ارتفاع نسبة الهدر المدرسي رغم توالي الإصلاحات في التعليم

موند بريس / محمد أيت المودن

تراكمت مشاكل التعليم بشكل مهول خلال السنوات الأخيرة، بتسجيل ارتفاع نسبة الهدر المدرسي بشكل مهول، إذ انتقلت نسبة الانقطاع عن الدراسة في التعليم الإعدادي والثانوي من 10,4 إلى 12,2 في المئة، والأزمة نفسها يعرفها قطاع التعليم العالي، حيث 16,5 في المئة من عدد الطلبة الجدد في سلك الإجازة ينقطعون عن الدراسة في السنة الأولى، كما تقدر النسبة الإجمالية للانقطاع عن الدراسة بدون الحصول على أي شهادة وبدون احتساب عدد السنوات المستهلكة بـ 47,2 في المئة. وأمام هذه الأرقام الصادمة، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في وضع إصلاح حقيقي لقطاع التعليم، رغم وضع وصفات تجريبية من طرف الوزراء الذين تعاقبوا على تدبير القطاع، لكنها محاولات باءت بالفشل، ما جعل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يدق ناقوس الخطر بخصوص وضعية التعليم بالمغرب، محذرا من مغبة إرجاء إصلاح التعليم تحت أي ذريعة كانت وفي مقدمتها محدودية الإمكانيات المادية، وأكد على أهمية الإسراع في إصلاح المنظومة التربوية قبل تفاقم الأزمة.

 

بنموسى يطلق مشاورات لإصلاح المدرسة العمومية

أطلق وزير التربية الوطنية، شكيب بنموسى، مشاورات وطنية من أجل تجويد المدرسة العمومية، تحت شعار “تعليم ذو جودة للجميع”، وبذلك يكون الوزير بنموسى قد عاد إلى نقطة الصفر، بعد إطلاق العديد من الإصلاحات في عهد الوزراء الذين تعاقبوا على القطاع.

وأكد الوزير أثناء مثوله أمام مجلس المستشارين، الأسبوع الماضي، أن تنظيم هذه المشاورات الوطنية، يمليه بالتحديد هاجس اعتبار إصلاح المدرسة المغربية رهانا وطنيا يهم مختلف شرائح المجتمع المغربي، فضلا عن كونه مسؤولية مشتركة كما أكد على ذلك القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، فالمدرسة تقع في صلب الرهان التنموي بالمغرب، الذي يشكل تحديا مشتركا لتأهيل الرأسمال البشري الوطني، بما يستوجب اعتماد المقاربة التشاركية والذكاء الجماعي والإنصات الهادف في بلورة خطة تنزيل الإصلاح، ومن أجل البناء الجماعي لمدرسة الغد.

وسيتم تنظيم حوالي 6200 مجموعة تركيز على مستوى جميع جهات المملكة و80 لقاء على مستوى الأقاليم بما يسمح بمشاركة أكثر من 15 ألف شخص عبر الورشات التي سيتم تنظيمها، علاوة على عقد لقاءات ترابية تحتضن كل الشركاء والفاعلين بالنظر إلى تقاطع مشاكل المنظومة مع الإكراهات الترابية، ولأن الحلول الميدانية لا يمكن أن تكون بمنأى عن هذه المعطيات المجالية.

وقد اعتمدت الوزارة منهجية التجريب في تنظيم هذه المشاورات، حيث انطلقت مرحلتها التجريبية، بجهة مراكش- آسفي، قبل أن تشمل باقي جهات المملكة.

والجدير بالذكر أن هذه المشاورات، ستستمر إلى متم شهر يونيو 2022، على أساس أن يتم تقاسم مخرجاتها وخلاصاتها بعد استكمال مختلف أطوارها وقنواتها.

