإشعار العدو بأن الكفاح مستمر.
وبمناسبة ذكرى عقد الحماية 30 مارس 1952 تقرر القيام بمحاولة لنسف تمثال ليوطى. فأعدت قنبلة من حجم صغير ووُضعت بالمكان المحدد وتمّ إشعال الفتيل لكنها لم تنفجر. أعيدت الكرة في ليلة ممطرة وباءت بالفشل أيضا. على يد الرفقاء الخمسة انفسهم ولم يسعدنا الحظ في هذه المرة كذلك.
انضم عبدالسلام بناني إلى المجموعة وكان الاتصال بكل من اسعيد بونعيلات، ومنصور محمد بن الحاج و الدكتور عبدالكريم الخطيب ومولاي العربي، وعبد العزيز الماسي.
وفي 11 غشت 1953 تقرر ارسال ثلاث فرق إلى مدينة مراكش لإثارة القلاقل والحيلولة دون تسمية ابن عرفة “أميرا للمؤمنين”. وفي مسجد الكتبية حيث كان مقررا إعلان تسمية ابن عرفة أميرا للمؤمنين، وقع ما لم يكن في حسبان رجال البادية الذين حشروا في المسجد (بهراواتهم) كان معظمهم من قبيل كلاوة، ومسفيوة، وبحيلة من الشهيد محمد الزرقطوني ارتفع صوت داخل المسجد “شد… شد…”، فقام الجميع يجري داخل المسجد ووقع الهلع في نفوس الجماهير المحتشدة فيه…
ولما بلغ إلى علم المجموعة إعداد رحلة رسمية لابن عرفة لمدينة فاس، فتقرر بعث مجموعة من فدائيي الدار البيضاء والرباط لمحاولة النيل من السلطان المفبرك، لكنها لم تتمكن من المبتغى بفعل إغراق المدينة برجال الأمن والخونة. ومنذئذ تناسلت العمليات الفدائية، واتسعت دوائر الكفاح المسلح.
إن مجموعة “المتطوعون” هي التي ستتحول إلى “المنظمة السرية”.
خلية “القانون المحروق”
كانت أول خلية تعتمد طرقا دقيقة للتسلح قصد مقاومة المستعمر وإجباره على الجلاء، وعرفت النور في نهاية أربعينات القرن الماضي. وقد أوكلت مهمة توفير السلاح أوكلت للمناضل عبد الكبير الفاسي الذي تكفل بجمع المال واقتناء السلاح من المنطقة الخليفيةوالمدن الشمالية وتمريره إلى وسط البلاد. لكن المجموعة لم تتمكن من الحصول على المتوخى ، لذا عمدت إلى القيام بعمليات إحراق الحافلات التي كانت تركن بساحة ” البحيرة” بالمدينة القديمة والمعرض الدولي الذي كان يؤمه المعمرون بكثرة وقتئذ. وغالبا ما كان يتم التخطيط للعمليات في يوم 30 مارس الذي يوافق ذكرى توقيع معاهدة الحماية سنة 1912.
ومن العناصر المؤسسة لهذه الخلية، بناصر حركات، أحد القياديين الاستقلاليين بالدار البيضاء، و شعيب شجاع الدين والمصالي مولاي موح وبادي مبارك بن علال…

