التدبير الجماعاتي بين الإبداع والأولويات ” إنزكان نموذجا”

موند بريس / محمد أيت المودن

إن من الآفات الأكيدة القاتلة التي ابتليت بها مدن كثيرة ببلدنا العزيز هي وجود مدبرين منتخَبين لا يعرفون في محاور التدبير الجماعي ولا يفهمون في تفاصيله إلا التبليط وفك اختناقات قنوات الصرف الصحي وملاحقة الباعة المتجولين وبناء الأسواق التي تتناسل كالفطريات لتسويق محلاتها في مزاد علني يُمكِّنُ من الاحتكار والريع، ولا تجد ضمن اهتماماتهم وفي أجنداتهم التدبيرية أي إشارة من قريب ولا بعيد لجمالية العمران وجودة الحياة ورونق إطار العيش.


إن الإبداع الجمالي هو جزء أساس ومحوري وضرورة ملحة في الحياة بل هو الحياة نفسها، ولا قيمة للوجود في وجهه المادي الأشيائي إن غابت عنه الروح الممنوحة من الإبداع الجمالي الذي ينبغي أن يملأ كل تفاصيل وجزئيات حياتنا ويغمر فضاءات عيشنا الاعتيادية والمليئة بدواعي القهر المعيشي ومنغصات الحياة اليومية. ولأن المبدعين في حياتنا كالنحل في سعيه لامتصاص رحيق الأزهار في الطبيعة ثم تحويله عسلا مصفى حلو المذاق، فإن وجودهم في أي تجمع بشري يعتبر مسألة حتمية، وغيابهم هو جريمة اغتيال متعمد مع سبق الإصرار والترصد للحياة. ومن العناصر الحيوية المرتبطة بالإبداع الجمالي هو الحلم، فلا إبداع بدون حلم، والحلم في حقيقته رفض وتمرد على واقع بئيس، وهو انقلاب على رتابة وسكون قاتليْن للوجود، وهو ثورة على القبح وبشاعة الحياة في تعددها. القبح في حقيقته اعتداء سافر على عذرية الطبيعة وجمال الوجود.


من هذا المنطلق وبهذا الأفق المنفتح تحتاج مدينتنا الأصيلة إنزكان إلى إطلاق العنان للحلم الإبداعي في أرجائها من أجل تخليصها من بشاعة القبح العمراني والتشوه الحضري والقتامة المجالية والجفاف الروحي، ومن آليات الحلم فتح المجال وتنويع الفرص أمام المبدعين بتعدد مواهبهم لإطلاق العنان للحلم المُخَـلِّصِ من البشاعة والمستعيدِ للمتعة البصرية والسمعية وللتذوق الروحي والراحة النفسية مع ما يتطلبه ذلك من تعبئة الموارد وتوفير الإمكانيات المادية والدعم اللازم لهم. يجب أن تتحول المدينة إلى ورش إبداعي مفتوح تتعانق فيها ملتقيات الإبداع الأدبي بكل أجناسه من شعر ورواية وقصة وأقصوصة وخاطرة.. مع أروقة معارض الفن التشكيلي والتصوير الإبداعي إلى جانب مهرجانات وملتقيات الإبداع المسرحي والفن السينمائي والمتعة الموسيقية وكل فنون الشارع كالحلقة. وهنا نستحضر الفضاءات المحتضنة لهذا الحلم الإبداعي من مركبات وصالونات وساحات للثقافة والفنون والتي قد تحتاج إحداثا أو تأهيلا، وليس ذلك كله صعبا بالبات والمطلق وبالتجربة التدبيرية إن توفر الاقتناع وتوفرت الإرادة، ولم يكن الهاجس هو الانتفاع الريعي والهوس المصلحي والإشباع الغريزي البهيمي.