وأوضح بنموسى أن هذه المشاورات تأتي تفعيلا للمنهجية الديموقراطية التشاركية المنصوص عليها في دستور المملكة، كركيزة لوضع وتنفيذ السياسات العمومية، وهو ما أكدت عليه أيضاً توصيات النموذج التنموي الجديد بضرورة إشراك المواطنين في صياغة السياسات العمومية وفي تنفيذها وفي تقييمها لاحقاً.

ويجدر التأكيد هنا أن هذه المشاورات الوطنية، لا تنصب على تشخيص واقع منظومتنا التعليمية، فهذا الأخير معلوم في مجمل تفاصيله من خلال مختلف الدراسات التقويمية المنجزة، وعبر مختلف آليات الإنصات واللقاءات التواصلية مع المواطنات والمواطنين، بما فيها تلك التي تمت في إطار صياغة النموذج التنموي الجديد.

وتحدث الوزير عن استثمار خلاصات مختلف عمليات التشخيص في صياغة مشروع خارطة الطريق التي تُعْقَدُ حولها هاته المشاورات، والتي تستشرف المستقبل، برسم الفترة 2022- 2026، بأولويات وأهداف استراتيجية محددة،

وعلاوة على ذلك، عملت الوزارة على إعطاء دينامية خاصة للأوراش المهيكلة والمشاريع الاستعجالية.

وتتجلى هذه الأوراق في مواصلة تنزيل الأهداف الواردة في البرنامج الوطني لتطوير وتعميم التعليم الأولي، وإرساء نظام جديد لانتقاء المدرسين وإعادة النظر في منظومة التكوين الأساس وجعل التكوين المستمر ملزما ودائما وإشهاديا طيلة المسار المهني الوظيفي، ومأسسة الحوار الاجتماعي مع النقابات الأكثر تمثيلية وانطلاق أشغال لجنة النظام الأساسي الجديد الموحد منذ 09 مارس 2022، والتي تُواصل أعمالَها بشكلٍ أسبوعي ومُنتظم، بالإضافة إلى تعزيز خدمات الدعم الاجتماعي وتجويد حكامته بالنظر إلى مساهمته في التشجيع على التمدرس وتعميمه، وإرساء عدة أنواع من الدعم التربوي طيلة السنة الدراسية بدءا من الدعم المدمج داخل الفصول الدراسية والدعم المؤسساتي خارج زمن التعلم بفضاءات المؤسسة والدعم الاستدراكي المكثف.

وأشار بنموسى إلى مشروع خارطة الطريق التي تنبني عليها المشاورات الوطنية، تُحيل في مرجعياتها الاستراتيجية على القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي هو ترجمة  للرؤية الاستراتيجية 2015-2030، كما تستند إلى النموذج التنموي الجديد، إلى جانب البرنامج الحكومي الحالي بالنسبة للمدى المتوسط.

واعتبر الوزير أن خارطة الطريق 2022-2026 التي هي جوهر المشاورات الوطنية تندرج في إطار استمرارية الإصلاح التربوي وتتأسس على مبدأ جوهري يتمثل في ترتيب الأولويات، من أجل تركيز الاهتمام على جودة المدرسة، وتوجيه مجهودات  مختلف المتدخلين والشركاء صَوْبَ العوامل الأكثر تأثيرا في تحكم التلميذات والتلاميذ في التعلمات والكفايات المطلوبة، لأن هذه الأخيرة هي المقياس العملي والفعلي لجودة المنظومة التربوية.

وأوضح الوزير أن خارطة الطريق تتمحور حول ثلاث ركائز أساسية، وهي التلميذ، باعتباره محور العملية التربوية، والمُدرِّس، باعتباره الفاعل الأساسي في تنمية الكفايات والمهارات، والمَدْرَسَة باعتبارها النواة الأساس للإصلاح، والفضاء الحاضن للفعل التربوي.