منظمة “الوجود الفرنسي”
قام المعمرون بتأسيس منظمة “الوجود الفرنسي” لمواجهة العمليات الفدائية، لكن ذلك لم يحد من تزايد عددها إذ أنجز الفدائيون ما بين 53-1954 حوالي 725 عملية، وثم إعدام عدد من زعماء المقاومة . وقد قيل أن هذه المنظمة كانت تتوفر على جناح مسلح أطلق عليه اسم “اليد الحمراء”، وهي التي دبرت اغتيال المناضل التونسي فرحات حشاد. في حين ذهب البعض الآخر أن لا وجود لهذا الجناح أصلا – كما صرح احد رجالا المخابرات الفرنسية سابقا – إذ أقرّ أنه تمّ استعمال هذا الاسم الافتراضي لضمان عدم المتابعة القانونية ولضمان استقلالية جهاز المخابرات عن السلطة المركزية في فرنسا.
إنها منظمة مضادة للفدائيين والمقاومين، كان هدفها الأساسي الانتقام من الوطنيين وقياديي الحركة الوطنية والمقاومة والرافضين للاستعمار عموما. وكانت هذه المنظمة تتوصل بأسماء ضحاياها والمعلومات الخاصة بهم عن طريق جملة من رجال الأمن الفرنسيين، إما الأعضاء فيها أو المتعاطفين معها. ومن أبرز أعضائها “أنطوني ميليرو” و”روزماري” وابنها “بيلطران”. وكان هذا الأخير شرطيا حاول اغتيال الرئيس الفرنسي “مانديس فرانس” عندما حل ضيفا على الملك محمد الخامس، وشارك في اغتيال الفرنسي “لوميكر دوبروي” الطي عُرف بميوله للقضية المغربية وبنشاطه في منظمة الضمير الفرنسي المناهضة للاستعمار. كما قام “بلطران” بإعمال إجرامية ضد الوطنيين بالدار البيضاء.
قُبيل الاستقلال وفي فجره
كان تناقضا بيّنا قائما بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال في مرحلة النضال ضد الاستعمار. وبعد الاستقلال ا، خاض الحزبان منافسة محمومة، مما أدى إلى بعض الاصطدامات اتسمت بالدموية أحيانا اصطدامات دموية، كان أبطالها تنظيمات سرية. علما أن المقاومة المغربية، حين انطلاقتها، لم تكن قيادتها موحدة، بل كانت نتيجة مبادرات متعددة وإن كانت موحدة الهدف. فقد كانت هناك “المنظمة السرية” و”اليد السوداء” و”الهلال الأسود”، وهي منظمات فدائية كانت مركزة في المدن، وهي التي سيلتحق بعض أعضائها بتطوان لتشكيل نواة جيش التحرير. وبعد الاستقلال، حاولت “المنظمة السرية” توحيد كل فصائل المقاومة على أساس إنعاش ارتباطها بحزب الاستقلال وإبعاد دعاة عدم تسييس المقاومة وربطها فقط بالقصر. هذا ما إلى اغتيالات واغتيالات مضادة في صفوف المقاومين.
“ميليشيا أحمد الطويل”
ما إن استعاد المغرب استقلاله المبدئي سنة 1955 حتى نحت بعض فعاليات وتنظيمات المقاومة منحى تنافى مع أسس قيامها، إذ انخرطت في حرب تصفية الحسابات والاغتيالات والاحتراب بين المقاومين وأعضاء جيش التحرير وبعض المواطنين. في هذا السياق برزت “ميليشيا أحمد الطويل” .
كان الطويل مقاوما في الأيام الأخيرة للكفاح المسلح، ومحترفا للنقل السري بواسطة سيارة نقل “سيسمكا 8″.
هذه المجموعة ضمت، إلى جانب أحمد الطويل، أشخاصا آخرين أبرزهم شخص يعرف بـ”اللاص” إضافة إلى “قمر” و”ع.س” و”بنجلون” وأخوه و”ع.م” وآخرون.
دخلت هذه المجموعة في نطاق الصراع المحتدم الذي دار بين “المنظمة السرية” و”الهلال السرية” مما إلى اغتيال زعيم، الهلال الأسود” عبد الله الحداوي إلى جانب ثلاثة من رفقائه ليلة السبت 29 يوليوز 1956 على يد عناصر من الدائرة السابعة للأمن “الساتيام” الشهيرة بدرب السلطان والتي كان يديرها الحسن الصغير عضو “المنظمة السرية” ومن بين أعضاء “الهلال الأسود” الذين يشتبه في كون مجموعة الطويل اغتالتهم يمكن ذكر أحمد الشرايبي الذي حاول أعضاء المجموعة ضمه إليهم، لكنه رفض، و شعيب الزيراوي المقاوم صاحب أول تفجير في الدار البيضاء وقد اغتيل في 25 يوليوز 1956بالدار البيضاء. وكذلك تصفية ثريا الشاوي، أول طيارة في المغرب العربي، وذلك في الفاتح من مارس 1956 ، علما أن والدها كان ينتمي لحزب الشورى والاستقلال.
وقد أشاعت “مجموعة أحمد الطويل” الرعب واستهدفت رجال الأعمال كما قامت باغتيال مالك سينما شهيرة بالبيضاء، وكان محسوبا على الفقيه البصري وهو ما دفع الأخير إلى تكليف المقاوم رحال المسكيني باغتيال الطويل بعد خروجه من حفل زفاف، لكن مجموعة الطويل لم تنتظر سوى أيام لتقوم باغتيال المسكيني.
“مجموعة القايد البشير” بشيشاوة
في سنة 1956 ابتعد أفراد المقاومة وأعضاء جيش التحرير عن المقاومة التي لم يعد لها معنى مع انحسار الاستعمار. في هذه اللحظة بدأ مسلسل جديد، إنه حرب تصفية الحسابات والاغتيالات والاحتراب بين بعض المجموعات.
في الوقت ذاته كانت تجري بالتخوم التي يسيطر عليها جيش التحرير، ثورات رافضة لحل الجيش ، ومطالبة بتمكين أعضائه من مراكز القرار التي بدأ يسيطر عليها أبناء الخونة. هذا الوضع الجديد خلف نوعا جديدا من التنظيمات السرية المكونة من أعضاء جيش التحرير، ومنها “مجموعة القايد البشير” بشيشاوة.
قاد القائد البشير بن التهامي إحدى أكبر انتفاضات المغرب المسلحة، انطلقت بعملية اغتيال عميد الشرطة “أقبلي” وسط مدينة بني ملال، وانتهت باعتصام الثوار بجبل “كوسر ” بنواحي واويزغت بإقليم أزيلال، وقعت على إثرها مواجهات مسلحة بين الثوار والجيش المغربي تحت قيادة الجينرال القوي آنذاك مولاي حفيظ العلوي.
وقد تمكنت هيئة الإنصاف والمصالحة من تحديد قبور بعض الضحايا منها القايد البشير بوعيسي المطاعي : مقاوم فر لتطوان و التحق بجبال الريف مع جيش التحرير، عاد بعد الاستقلال للمنطقة، و عين قائدا باولاد امطاع، ومحمد بن الضو بركاتو : مقاوم فر للشمال و لم يعد للمنطقة بعد الاستقلال، ومولاي الشافعي الفيدوزي: عسكري شارك في الحرب العالمية الثانية، تزوج من فرنسية و عاد إلى المغرب، كان ضمن مجموعة حمان الفطواكي، اعتقل بتاريخ 18 غشت 1954 و حكم ب 12 سنة و لم يطلق سراحه حتى الاستقلال، أصبح ليوطنان بالقوات المساعدة، ولحسن ابلوش : من قبياة اولوز، هاجر للجنوب للبحث عن عمل، اشتغل في القاعدة الأمريكية ببن جرير، اعتقل في عهد الاستقلال و أطلق سراحه، عين مخزني بالبلدية، وبن حدو السكاع : من الأطلس المتوسط ، صديق وفي للقايد البشير، وابريك جبوري: صهر القايد البشير، وحسن جويدر : ابن اخت القايد البشير، مخزني.
ويشار في هذا الصدد إلى أن أفراد المجموعة كانوا من أبرز المقاومين ضمن مجموعة حمان الفطواكي وجيش التحرير، كما تحمل بعضهم مسؤوليات إدارية وحزبية غداة الاستقلال.
في النصف الأخير من خمسينات القرن الماضي