من مجالات الإبداع الجمالي كذلك المجال الأخضر عبر توفير الحدائق المؤهلة بنيويا وجماليا وتوسيع مساحات الفضاء الأخضر بما يضمن توازنا إيكولوجيا داخل المجال الترابي للمدينة ويوفر بنيات بيئية بالرونق المطلوب لاستقبال ساكنة المدينة وزوارها والاستجابة لحاجتهم من لحظات المتعة البصرية والهدوء النفسي والاستمتاع الطفولي. ولعل من أقرب مظاهر هذا الإبداع الجمالي وأكثرها التصاقا بالمواطن بل وإشراكا له وانخراطا منه في العمل الجماعي المدني هو التهيئة الجمالية والبيئة للأحياء. وقد عرفت مدينة إنزكان تجارب نوعية لعب فيها المجتمع المدني من خلال جمعيات الأحياء والسكان دورَ المنتج للفكرة والمعبئ للإمكانيات والآليات والمنفذ في الميدان في غياب تام للمؤسسات المنتخبة، فأعطتنا قطعا فنية رائعة وجداريات بديعة جذابة كما هو الشأن حاليا ونموذجا في درب أونجار بحي تراست، وقبله في ساحة إيمي واتراع وفي حي بوزكار وإيكي ن الجرف وإيمي إحشاش بحي الجرف وحي أسايس والحي الحسني(تاغزوت) بإنزكان المركز. وقد كانت هناك تجربة مرتبطة بالمؤسسة الجماعية(جماعة إنزكان) اغتيلت في مهدها قبل أن تينع وتبلغ أشدها وتثمر؛ إنها “مسابقة “أجمل حومة”، ولا بد هنا من وقفة اعترافية واعتبارية لشخص كان له فضل إبداع الفكرة والتصور والخطة العملية للتنزيل في الواقع؛ ولست هنا بصدد تلميع صورة أو استمالة شخصية هو سيد نفسه وفي غنى عن ذلك، ولكنه الاعتراف الذي يفرض نفسه موضوعيا ولا شيء غير الاعتراف، إنه الإطار والكفاءة محمد مناكل الذي استلهم أنفاس التجربة الشمالية في كل من مدينة أصيلا العريقة في تجربتها ومدينة شفشاون وغيرها بهدف المحاكاة واقتفاء الأثر والتجريب في أفق التجويد، وكانت المبادرة ستعرف نجاحا متدرجا، لكن التجربة عثَّرَها المتحذلقون الذين أكثروا من الكلام السفسطائي في الوصف والتقييم وضرورة توفير كل الشروط التي هي في حقيقتها تعجيزية تيئيسية إحباطية، وقام باغتيالها أصحاب الحسابات الانتخابوية الداخلية. وأستحضر هنا كذلك، وبنفس المنطلق والمنطق الذي يُبعد ويُنئي رذائل التلميع والاستمالة والمحاباة، رجلا آثر مساحات الظل ولم يكن له صخب إعلامي لأنه كان رجل الميدان بامتياز؛ إنه الدكتور حسن الدمان الذي لمست لديه، وبكل أمانة، هوسا يوميا بفكرة ومشروع المدينة المتمدنة، وكان في كلامه اليومي، في الاجتماعات واللقاءات الرسمية والتدبير الإداري في مكتبه أو في الميدان، حضور قوي للانشغال الجمالي وتجديد المشهد الحضري، وكان حديثنا المشترك اليومي عن ديناميكية التأثيث الإبداعي للفضاء العام وعن استعادة القيم التاريخية والتراثية والثقافية في نقط شاهدة قادرة على منح الاستدامة والاستمرارية للإحياء الهوياتي للمدينة.

إن إعادة تأهيل المدينة بروح الإبداع الجمالي المؤسس على فكرة الحلم يتطلب تحريرا للحرية الإبداعية. الفنان والمبدع الجمالي ملك للجميع وليس هناك مجال للعلاقة المشروطة بين الإبداع والاتباع، والمبدع ليس مجبرا ليلعب دور الملمع والمرصع للفاعل الحزبي والمدبر المنتخب، بل إنه من العبث أن تسمع عن فنان موال لتيار حزبي. للأسف الشديد أننا عشنا هذه المرارة القاتلة تجاه المبدع تحت مقصلة هذا معي وهذا ليس معي حتى لا أقول هذا ضدي، وكأننا نعيش زمن البلاطات السلطانية التي يحضرها الشعراء للمدح والفخر والتملق مقابل صرة دنانير، وعندما يتحول أحدهم إلى الهجاء بسبب التهميش والإقصاء والإبعاد يكون مصيره إصدار حكم غيابي لقتله، وتخصص في حقه جائزة مالية لمن قتله وخلص منه العباد والبلاد. إننا حين نمنح المبدعين الجماليين حريتهم فإننا في عمق الحقيقة نحرر الإبداع من كل الاصطفافات السياسية والتلونات الحزبية ومن كل الولاءات وأشكال الخضوع والخنوع والإبداع تحت الطلب والتطبيل والتزمير. إننا نخلص المبدع من سطوة السؤال الإشكالي الهامليتي(نسبة إلى الشخصية المسرحية هامليت للمبدع المسرحي وليام شكسبير): “أكون أو لا أكون، ذلك هو السؤال”.

المبدع، بعيدا عن كل التهويمات والتحليقات والشطحات، هو مهندس الأحلام الممكنة وكذلك المتاحة بكد ومشقة، وهو الحارس اليقظان للتراث التاريخي والمعرفي والقيمي والجمالي، وهو المؤهل لمنح حياتنا إمكانية عيشها بقيمة، وإذا استمر إقصاؤه وتهميشه والتقليل من عطائه بمدينتنا فسيصبح الإبداع أسطورة تحكى وسيصير المبدع كائنا منقرضا لا قدر الله. ويبقى الأمل في المستقبل في نساء ورجال يدركون قيمة الجمال في أي تجمع حضري.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


7 + 1 =