وعلى هذا الأساس، يضيف الوزير، فإن خارطة الطريق تستهدف تمكين التلميذات والتلاميذ من التحكم في التعلمات الأساس، وضمان استكمالهم للمسار التعليمي الإلزامي، بما يعزز من تفتحهم، ويؤهلهم لتحرير طاقاتهم وقدراتهم وتحقيق ذواتهم؛  وتحفيز الأستاذات والأساتذة، وتثمين أدوارهم، وتجويد تكوينهم، وتعزيز انخراطهم في تجويد المدرسة، وفي تمكين التلميذات والتلاميذ من المعارف والمهارات والكفايات المطلوبة؛ وتوفير مؤسسات تعليمية حديثة ومنفتحة تسهم في إكساب المتعلمين المهارات الحياتية والقيم الوطنية والكونية.

وتسعى وزارة التربية الوطنية إلى جعل المشاورات، أسلوبا شفافا وفعالا في العمل الجماعي، وفي البناء المشترك  والمتواصل للإصلاح، وأكد الوزير أنه لكي يصبح إصلاح المدرسة العمومية شأناً يخص المجتمع المغربي بكل مكوناته، يجب الحرص على انخراط كافة الفاعلين في صياغة وفي تنفيذ خارطة الطريق التي تسعى الوزارة إلى تبنيها.

وبخصوص طبيعة المشاورات الوطنية، كشف الوزير عن الأهداف التي تسعى الوزارة إلى تحقيقها من خلال هذه المشاورات، والتي تتمثل في خلق نقاش مؤسساتي مفتوح مع مختلف الفاعلين والمتدخلين، حول أولويات الإصلاح خلال الخمس سنوات المقبلة، وإِعمال الذكاء الجماعي في إغناء مشروع خارطة الطريق، وتعزيزها بمقترحات نابعة من الميدان، ومن الفاعلين والمتدخلين الأساسيين، وضمان تملك مضامين مشروع خارطة الطريق من طرف الجميع، و حفز الفاعلين الأساسين والشركاء على كافة مستويات المنظومة، على الانخراط الفعال وعلى الالتزام، كل حسب مسؤولياته، في تفعيل خارطة الطريق، بالإضافة إلى رصد الممارسات والتجارب المبتكرة والأفكار الخلاقة، من أجل استثمارها في دعم الإصلاح.

وقد اختارت الوزارة إطلاق هذه المشاورات من قلب المؤسسات التعليمية، تجسيدا لمحورية المدرسة في الإصلاح، وذلك بإشراك المستفيدين الأوائل من خدمات المدرسة، أي التلميذات والتلاميذ وأمهاتهم وآبائهم وأولياء أمورهم، إلى جانب الفاعلين الأساسيين، أي الأستاذات والأساتذة ومختلف مكونات الجسم التربوي، وأكد بنموسى أن استشارة التلاميذ تساعد في تجويد الممارسات البيداغوجية، وقياس درجة الاستعداد للأنشطة الموازية للمدرسة باعتبارها رافعة لتملك القيم والمهارات الناعمة.

ومن أجل توسيع دائرة الإشراك، فقد تم الحرص على أن تشمل المشاورات الشركاء الأساسيين للوزارة، ومكونات المجتمع المدني، والخبراء المهتمين بالشأن التربوي، إلى جانب مغاربة العالم، وتعتمد هذه المشاورات على سياسة القرب من خلال سلمها الترابي الإقليمي وانتهاج الأحواض المدرسية للتفاعل أكثر مع الخصوصيات ومع الواقع التربوي المحلي.

كما تعتمد على قنوات متعددة للإشراك على المستوى الوطني والمحلي، تتجلى في تنظيم ورشات الخيال الإبداعي، ومجموعات التركيز، واللقاءات الترابية، وتنظيم الشركاء للورشات والندوات العلمية والموائد المستديرة، بالإضافة إلى منتديات موضوعاتية مفتوحة لجميع فعاليات المجتمع المدني وكافة المواطنين على المنصة الإلكترونية الخاصة بالمشاورات.