اكتست حركة المقاومة في البداية طابع أعمال فردية ومعزولة من قبيل محاولة محمد الحنصالي أو علال بن عبد الله بعد تنحية محمد الخامس. لكن أعمال المقاومة ستشهد تنظيما لاحقا عبر المجموعات والمنظمات المنغرسة في كافة المدن . وما عدا المنظمات الرئيسية للمقاومة، مثل “المنظمة السرية” و”الهلال الأسود”، التي كانت لها بوجه عام فروع بأهم المدن، لم تكن باقي منظمات المقاومة تتجاوز إطار المدينة أو الموقع. تعلق الأمر بمنظمات تضم عدد محدودا جدا من المناضلين لا يتعدى إطار خلية ضمّت 4 إلى 5 أفراد. وغالبا ما كانت تحمل اسم المؤسس مثل حمان الفطواكي، أو الحاج بقال بمراكش، أو خلية بنشقرون بفاس، أو خلية الحاج معنينو في سلا. وكانت منظمات أخرى تحمل اسم شخصية إسلامية مثل منظمة ابو بكر الصديق، أو اسم السلطان مثل ” أنصار محمد الخامس”.
“المنظمة السرية”
كان الشهيد محمد الزرقطوني أحد أبرز عناصر “المنظمة السرية”، وكان مثالا للشاب المقدام و سباقا إلى العمل يختار أصعب المهام، لقد متعطشا لتحرير المغرب وتخليصه من الاحتلال مهما كان الثمن بأي ثمن.
حرص محمد الزرقطوني لتكون حركة المقاومة منسقة ومنظمة وتشمل كل المدن المغربية، لذلك كان كثير التنقل بين المدن والقرى في سرية تامة مع أنه لم يكن يدعي لنفسه قيادة المقاومة ، إلا أنه كان مع ذلك يحمل صفات القائد، كان يسعى للتنسيق بين الجماعات المسلحة كشبكة واحدة، لذلك ربط الاتصال بجماعة فاس عن طريق عبد الله الشفشاوني، والجماعة الثانية التي كان يشرف عليها أحمد الجاي حيث كان الاتصال بهما عن طريق البشير شجاعدين، أما الاتصال بجماعة مراكش فكان عن طريق حمان الفطواكي.
تمكنت”المنظمة السرية” من اقتناء وتهريب أسلحة من فرنسا وإسبانيا والجزائر، فضلا عن مصر. هذه المهمة اضطلع بها عبد الكبير الفاسي الذي تكلف أيضا بتزويد الزرقطوني بمادة “السيانور” السامة، اتخذها أعضاء “المنظمة السرية” وسيلة أخيرة للموت في حال إلقاء القبض عليهم .
إن قرة هذا التنظيم كمن في الحرص على قواعد السرية بشكل حديدي، وفي صنع القنابل اليدوية، وعمليات التفجير ولعل أشهرها عملية “مارشي سنطرال”، ويُحكى أن محمد منصور، صانع فتيل القنبلة التي نفذت بها هذه العملية لم يكن يعرف الحسن الجمالي الذي تكلف بوضعها قرب محل جزارة بمارشي سنطرال.
لقد كان محمد الزرقطوني قوي المراوغة والمناورة حيال الفرنسيين، شديد الانتباه والحذر من أولئك الذين كانوا يتعقبونه ويفتشون عنه، خاصة بعد افتضاح أمر بعض منفذي عملية السوق المركزي بالدارالبيضاء في ديسمبر 1953 الذين اعتقلوا . وبفعل بحث الأمن المستمر ظل الزرقطوني يتنقل من مكان إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى لمواصلة عملية توسيع نطاق خلايا المقاومة السرية. وقد سبق للزرقطوني أن صرح لرفاقه قائلا :” أعدكم أنه في حالة إلقاء القبض علي فسيلقون القبض على جثة هامدة ” ، وهذا ما كان بعد اقتحام الشرطة لمنزله بحي سيدي معروف بالدارالبيضاء يوم الجمعة 18 يونيو 1954 على الساعة الخامسة صباحا، فابتلع حبة السم التي كان يحملها دائما، وفتح الباب بدون مقاومة، وما أن وصل إلى مخفر الشرطة، حتى أضحى جثة هامدة.
وفي عام 1953 كان حسن الصغير منهمكا بمطبعة في نسخ مناشير مرصودة للتوزيع. داهمت الشرطة المطبعة وتمكن حسن الصغير من تجرع قرص السم. وكان أوّل مقاوم مغربي تناول قرص السم مباشرة بعد اعتقاله. وبذلك كان أوّل عضو في “المنظمة السرية” يستشهد بهذه الطريقة التي لم يكن الاستعمار ينتظرها من المغاربة، وذلك حفاظاً على أسرار المقاومة. وقد فارق حسن الصغير الحياة وفي رصيده أكثر من عشرين هجوماً مسلحاً في مدّة لا تتعدى 120 يوماً.
شهدت المنظمة السرية، أهم منظمات المقاومة، تراجعا بعد الاعتقالات المتتالية لأعضاء قيادتها. فقدت المنظمة السرية احتكار وسلطة المبادرة التي كانت لها من قبل وكانت تتيح لها تنظيم عمليات على نطاق واسع. إن نظام العلاقات العمودية الصارم يحمي عددا من الفروع من القمع، لكنه عديم الفعالية عندما يضرب القمع القيادة. كان انقطاع العلاقات مع القادة الجدد الذين يحلون مكان الأطر المعتقلة أو الملاحقة، يدفع الفروع إلى الاستقلال التنظيمي والى ظهور منظمات صغيرة. ستصطدم المنظمة السرية ، في سعيها إلى استعادة الشبكات القديمة، واسترجاع المبادرة، بصراعات النفوذ وبتضارب المصالح بين المجموعات و الشخصيات المتنافسة.
منظمة “اليد السوداء”
تأسست عقب أحداث 20 غشت 1953 ونفي محمد الخامس وتعيين محمد بنعرفة بدله .
تأسيس هذه المنظمة جاء على يد لحسن المكاوي الذي كان قياديا في حزب الإستقلال وأحد أجنحة عمله المسلح بمساعدة المهدي الناموسي.
انطلقت اليد السوداء من المدينة القديمة ,وبعدد محدود من العناصر وشح في السلاح.
من عملياتها الأولى تصفية أحد العملاء الذي كان يشرف على جلسات سمر معمرين في درب “السبليون” بالبيضاء، و تصفية مقدم يدعى ” محمد بن العربي” إلى جانب تزويد أفراد المنظمة بالأسلحة. افتضح أمرها وأعتقل أعضائها مباشرة بعد توقيف البوليس الفرنسي لأحدهم خلال عملية قرب سينما “أوبرا” وسط الدار البيضاء.
كانت “اليد السوداء” تضم شبابا منهم
عبد الله الحداوي الذي سيأخذ مشعل المنظمة بعد اعتقال رؤوسها المخططة، وذلك عبر تأيس منظمة” الهلال الأسود” في مارس سنة .
وكان لها فرع بمدينة أكادير. وعلى اثر اجبار المقيم العام الملك محمد الخامس على توقيعه على ظهائر وإرغامه على التخلي عن مقدسات البلاد ، قررت الفرقة التحريرية ” اليد السوداء” القيام بأعمال تخريبية لكل من الكتابة العامة لإقليم أكادير ومنزل الجنرال “ميكيل” رئيس الناحية ثم السينما “ريكس” ومحطة الوقود بأنزا وسيرك” زربيني ” وبعض متاجر الفرنسيين ومحلات الخونة ومعمل الكهرباء . وحين افتضح اسم الفرقة التحريرية، قرر عناصرها إنشاء فرقة أخرى أطلقوا عليها اسم ” يد سوس المقاومة “، وخططت هذه الفرقة لعمليات فدائية واغتيالات وحرائق وقطع أعمدة الهاتف وهدم القناطر.
منظمة “الهلال الأسود”
اتضحت وتعززت فكرة إنشاء منظمة نضال مسلح، بين الشيوعيين المغاربة، في سنة 1954. و بعد اعتقال قادة منظمة ” اليد السوداء” في نهاية عام 1953، جرى تنسيق العمل لمواصلة النضال. وقرر مناضلون شيوعيون مقتنعون بضرورة إنشاء منظمة مقاومة الإقدام على الخطوة الأخيرة. ربطوا الصلة بمقاومين مثل عبد الله الحداوي والحسن الكلاوي. وقد كانت لهذا الأخير علاقات مع مقاومي ” اليد السوداء ” قبل اعتقالهم. وكان هدف تلك الصلات اتخاذ قرار إنشاء منظمة مقاومة جديدة.
وفي مارس 1954 ، في ذكرى إبرام عقد الحماية، أسس عبد الله الحداوي والحسن الكلاوي وعبد الكريم بنعبد الله، وعبد الله العياشي، والطيب بقالي، ومناضلون آخرون، تنظيم جديد أطلقوا عليه اسم ” الهلال الأسود”. كان الطيب البقالي بكر المجموعة، كان قد شارك في الشبكات الشيوعية للمقاومة الفرنسية في مطلع سنوات 1940. وكان الحداوي أصغرهم: 17 سنة (اغتيل وعمره 19 سنة)، وكان هو من اقترح اسم المنظمة ” الهلال”. كان عنوان المنشور الأول من اليد السوداء الى الهلال الأسود . وكانت المنشورات الموزعة تحمل صورة رشاش واسم المنظمة. أما أنشطتها المسلحة فتمتد من تصفية المتعاونين مع الاستعمار إلى إلقاء القنابل بالمدينة الأوربية مثل القنبلة التي انفجرت بشارع باريس بالدار البيضاء.
كانت “الهلال الأسود” تضم استقلاليين وشوريين وشيوعيين ولامنتمين و نشب صراع مرير بينها “المنظمة السرية”، سيما بعد تعاظم قوتها، و سيتعرض عبد الله الحداوي للاغتيال في28 يوليوز 1956. علما أنها نادت بمواصلة الكفاح بحجة أن الاستقلال لم يكتمل بعد، ويتعين استئناف المقاومة إلى حين استقلال الجزائر. ومع اغتيال عقب عبد الله ومحمد الحداوي في معركة سيدي معروف في 28 و29 شتنبر 1956، و لحسن الكلاوي في 15 يونيو 1956 كانت نهاية “الهلال الأسود”.
تنظيم “جيش الأطلس”

أسسه محمد بن الظاهر هو عبد السلام “بيجو” وزوده بالسلاح عبد العزيز بوخريض الذي كان يشتغل داخل “دار البارود” بـتيط مليل بضواحي الدار البيضاء. كان بوخريض يهرب البارود الذي تصنع به القنابل، ومنها القنبلة التي استعملت في عملية مرس السلطان. تمت هذه العملية سنة 1955، ونفذت وسط ملتقى الطرق بمرس السلطان، بعد أن تمّ ركن “بيجو” وبنبوشتى وبلحاج وهم أعضاء في المنظمة، دراجة نارية من نوع “تريبورتور” على الطريق، وكانوا قد وضعوا به قنبلة انفجرت وخلفت وراءها مقتل شرطي فرنسي و 6 أشخاص، فضلا عن جرح آخرين . عقب هذه العملية انتفض سكان مدينة الدار البيضاء مطالبين بالاستقلال الفوري.

“اليد المتوكلة على الله”

في سنة 1954 ستشهد المنظمات المسلحة تكاثرا كبيرا غير مسبوق بالمغرب، هذا ما دفع كلا من سعيد دكي ومحمد بليزيد السكوري إلى تأسيس منظمة مسلحة أطلقا عليها اسم “اليد المتوكلة على الله” وهي المنظمة التي نفذت عمليات محدودة وكان الهدف من وراء إنشائها احتواء رجال الحركة الوطنية الذين لم ينضموا إلى منظمات مسلحة أخرى، وقد التحق بها أزيد من 40 مقاوما وفدائيا.

“اسود التحرير”

وفي سنة 1955 ستبرز منظمة مسلحة أخرى تحمل اسم “اسود التحرير” أسسها الكولونيل إدريس بنبوبكر رفقة مجموعة من الوطنيين منهم محمد برهماني، من الذين رغبوا أن يكون لديهم تنظيم مسلح خاص بهم بعد معاينتهم نجاح مجموعات أخرى مثل “المنظمة السرية” و”الهلال الأسود” وغيرهما.
اختصت منظمة “أسود التحرير” في تنفيذ عمليات إحراق الضيعات وتفجير منازل وإقامات في ملكية المعمرون بمحيط مدينة الدار البيضاء.

“المنظمة العبلاوية”
في مارس 1954 ظهرت عدة تنظيمات سرية مسلحة، غالبيتها اتخذت منحى راديكاليا، وذلك بسبب حدوث انشقاقات في بعض المجموعات المسلحة الكبرى، أو تنافس أحزاب سياسية على تأسيس أجنحة مسلحة تابعة لها، ومن أهمها حزب الاستقلال والشورى والاستقلال والحزب الشيوعي. في هذا السياق تمّ تأسيس “المنظمة العبدلاوية” بمدينة المحمدية، على يد شوريين، على أحمد بنبشير والحاج محمد با زاكور ومحمد بريك، لتشكل ذرع حزب الشورى والاستقلال.
انطلقت “المنظمة العبدلاوية”، بادئ الأمر، بتنظيم المظاهرات المناهضة للوجود الأجنبي بالمغرب لتنتقل بعذ ذلك إلى الكفاح المسلح عن طريق تنفيذ عدة عمليات أبرزها اغتيال معمر أجنبي في مدينة المحمدية. وسرعان ما سار هذا التنظيم أكثر راديكالية، إذ نظم حملات تطهير أخلاقي، وولج يوما أحد أعضائه “ماخور بوسبير” بالبيضاء، الذي كان يعج بالعاهرات المغربيات اللاتي يستقبلن الجنود السينغاليين والفرنسيين، وشرع في ضرب الجميع بالسوط لأنه لم يرض بأن تكون المغربيات عاهرات في خدمة المستعمرين”.

تنظيم “القيادة”
انتقل محمد صدقي – أحد مؤسسي “المنظمة السرية” – من المدينة القديمة إلى درب السلطان، وهناك قام بإنشاء تنطيم سري آخر أطلق عليه اسم”القيادة” وساهم بشكل كبير في تهريب المقاومين المبحوث عنهم إلى المنطقة الخليفية، وهم اللذين شكلوا النواة الأولى في تأسيس جيش التحرير بالشمال.

في السبعينات

التنظيم السري
إن فترة ستينات وسبعينات القرن الماضي عرفت بروز تنظيمات مسلحة تهدف تحقيق غايات سياسية محضة، ودخل من اجل ذلك، في حرب مفتوحة مع النظام. هذا ما تجلى مع التنظيم السري الذي ضم مقاومين قدماء ورجال سياسة من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خاصة – جناحه “البلانكي”.