 

أين تبخرت 43 مليار درهم المخصصة للبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم

أصدر المجلس الأعلى للحسابات تقريرا موضوعاتيا حول تقييم المخطط الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية، كشف من خلاله اختلالات خطيرة شابت عملية صرف الاعتمادات المالية المخصصة للبرنامج والتي فاقت مبلغ 43 مليار درهم. كما قام المجلس بمراقبة عدد من الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، خلص من خلالها إلى ضرورة التحقق من ظروف إعداد وبرمجة وتنفيذ المخطط الاستعجالي، وكذا المنجزات التي تم تحقيقها.

وأكد التقرير أن التكلفة المالية الحقيقية للمخطط الاستعجالي تبقى تقريبية، حيث تم تقييمها من خلال اعتمادات الأداء المفتوحة في قوانين المالية وفي الميزانيات الخاصة بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين عن السنوات الممتدة من 2009 إلى 2012، وقد بلغ حجم الموارد المعبأة، بغض النظر عن كتلة الأجور 43,12 مليار درهم، تم الالتزام منها بمبلغ 35,05 مليار درهم، فيما وصلت الأداءات الفعلية إلى 25,15 مليار درهم، أي بمعدل أداء قدره 58 في المائة، وتبقى هذه النسبة أدنى من معدل تنفيذ الميزانيات القطاعية المسجلة على مستوى الميزانية العامة للدولة خلال الفترة نفسها. وسجل حجم الاعتمادات المفتوحة، والتي تعكس مجهود الدولة لفائدة قطاع التعليم، خلال فترة المخطط الاستعجالي، ارتفاعا بنسبة 230 في المائة، مقارنة مع الاعتمادات التي تم رصدها لهذا القطاع خلال السنوات الأربع التي سبقت هذه الفترة، غير أن الأداء يبقى ضعيفا، سواء على مستوى الالتزام بالنفقات أو على مستوى معدل صرفها، ويرجع ذلك بالخصوص إلى ضعف القدرات التدبيرية من حيث تنفيذ المشاريع، ومن حيث التدبير المالي والمحاسبي.

وعلى مستوى الاختلالات، سجل التقرير نقصا في الطاقة الاستيعابية، حيث ما زالت الإنجازات المتعلقة بتوسيع العرض المدرسي غير كافية، فمن أصل 1164 مؤسسة المبرمجة ضمن أهداف المخطط الاستعجالي تم إنجاز 286 مؤسسة فقط، أي بمعدل إنجاز لا يتجاوز 24,6 في المائة، أما في ما يتعلق بالهدف المتمثل في توسيع المؤسسات الموجودة، وذلك ببناء 7052 حجرة درس جديدة، فإن الإنجازات لم تتجاوز 4062 حجرة، أي بمعدل إنجاز في حدود 57,6 في المائة، بالإضافة إلى عدم تغطية جميع الجماعات القروية بالإعداديات، فقد استقرت نسبة التغطية في 66 في المائة برسم موسم 2016/2017، مقابل 52,8 في المائة برسم 2008/2009.

كما سجل التقرير عدم تنفيذ جميع مشاريع القطب البيداغوجي، حيث خصص المخطط الاستعجالي حوالي 12 مليار درهم لتنفيذ عشرة مشاريع ضمن القطب البيداغوجي، لكن وعلاوة على حجم النفقات الهامة التي صرفت، لم يتم استكمال جميع التدابير المرتبطة بمشاريع هذا القطب، ويتعلق الأمر على الخصوص بالمناهج الدراسية، وإرساء نظام فعال للإعلام والتوجيه، ودعم التمكن من اللغات وتحسين النظام البيداغوجي. كما يلاحظ أن بعض المشاريع تم توقيفها بعد الشروع في تنفيذها، وذلك بسبب غياب رؤية مندمجة للإصلاح المنشود. وفي ما يتعلق بالهدر المدرسي، والذي يعزى لأسباب متعددة، أكد التقرير أنه لا يزال يشكل تحديا حقيقيا لنظامنا التعليمي لأجل تحسين مردوديته الداخلية، فرغم أن معدل الهدر سجل انخفاضا مهما ما بين سنتي 2008 و2012، إلا أنه عاد ليسجل ارتفاعا خلال الموسم الدراسي 2016/2017 بعدد يناهز 279 ألف تلميذ.