الشبيبة الإسلامية

ظلت الشبيبة الإسلامية تعتبر نفسها امتدادا للتيار السلفي المنحدر من الحركة الوطنية، والذي قاده شيوخ من أمثال المختار السوسي ومحمد الحمداوي واللذين تتلمذ عنهما عبد الكريم مطيع.
بدأ مطيع بتأسيس خلية سرية منظمة في فبراير 1970، في ظرف سياسي سيطرت عليه المعارضة اليسارية المتطرفة على الركح النضالي، سيما في صفوف الشباب الثائر. وبمعية عبد اللطيف عدنان ومحمد العبدلاوي المدغري وإبراهيم كمال توسع وانتشر نشاط الخلية، إذ في ظرف ثلاث سنوات تمكن هؤلاء من خلق أجنحة طلابية وعمالية ونسوية تابعة لتنظيم الشبيبة الإسلامية. وسرعان ما بدأت مواجهات مع الجمعيات اليسارية مثل جمعية مدرسي الفلسفة والشبيبة الاتحادية والشبيبة الشيوعية، وأحزاب يسارية خاصة التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وقد رأى البعض في تأسيس الشبيبة الإسلامية في ظرفية وقتئذ أمرا ملتسبا ومشبوها لتشكل سلاحا بيد مصالح الأمن والمخابرات من أجل وقف المد اليساري الجارف في الجامعات والمؤسسات التعليمية وفي صفوف المثقفين الشباب. في هذا السياق يُموقع الكثيرون اغتيال القيادي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عمر بنجلون في 18 دجنبر 1975.

بعد تعاظم تنظيم الشبيبة الإسلامية شرعت الدولة في القيام بعدة حملات اعتقالات في صفوف قيادييها بغية القضاء التنظيم الذي أصبح قويا بشكل واضح. وكانت البداية باعتقال إبراهيم كمال، في أواخر 1975، في الوقت الذي تمكن فيه عبد الكريم مطيع من الهرب إلى المملكة العربية السعودية، التي قضى بها خمس سنوات ، قبل ان يستقر به المقام في ليبيا قبل الربيع العربي.

“التنظيم السري”

“التنظيم السري” هو التنظيم الذي جمع “بلانكيي” جزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وجملة من المقاومين وأعضاء جيش التحرير الذين انخرطوا في استراتيجية تغيير النظام السياسي بالمغرب.
عقب المواجهة بين أعضاء جيش التحرير ورفاقهم المنخرطين حديثا في سلك الأمن الوطني وفي ظل حرب سياسية محتدمة حول السلطة ستظهر منظمة مسلحة جديدة اختير لها اسم “التنظيم السري”. كانت البدايات الأولى في سنة 1959 إلى حدود 1961، إلا أن التأسيس الفعلي لهذا التنظيم السري، كان فيما بين 1969 و1970 والمؤسس لم يكن سوى الفقيه البصري الذي شكل علبته السوداء.
بدأت مرحلة تأسيس التنظيم السري المسلح على مرحلتين ، المرحلة الأولى كانت في سنة 1969، واستقطب خلالها الفقيه البصري مقاومين قدماء وأعضاء سابقين بجيش التحرير.
وخلال سنتي 1972 و1973 فتح البصري باب قيادة التنظيم السري في وجه عناصر راديكالية في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني لطلبة المغرب ومنظمات الشباب الوطنية . ومن هؤلاء ، المهندس محمد بنونة والحسين المانوزي الذي كان تقني صيانة للطائرات و محمد آيت فدور ومحمد التوزاني ومحمد الأخصاصي ومبارك بودرقة ومحمد بنيحيى وآخرون. ضمن التنظيم السري، بواسطة أعضائه الجزائر وليبيا وفرنسا، جلب السلاح وإدخاله سرّا إلى المغرب، كما تمكّن الفقيه البصري من خلق عدة خلايا في مراكش وكوليمة التي تأسست بها مجموعة محمد بنونة وخنيفرة التي ضمت مجموعة التزنيتي وقوامها 29 عضوا. إلى جانب خلق مجموعات كبرى مثل مجموعة عمر دهكون، أشرفت على خلايا بالدار البيضاء والرباط ووجدة. وكانت القيادة العامة الموزعة بين ليبيا والجزائر وفرنسا، تسيطر على التنظيم ومجموعاته كلها. وتوجهها.

اعتقد قادة التنظيم أن المغرب مهيأ للثورة، ويكفي افتعال الشرارة الأولى،غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، وسرعان ما وجد “التنظيم السري” نفسه في قلب موجة من الاعتقالات و سلسلة من المحاكمات أعلنت عن تفكيكه و نهايته.

مجموعة “شيخ العرب”

من المجموعات المسلحة ذات أهداف ثورية ، التي ظهرت في هذه الفترة، مجموعة “شيخ العرب”- واسمه الحقيقي احمد بن محمد بن إبراهيم المعروف بأحمد أكوليز- وكان عضوا نشيطا في صفوف جيش التحرير بالجنوب. عُرف عنه تدينه والتزامه وهذا ما دفع رفاقه إلى تسميته بـــ “شيخ الإسلام” غير أنه رفض هذا الاسم واقترح استبداله بــ “شيخ العرب” .
وقد أكد مقربين من أحمد أكوليز أنه كان صارما و حريصا جدا على الانضباط، وكان قد بدأ “ثورته الفردية” مبكرا من جيش التحرير، إذ شرع في حملة تطهيرية افتتحها بإعدام قائدين من قواد جيش التحرير في طاطا، لكونهما استهترا بأعراض فتيات ونساء المنطقة”، كما قام بقتل مخزنيين في “خمسين إيسافن” في 19 أبريل 1960 بعد أن علم أنهما يترصدانه في منطقة سوس.
أصبح شيخ العرب متمردا وشرع في جلب أسلحة من الجزائر لدرجة أنه توفر على عتاد كاد يمكنه من تنفيذ عشرات الهجمات. وفي فجر سنة 1962 بدأ يصعد عملياته ضد السلطة ، كما أوفد رفيقيه مومن الديوري وعبد القادر عفيفي إلى فرنسا والجزائر للحصول على السلاح بينما ربط عناصر بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية الاتصال به وعبروا عن دعمهم له.
ويقرّ الباحث والكاتب محمد لومة بحدوث تنسيق بين شيخ العرب والمهدي بن بركة الذي قام بزيارة خاطفة إلى شقة قرب محطة “الساتيام” بالبيضاء كان يقيم فيها أفراد المجموعة بعدما وسعوا نطاق نشاطهم، ودار بينهما نقاش أكد فيه بن بركة أنه مستعد للتعاون من التنظيم سائلا عن مطالب المجموعة، ليجيبه شيخ العرب قائلا “إن المجموعات المسلحة جاهزة وما نريده هو الدعم المالي”، فأجابه بن بركة قائلا “ما تطلبونه من أموال جاهز، فهناك سبعمائة مليون سنتيم في الجزائر وثلاثمائة مليون سنتيم أخرى في فرنسا وما علينا سوى الاتفاق على التفاصيل”.

في تلك الفترة انطلقت حملة المتابعات والتحريات الأمنية والاستخباراتية المكثفة التي أشرف عليها محمد أوفقير وأحمد الدليمي، انتهت بمحاصرة المجموعة بسيدي عثمان في 7 غشت 1964 بفعل وشاية وفضّل شيخ العرب إطلاق رصاصة على نفسه من مسدسه.

التنظيمات اليسارية

منذ منتصف ستينات القرن الماشي لم تتوقف الأصوات الثائرة التي تصدرها قوى اليسار عن الدعوة إلى تتبنى الثورة المسلحة كحل سياسي بالمغرب. بدأ هذا المسار مع مجموعة “الاختيار الثوري”، التي تأسست استنادا على الوثيقة التي ألفها المهدي بن بركة والتي تحمل الاسم ذاته . إنها وثيقة “الاختيار الثوري” التي أطلقها خلال المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وفي نهاية الستينات، بدأ عدد من المناضلين الذين ناضلوا لسنوات طويلة وسط حزبي ” الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” و “التحرر والاشتراكية” بدأوا ينسحبون من هذين الحزبين ويشكلون خلايا سرية ستتبلور فيما بعد في إطار منظمات سرية ماركسية- لينينية. هكذا ستجتمع عدد من الخلايا والحلقات السرية المشكلة من مناضلين منحدرين، في أغلبهم, من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في إطار منظمة ستعرف فيما بعد بمنظمة” 23 مارس” وستعيش في بداية تجربتها انشقاقا سيؤدي إلى تشكل منظمة “لنخدم الشعب” بينما سيؤسس، في 30 غشت 1970، مناضلون منحدرون بالأساس من “حزب التحرر والاشتراكية” منظمة ستسمى فيما بعد بمنظمة ” إلى الأمام”.
إذن، ستتفرع الحركة اليسارية الماركسية اللينينية الماوية عن منظمة “أ” – منظمة إلى الأمام- التي احتوت التيار الثوري المنفصل عن حزب التحرر والاشتراكية ، الحزب الشيوعي سابقا والتقدم والاشتراكية حاليا ، بحجة أنه اختار العمل تحت مظلة النظام .
إلى جانب المنظمة ” أ ” برزت المنظمة “ب ” التي ضمت مجموعات ” 23 مارس ” ثم منظمة العمل، و منظمة ” لنخدم الشعب ” الماوية ، أكثر هاته التنظيمات الماركسية اللينينية راديكالية آنذاك .
تنظيم ” لنخدم الشعب”

ستتبنى تنطيم ” لنخدم الشعب ” طرحا ماويا محضا ، وكان يتزعمها أحمد حرزني – رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان- وأنيس بلفريج نجل أحمد بلفريج مستشار الملك الحسن الثاني . كان تنظيم “لنخدم الشعب” يرفض العمل داخل المنظمات النقابية والمهنية والطلابية والشبيبة المدرسية، واختار ضرورة الاهتمام بالفلاحين ، كما اختارت استعمال العنف كوسيلة لتحقيق المطالب السياسية وتحقيق الأهداف الاستراتيجية عبر استعمال ما كان يوصف بــ “العنف الثوري”. ومن المعلوم أنه تمّ ضبط مسدس في حوزة أحمد حرزني حين اعتقاله، إلا أن التنظيم لم تستطع الوصول إلى غايته بسبب تطويقها بسرعة وفي المهد.
أصدر هذا التنظيم نشرة باسم ” صوت الكادح “، و”وكالة الأخبار الشعبية” وهي نشرة دورية تنشر الأخبار المتعلقة بالنضالات الجماهيرية.

” 23 مارس”
تأسست بداية السبعينيات من القرن العشرين (23 مارس 1970 ) . كانت تسعى إلى بعث روح انتفاضة 23 مارس 1965 لكن برؤية وأطروحات جديدة، ورغم تبنيها مناهضة النظام السياسي القائم رفضت نظرية الانفصال التي تبنتها زميلتها منظمة “إلى الأمام” بخصوص قضية الصحراء .
فيما بين سنتي 1968 و 1969 ظهرت المجموعات الأولى من الحركة الماركسية – اللينينية المغربية في الوسط الطلابي (فاس – الرباط – الدارالبيضاء) وقد انحدرت هذه المجموعات من حزب ” التحرر والاشتراكية” (مجموعة فاس بقيادة الشهيد حمامة بوعبيد) الذي توفي بالمنفى في سنة 1973 ومن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما ساهمت في تأسيسها عناصر غير منتمية لأي حزب.
ولجت “23 مارس” دائرة الشرعية مبكرا مع تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي (OADP) ، وهي حزب مغربي يساري صغير حصل على الشرعية القانونية بعد عودة قيادته من المنفى بفرنسا (محمد بن سعيد آيت يدر ومحمد الحبيب طالب ومحمد المريني والعربي مفضال ومصطفى مسداد وإبراهيم ياسين وعيسى الورديغي) إلى جانب ا أحمد بنعزوز ومصطفى بوعزيز سنة 1983.

“إلى الأمام”

في فجر سبعينات القرن الماضي برز تيار معارض داخل حزب التحرر والاشتراكية، التف أفراده مجلة “أنفاس قبل إنشاء إطار تنظيمي خاص بهم. في اجتماع الانسلاخ عن الحزب تم الاتفاق على تشكيل منظمة ماركسية – لينينية مستقلة، سميت بالمنظمة “أ” قبل أن تحمل اسم “إلى الأمام ” منذ 1973. وشكـــلت ” سقطت الأقنعة ” فليفتح طريق ” الثورة ” الأرضية الإيديولوجية والسياسية التي تم عليها الانسحاب من حزب التحرر والاشتراكية وبناء الإطار التنظيمي الجديد.
كانت “إلى الأمام” تطمح منذ تأسيسها أن تصبح حزبا ثوريا يقود الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء نحو انجاز الثورة وإقامة الجمهورية، وهو حلم سرعان ما سقط في الماء بشكل فظيع قل نظيره في العالم.
هناك أكثر من طرف تبنى تجربة منظمة “الى الأمام”، ( النهج الديمقراطي )الذي يشكل الامتداد الخطي للمنظمة غداة تأسيسها في بداية السبعينات ، ( النهج الديمقراطي القاعدي ) (التوجه القاعدي ) ( القاعديون التقدميون ) ، وهي نفس الحلقات التي قادت الصراع غداة الإعداد للمؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب في مواجهة الحلف الثلاثي الذي تكون من فصيل أنصار ك. د. ش ( الاتحاد الاشتراكي – المكتب السياسي )، فصيل الطلبة الديمقراطيون ( منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ) وفصيل الطلبة الوحدويون ( حزب التقدم والاشتراكية ) . لقد تكونت تلك التيارات التي كانت تتحرك باسم القاعديين من : ( النهج الديمقراطي ) ، ( الطلبة القاعديون ) ، ( الطلبة التقدميون ) ، الطلبة المجالسيون ) و ( الطلبة أنصار المجالس ) ، حيث تحالف هؤلاء مع فصيل رفاق الشهداء ، رفاق المهدي وعمر ) الذي كان محسوبا عن يسار الاتحاد الاشتراكي ( اللجنة الإدارية الوطنية ) .