واعتبر المجلس الأعلى للحسابات أن المخطط الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية لم يحقق جميع أهدافه، كما أنه لم يكن له التأثير الإيجابي المتوقع على منظومة التربية، باعتبار أن الوزارة المعنية لم تعتمد بشكل كاف بعض المرتكزات اللازمة لإنجاح أي سياسة عمومية، عند مراحل التخطيط والبرمجة والتنفيذ والحكامة.

 

الملك محمد السادس يولي اهتماما خاصا لقطاع التربية والتكوين

حملت الخطابات الملكية الكثير من الانتقادات الصريحة والمباشرة للحكومات السابقة بسبب تجاهلها لقطاع التربية والتكوين، وعدم مواصلتها للبرامج والمخططات التي يتم وضعها للنهوض بهذا القطاع الحيوي. ووقف الملك في خطبه على مكامن الضعف والاختلالات بقطاع التعليم التي تدفع الأسر المغربية إلى تدريس أبنائها بالقطاع الخاص أو بمدارس البعثات الأجنبية.

وأكد الملك أن قطاع التعليم يواجه عدة صعوبات ومشاكل، خاصة بسبب اعتماد بعض البرامج والمناهج التعليمية التي لا تتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، فضلا عن الاختلالات الناجمة عن تغيير لغة التدريس في المواد العلمية، من العربية في المستوى الابتدائي والثانوي، إلى بعض اللغات الأجنبية في التخصصات التقنية والتعليم العالي. وهو ما يقتضي تأهيل التلميذ أو الطالب، على المستوى اللغوي، لتسهيل متابعته للتكوين الذي يتلقاه، مبرزا الدور الذي يقوم به الملك شخصيا للنهوض بقطاع التعليم، بالعمل على تمكين المدرسة من الوسائل الضرورية للقيام بدورها في التربية والتكوين، والسهر على توفير البنيات التحتية الضرورية، بمختلف جهات ومناطق المملكة، من طرق وماء صالح للشرب وكهرباء، ومساكن للمعلمين ودور للطالبات والطلبة وغيرها، «كلها تجهيزات أساسية مكملة لعمل قطاع التعليم، لتمكينه من النهوض بمهامه التربوية النبيلة»، يقول الملك.

ودعا الملك إلى عدم إقحام القطاع التربوي في الإطار السياسي المحض، ولا أن يخضع تدبيره للمزايدات أو الصراعات السياسوية، وشدد على ضرورة وضع القطاع التربوي في إطاره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، غايته تكوين وتأهيل الموارد البشرية، للاندماج في دينامية التنمية، وذلك من خلال «اعتماد نظام تربوي ناجع»، مؤكدا على أن الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات.

ومن خلال تشخيصه للحالة التي وصل إليها التعليم بالمغرب، قال الملك «غير أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة. وهو ما دفع عددا كبيرا من الأسر، رغم دخلها المحدود، لتحمل التكاليف الباهظة لتدريس أبنائها في المؤسسات التعليمية التابعة للبعثات الأجنبية أو في التعليم الخاص، لتفادي مشاكل التعليم العمومي، وتمكينهم من نظام تربوي ناجع»، وفي هذا الإطار دعا الحكومة الحالية إلى تفعيل المقتضيات الدستورية بخصوص المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