“النقابة الوطنية للتلاميذ”

إنها نقابة سرية تبنت كليا الأطروحات السياسية والفكرية والعقائدية للحركة الماركسية اللينينية المغربية.
تأسست النقابة الوطنية للتلاميذ “ن-و-ت” من طرف المنظمتين “أ” و “ب” ( “إلى الأمام” و”23 مارس”) وأصدرت “المناضل” وهي نشرة مشتركة للمنظمتين تهتم بمشاكل ونضالات التلاميذ وتتكلم بإسم النقابة الوطنية للتلاميذ وقد كانت منظمة “ب” تصدرها من قبل، وبعد بروز الخلافات بين التنظيمين أقدمت منظمة “إلى الأمام” على إصدار نشرة “المشعل” اضطلعت بنفس مهمة “المناضل”. ومن المفارقات أن نشاط هذه النقابة هي التي كانت وراء البحث الحثيث من طرف مصالح الأمن على المسمى “الكرفاتي”، أحد قياديي “23 مارس” الطي اعتقل لكونه كان يقود دراجة نارية دون أوراق وتحمل بطاقة تعريف مزورة أصل صاحبها من سوس في حين أن لهجة “الكرفاتي” من المغرب الشرقي (وجدة)، علما أنه كان يعيش آنذاك في السرية. وهذا الاعتقال هو الذي قاد الشرطة إلى اعتقالات 1974 و1976 و1975 التي شكلت الضربة القاضية للحركة الماركسية اللينينية بالمغرب، إذ بعد أقل من 24 ساعة عن إلقاء القبض على الكرفاتي كانت كل قيادة “23 مارس” في ضيافة الشرطة، ومن تمة انتشرت الاعتقالات كالهشيم في صفوف منظمة “إلى الأمام”.
إن النضالات التي خاضها التلاميذ والطلبة خلال السنوات الدراسية 70 – 71 – و1972 ، أدت إلى رفض الوداديات بعد أن كان التلاميذ قد انتزعوها بالنضالات ، تم الدعوة إلى لاستمرار الإضراب اللامحدود ، ومقاطعة امتحانات نهاية السنة الدراسية بما في ذلك امتحان الباكالورية ، وعاش التلاميذ في الثانويات أول تجربة مع جبهة الطلبة التقدميين المكونة من المنظمتين أعلاه الى جانب حركة لنخدم الشعب، وكانت النتيجة ضياع السنة الدراسية ، وما ترتب عنها من انعكاسات سلبية مثل تكرار السنة والطرد من المدارس ، إضافة الى الاعتقالات التي شملت أعدادا كبيرة .

الحركة الوطنية الصحراوية
خلال سنوات الاحتلال الأسباني للصحراء المغربية، والتي بدأت في أوائل القرن وانتهت عام 1976 ، لم تكن الصحراء جرداء سياسياً. على العكس تماماً، كانت هناك الحركة السياسية والانتفاضة الوطنية من هندسة الحركة الوطنية الصحراوية . وعلى الرغم من قلة عدد السكان بالنسبة إلى المساحة الشاسعة، وعلى الرغم من أنهم ـ في معظمهم ـ بدو رحل آنذاك يصعب عليهم التماسك الحضري في حركة واحدة أو سلسلة مترابطة، فإن الحافز الوطني كان دائماً مشتعلاً ضد الاحتلال الأسباني، تقوده القبائل الصحراوية ، وهي قبائل عديدة حوالي تتزعمها قبيلة الرقيبات، التي تعتبر أكبر وأقوى هذه القبائل. وكانت أهم هذه الثورات، التي قامت بها القبائل الصحراوية، هي ثورة 1934، وثورة 1957 ، وقد شهد عقد السبعينيات تطوراً مثيراً في مسار الحركة الوطنية بالصحراء، إذ برز على السطح حدثان مهمان:
1 – شهدت الصحراء انتفاضة شديدة الغليان ضد الاحتلال، خاصة في مدينة العيون عام 1970، تماثل انتفاضتي عامي 1943 و1957، إن لم تكن أشد. وكانت بقيادة صحفي سابق هو “البصير ولد سيدي إبراهيم”، الذي اعتقله الأسبان وقتها، ثم استُشهد فيما بعد. ولقد استطاعت هذه الانتفاضة الدامية أن تحرك كثيراً من الأحداث، وأن تدفع بها إلى تطورات أعمق، وأن تبلور الحركة الوطنية، من مجرد “هبّات” فجائية، إلى حركة أكثر تنظيماً، تمهد لمرحلة تطور جديدة.
2 – في عام 1970، أُعلن عن تشكيل منظمة سرية جديدة في الصحراء، تعمل لمقاومة الممثل الأسباني، هي منظمة (الموريهوب) أي حركة الرجال الزرق. وفي عيون الكثيرين تعد “الموريهوب” أول منظمة سياسية صحراوية يسارية، حتى ذلك الوقت في الصحراء. فقد تأسست بدعم جزائري مباشر، واستطاعت أن تمد تعاونها إلى قلب أسبانيا، حيث وجدت مساندة سياسية من الحزب الشيوعي الأسباني، وكذلك تعاونت مع حركة استقلال جزر الكناري، وكان لها مقر في الجزائر.