وسبق للمجلس الأعلى للتربية والتكوين أن أثار مشكل تمويل التعليم في التقرير الصادر عن المجلس، إذ وقف على مكامن الخلل والضعف في تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين خلال العشر سنوات الأخيرة. وسجل تقرير صادر عن المجلس أنه من المتوقع أن يصل عدد الطلبة في غضون 2021-2022 إلى 1,5 مليون طالب، علاوة على تنويع مصادر تمويل التربية والتكوين وتحدي إدخال الإصلاح للفصول الدراسية وإشكالية المسألة اللغوية، وتحدي التحولات العميقة في مهنة التدريس والجامعة في مواجهة التنافس الدولي وخطر الفجوة الرقمية وتحدي مجتمع المعرفة وكسب تحدي الجودة. ولاحظ التقرير أنه على الرغم من الزيادة في الميزانية المخصصة لنظام التربية والتكوين بنسبة 7,15 في المئة على مدى الفترة الممتدة من 2001 إلى 2013، فإن هذا المجهود المالي يحد من نجاعته الانقطاع عن الدراسة خلال عشرية الإصلاح، حيث أفاد التقرير بهذا الصدد، بأنه ما بين 2000 و2012 وصل عدد التلاميذ المنقطعين عن الدراسة قبل بلوغ السنة الأخيرة من التعليم الإعدادي حوالي ثلاثة ملايين منقطع وعدد التلاميذ المنقطعين عن الدراسة قبل بلوغ السنة الأخيرة من التعليم التأهيلي 1,3 مليون منقطع، فيما بلغ عدد التلاميذ المنقطعين في سنة الباكلوريا خمسة ملايين و580 ألف منقطع. وأبرز التقرير ذاته أنه لم يتم بعد البلوغ بعملية التعميم إلى غاياتها القصوى، لاسيما جراء النقص في التمفصل بين التعليم المدرسي والتكوين المهني والتعليم العالي، فضلا عن أن مساهمة التعليم الخاص تمركزت في المدن الكبرى، دون إغفال الصعوبات والمعيقات التي تعاني منها الأسر المعوزة، خصوصا في العالم القروي.

 

الميراوي يقبر نظام الباكالوريوس الذي وضعه أمزازي

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أخيرا بمجلس النواب، عن إقبار نظام الباكالوريوس الذي أطلقه سلفه الوزير السابق، سعيد أمزازي، تزامنا مع نهاية الولاية الحكومية السابقة، وشرعت بعض المؤسسات الجامعية في تنزيله منذ الموسم الجامعي الحالي.

وأوضح الميراوي، في رده على سؤال شفوي بمجلس النواب حول «نظام الباكالوريوس»، أن تنزيل نظام الباشلور في بعض المسالك كان تجريبيا، على أن يتم النظر في إمكانية تعميمه مستقبلا، إلا أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أبدى عدة ملاحظات بخصوص هذا النظام، معتبرا أنه يطرح مجموعة من الصعوبات التنظيمية والتدبيرية.

وأبرز الميراوي أهم النقاط التي تناولها تقرير المجلس، وتتعلق بتمديـد مـدة التكويـن بالسـلك الأول مـن التعليـم العالـي بسنة إضافية، اقتصـر علـى إرسـاء وحـدات الكفايـات الحياتـية والذاتـية ووحـدات الانفتاح، وأفضـى إلـى تقليـص فـي الغـلاف الزمنـي المخصـص للوحـدات المعرفيـة من % 80 إلى % 54؛

عدم إبراز البعد المهني لسلك البكالوريوس، كما يوضح ذلك غياب وحدات ممهننة في هيكلته البيداغوجية، بالإضافة إلى عدم وضوح التصور الذي سيعتمد لتنويع العرض التكويني لمؤسسات الاستقطاب المفتوح وملاءمته مع الحاجيات التنموية، كما لم تتم الإشارة إلى كلفة تعميم الباشلور أو حتى انعكاساته على جودة منظومة التعليم العالي، فضلا عن أن إشكالية التأطير البيداغوجي في المؤسسات ذات الولوج المفتوح تظل مطروحة، خصوصا في ما يتعلق بالتكوين في اللغات والمهارات الأفقية بالنظر إلى العدد المرتفع للطلبة بهذه المؤسسات.

وأخذا بعين الاعتبار النقاط سالفة الذكر، يضيف الوزير، ونظرا لغياب النصوص التشريعية المؤطرة له، فقد تقرر التراجع عن تعميم نظام الباشلور والاستمرار في العمل بنظام الإجازة كما هو معمول به حاليا، مع العمل على بلورة إصلاح شامل للمنظومة، وفق مقاربة تشاركية ابتدأ العمل بها بالتنسيق مع جميع الفاعلين، حيث قامت الوزارة بإطلاق سلسلة من المشاورات من أجل بلورة المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

وأكد الميراوي أن من بين طموحات هذا المخطط الوطني إرساء إصلاح بيداغوجي شامل ومندمج، واعتماد مقاربات متجددة ومبتكرة، بما في ذلك إدراج الكفايات الذاتية والحياتية كجزء لا يتجزأ من مسار التكوين بغية تعزيز قابلية التشغيل لدى الخريجين، ودعم قدراتهم على التكيف مع التطورات المتسارعة لسوق الشغل، بالإضافة إلى تملكهم للحس المدني وقيم المواطنة المسؤولة، والتطوع الجمعوي، والإلمام بالتاريخ العريق للمملكة وروافدها الثقافية ورموزها.

وبخصوص مصير الطلبة الذين تم تسجيلهم في نظام الباكالوريوس، أفاد الوزير بأن كافة الطلبة المسجلين في مسالك الباشلور المفتوحة برسم السنة الجامعية 2021-2022، تم إدماجهم في مسالك الإجازة المعتمدة في الدراسات الأساسية أو مسالك إجازة جديدة في التخصص نفسه مع الحفاظ على المكتسبات التي تم إنجازها.

 

هل ما زال الحديث عن إصلاح التعليم مطروحا؟

يجب التأكيد على أنه منذ حصول المغرب على الاستقلال ومنذ سنة 1956، شهد المغرب حوالي 13 إصلاحا لقطاع التعليم، وكل إصلاح ينطلق من كون الإصلاح السابق قد فشل، وهو الأمر الدال، والذي يجعلنا نعيش مع قطاع التعليم «حكاية سيزيف والصخرة»، والحالة هذه لا نستغرب أن الوزارة الوصية، وبعد وضع الحكومة السابقة لما تعتبر أنها خريطة إصلاح القطاع، نعود اليوم لنطرح السؤال  السابق نفسه حول سبل إصلاح المدرسة العمومية، وتدشين ورشات ومشاورات حول النهوض بالمدرسة المغربية، وهو ما يستشف منه أن خريطة إصلاح التعليم ما زالت غير واضحة للفاعلين الرئيسيين في القطاع، وبالتالي من الصعب أن تخرج هذه المشاورات بنتائج ملموسة، خصوصا إذا علمنا أنه قد سبق وعقدت وزارة التربية الوطنية في عهد الوزير الحبيب المالكي، مشاورات مماثلة، ولم تخرج بنتيجة تذكر.

انطلاقا من كل هذا، يمكن الجزم بأن الغائب الأكبر هو الإرادة الحقيقية لإصلاح التعليم، بل الأكثر من هذا أننا نشك في أن هناك إرادة حقيقية لإصلاح التعليم، وذاك ليس اليوم، بل من خلال المؤشرات في السنوات السابقة، وهي المؤشرات التي تعبر عن إرادة لعدم إصلاح التعليم من سنة 1965 وانتفاضة 23 مارس، وما لحقها من أحداث بعد المذكرة الشهيرة التي تقيد سن الولوج إلى التعليم الثانوي، ويمكن القول إنه منذ ذلك الحين برز توجه يعتبر أن التعليم العمومي أصل المشكل، وقد تكرر هذا الأمر في سنوات الثمانينيات من خلال الموقف من التعليم على أنه يخرج معارضين من الإسلاميين واليساريين، وهذه المؤشرات التاريخية تجعلنا اليوم نتساءل، هل هناك فعلا إرادة حقيقية لإصلاح التعليم؟ وهذا هو السؤال المطروح اليوم، ولدينا طموح  في أن تتوفر هذه الإرادة السياسية، من أجل تمتيع المغاربة على قدم المساواة من تعليم عمومي جيد للجميع، وهو ما نعتبره مسؤولية الدولة، وليس أن ننمي التعليم الخصوصي على حساب العمومي، وأن يبقى التعليم الخصوصي للخواص لا أن تستثمر فيه الدولة، وفعلا قد لمسنا من خلال خطاب شكيب بنموسى، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، هذا التوجه نحو المدرسة العمومية، لكننا اليوم ننتظر نتائج التنزيل الذي سيتم لهذا الخطاب، حيث نأمل أن يتضح لنا في القادم انخراط الدولة في تأهيل وتطوير التعليم العمومي، ونحن نعتبر أن المنافسة في قطاع التعليم غير سليمة، وعلى الدولة أن تشجع التعليم العمومي بكل ثقلها وتكبح تغول وتوسع التعليم الخصوصي، وليس العكس.