أسطورة أو كذبة تنظيم “الضباط الأحرار”

سبق لصحيفتي “لوموند” الفرنسية و”إلباييس” الإسبانية أن نشرتا خبر إصدار مجموعة من الضباط المغاربة الشباب بيانا يحمل توقيع “الضباط الأحرار” ينتقد تصرفات ضباط ومسؤولين كبار في القوات المسلحة .
لكن سرعان ما أفاد أكثر من مؤشر وقرينة أن النازلة أصلا من فبركة شخص واحد بمباركة عدد من وسائل الإعلام الأجنبية التي يكن بعض صحفييها العداء للمغرب، وأن الأمر يتعلق بالضابط السابق عبدالإله إيسو الذي كان يعمل في صفوف الجيش المغربي برتبة ملازم أول وتنحدر أصوله من شمال المغرب والموجود بالديار الإسبانية.
عبدالإله إيسو هذا سبق له أن عمل ضمن الفيالق العسكرية المغربية العاملة بالصحراء المغربية لينقل بعد ذلك للعمل في إحدى الثكنات العسكرية ببلدة قصبة تادلة ، وكان أهم ما ميز مسيرته المهنية عدم انضباطه المتمثل بالأساس في كثرة انقطاعه عن العمل ما عرضه للتوقيف عدة مرات وصلت متفرقة إلى ما يقارب 250 يوما من الاعتقال الانفرادي. ونتيجة غيابه بدعوى المرض بسبب مشكلات نفسية فقد أصدرت المحكمة العسكرية في حقه حكما غيابيا بالسجن لمدة شهرين. ويعتقد الكثيرون أنه قد تم استقطابه الضابط من قبل مصالح الاستعلامات بالقنصلية الإسبانية بمدينة تطوان ما سهل له مغادرة التراب المغربي في اتجاه إسبانيا، ليحصل في وقت لاحق على الجنسية الإسبانية بعد أن تم تجنيده من قبل المخابرات العسكرية الإسبانية في إطار عمليات مخابراتية موجهة ضد المغرب، ومنها توقيعه لبيانات منسوبة لما سمي بـ ” الضباط الأحرار” في الجيش المغربي وإرسالها للصحيفتين المطكورتين. وحسب أكثر من متتبع إن “أسطورة أو كذبة” “الضباط الأحرار” جاءت في سياق إثارة الشك وإشاعة البلبلة داخل المغرب، خصوصا بعدما تبين للجهات التي هندستها أن بلادنا اختارت السير على درب مواجهة التحديات الكبرى ، الاقتصادية والاجتماعية والسيادية، وعلى رأسها مطالبته باسترجاع مدينتي سبتة ومليلة والجزر المجاورة لهما المحتلة من قبل إسبانيا.

تنظيم البناؤون الأحرار
يُعرف باسم “الماسونية”
منظمة أخوية عالمية سرية نشأت من أصول غامضة في اسكتلندا في وقت مُبكر من أواخر القرن السادس عشر. تضم المنظمة أعضاء يتشاركون في عقائد وأفكار واحدة فيما يخص الأخلاق الميتافيزيقا وتفسير الكون والحياة. وتتصف بالسرية والغموض يتهم البعض الماسونية بأنها من محاربي الفكر الديني وناشري الفكر العلماني. في سنة 1979 أصدرت جامعة الدول العربية القرار رقم 2309 الذي نصَ على “اعتبار الحركة الماسونية حركة صهيونية، لأنها تعمل بإيحاء منها لتدعيم أباطيل الصهيونية وأهدافها، كما أنها تساعد على تدفق الأموال إلى إسرائيل من أعضائها الأمر الذي يدعم اقتصادها ومجهودها الحربي والعدائي ضد الدول العربية. و للماسونية جمعيات كثيرة ،أغلبها يعمل في السر وأهمها بالمغرب “كلوب ليونز” و جمعية “روطاري”.
وينشط الماسونيون المغاربة في سرية كبيرة، ولا يظهرون من أمرهم إلا ما تسمح به الأوقات والأحداث، وحسب موقعهم الإلكتروني، فإنهم يعلنون عن تشبثهم بالملكية المغربية والولاء لها، كما يلتزمون بتجنب كل ما من شأنه أن الإخلال بالأمن العام واستقرار المغرب.
ولا يمكن الحصول إلا على معلومات شحيحة عن أنشطتهم وتحركاتهم، ومن الأشياء التي يكشفون عنها بعض الأنشطة مثل قيامهم أثناء الزلزال الذي ضرب إقليم الحسيمة بجمع تبرعات عبر مختلف فروع التنظيم بالعالم وصلت إلى 300 ألف أورو (أكثر من 3،3 مليون درهم) إلى جانب مساعدات عينية، وإنشاء وحدة صحية متنقلة بين ربوع المغرب تتكون من طبيب ومساعدين.
جميع المهتمين يعرفون بوجود ماسوني في حكومة عبد الإله بن كيران، إذ أن أحد وزراءها ينتمي إلى الفرع الماسوني المغربي.
بالإضافة إلى اللقاءات المنتظمة يعقد الماسونيون المغاربة جمعاً سنوياً عاماً، ويتلقون نشرة داخلية حول الأنشطة التي يقومون بها تسمى “الربط البنائي”.
وقد أنشأ الماسونيون فرع “روتاري” منذ ثلاثينات القرن، قاده في البداية فرنسيون، ومنذ فجر الستينات تناوب مغاربة على الرئاسة، ومنهم محمد الزيزي ( 1959 – 1962) و محمد عبدو التازي (1964 – 65 ) ومحمد بنمجدوب (66 – 68) وعبد القادر العمراني (69 – 70) وعمر المنجرة (70 – 71) و حسن العلمي ( 71 – 72) و عبد السلام الطاهري ( 74 – 75 ) وعبد الحق اليعقوبي ( 75 – 76 و77 -78) فتح الله بناني (76 – 77 و 78 – 80) وماجد برادة (80 – 81) ومحمد برادة (81 – 82 و2001-2002) ومحمد الشرقاوي (82 – 83) ومولاي الزين الزاهدي (83 -84) وإدريس الطراري (84 – 85) وعبد الرحمان التويمي بنجلون (85 – 86 ) وعبد الرزاق العراقي (86 – 87 ) والدكتور عبد الرفيع بناني ( 87 – 88 و 98 – 99) وعبد الرحيم كوندا (88 – 89) وحمزة العراقي (89 – 90) وعبد اللطيف أقلال ( 91 – 92) وامحمد الفكاك (92 – 93) وبوشعيب ناجي الله (93 – 94) ومحمد بنسالم القباج (94 – 95) ومحمد الأندلسي (95 – 96) والأستاذ أحمد ميكو (97 – 98) ومحمد بناني الضخامة (99 – 2000) والأستاذ محمد عمور (2000 – 01) وعبد العزيز بيداح (2002 – 03) ورشيد بلكاهية (2003 – 04) ومحمد القباج (2005 – 06) ورحو أحمد (2006 – 07) والدكتور محمد الأزرق (2007 – 08) وعبد الرفيع العمراني (2008 – 09) 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


3 + 1 =