 

هل المشاورات الأخيرة التي أطلقتها الوزارة الوصية، يمكن أن تشكل مدخلا للإصلاح المنشود؟

إن ما نعتبره مدخلا أساسيا لتطوير القطاع، هو تشجيع المدرسة العمومية، ونعتبر أنه من الضروري فتح حوار وطني، ومن أعلى المستويات حول التعليم وإصلاح التعليم، وهو الإطار العام الذي من شأنه أن يفتح باب مشاركة واسعة ولجميع الأطراف الفاعلة في القطاع في هذا الإصلاح، على اعتبار أن الحاجة إلى إصلاح التعليم قائمة، ولا مفر للجميع إلا من الإقرار بتدهور التعليم في المغرب، ويكفي الرجوع إلى الدراسات والإحصائيات والتقارير لأغلب المنظمات الدولية، التي تعنى بقطاع التربية والتعليم، لنجد أن التعليم في المغرب غالبا ما يتم ترتيبه في مراتب متدنية، سواء في اليونسكو وغيرها، ناهيك عن الإقرار الوطني، المتمثل في البحث الذي صدر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والذي يؤكد على أن التعليم المغربي في وضعية سيئة على مستوى المدرسة ككل، وأساسا بالمدرسة العمومية، وبالتالي هناك حاجة ملحة إلى فتح النقاش حول واقع التعليم وضرورة إصلاحه، لكن على أن يكون هذا النقاش سياسيا وليس فقط تقنيا كما في التدبير السابق، ويجب أن يكون هناك نقاش يشرك جميع الأطراف من الوزارة والحكومة والنقابات والأساتذة والفاعلين والخبراء، وأيضا الآباء والأولياء، وحتى الإعلام كذلك، ويكفي أن نقف عند رقم أن ما بين 300 و400 تلميذ يغادرون المدرسة كل سنة، وهذا رقم رسمي عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وهو الرقم الذي يجعلنا نقر بأننا ما زلنا ننتج الأمية والبطالة وكل المظاهر التي يمكن أن تترتب عنها، ومنها عدم القدرة على تحقيق التنمية والنهضة الحقيقية للبلاد.

 

لماذا تم إقبار جميع برامج الإصلاح السابقة؟

لقد عرف القطاع سلسلة من برامج الإصلاح وصلت كما أشرت إلى 13 برنامجا للإصلاح، وهو الأمر الذي  نرجعه إلى غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح في تاريخ  المغرب، على اعتبار أن كل هذه الإصلاحات ترى بأن التي سبقتها كانت فاشلة، وقد كانت هناك عدد من الخطوات والمبادرات التي خلفت كلها هذه النتائج التي أمامنا، والواقع لا يرتفع، ويمكن  القول إن البلاد قد فشلت في إنجاز إصلاح التعليم، وهو الإصلاح الذي فشلنا فيه جميعا، وأوكد على ضرورة توفر الإرادة الحقيقية، وبدون هذه الإرادة لا يمكن الحديث عن إصلاح منتج ويرقى بالمدرسة المغربية، وكل المبادرات السابقة خلفت هذه  النتائج التي أمام أيدينا اليوم.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


71 + = 76