إشكالات العملية الانتخابية :-نمط -الاقتراع والتقطيع الانتخابي

موند بريس: يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية.
أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية عين الشق -الدار البيضاء

إن البحث في ما أثاره موضوع
الانتخابات من إشكالات متعددة مرتبطة أساسا بمحددات النظام الانتخابي المتمثلة في نمط الاقتراع (أولا)، والتقطيع الانتخابي (ثانيا) ،هو ضرورة أساسية كونها لها انعكاس على إفراز نخبة برلمانية معينة ،وبالتالي تعتبر مداخل أساسية ومؤثرة في مسار البناء المؤسساتي للبرلمان .
أولا : تأثير نمط الاقتراع
تتجلى أهمية اختيار نمط معين من الاقتراع إلى ما يشكله هذا الأخير من تأثير على العملية الانتخابية من حيث اعتماده كمقوم أساسي في ضمان تمثيلية أكبر للناخبين وإضفاء طابع الشفافية والنزاهة على الانتخابات .
وعليه تقوم مختلف الدول بتبني نمط من الاقتراع يتلاءم مع طبيعة نظامها السياسي والوظيفة التي تؤديها الانتخابات ، وعلى هذا الأساس نص المشرع المغربي على الأخذ بنمط الاقتراع الأحادي الاسمي منذ الانتخابات التشريعية الأولى 1963 بخصوص انتخاب أعضاء مجلس النواب ونمط التمثيل النسبي على أكبر يقية ودون استعمال طريقة المزج بين الأصوات أو التصويت التفاضلي في انتخاب أعضاء مجلس المستشارين، وذلك اقتداء بالانظمة البرلمانية المقارنة ،ثم أن طريقة انتخاب أعضاء مجلس النواب لذي يتم عن طريق الاقتراع المباشر .
إلا أن الوضع تغير مع دساتير1970 و1972 و1992 ،حيث تم إلغاء الغرفة الثانية ،وأصبح انتخاب أعضاء مجلس النواب يتم عن طريق الاقتراع الأحادي الإسمي بالنسبة للثلثين من الأعضاء ، والتمثيل النسبي عل أساس أكبر بقية ودون استعمال لطريقة المزج بين الأصوات والتصويت التفاضلي للثلث الباقي ،إلى حدود 1996 ،حيث تم العودة إلى نظام الغرفتين ، وعلى ضوء ذلك تم الاحتفاظ بنفس نمط الاقتراع –الأحادي الإسمي- بالنسبة لأعضاء مجلس النواب ،ولاقتراع بالتمثيل النسبي اللائحي بالنسبة لأعضاء مجلس المستشارين .
وعلى الرغم من البساطة التي يتميز بها الاقتراع الأحادي الاسمي ،حيث يسهل على الناخبين التعرف على المرشحين والاطلاع على برامجهم مما يساعد على حسن تحديد اختياراتهم والتصويت على من اقتنعوا بجدية أفكارهم ، فإن هذه الخصائص وإن كانت وجيهة من الناحية النظرية ،فإنه على مستوى الممارسة أدت إلى تكريس مجموعة من السلبيات ،وساهمت إلى حد كبير في إفساد العديد من الاستحقاقات الانتخابية،حيث أدى هذا النمط إلى خلق علاقات شخصية بين المرشح والناخب ،مما يؤدي إلى الحفاظ على نفس الشخصيات النيابية ، وهو ما يلاحظ على مستوى العديد من البرلمانيين المغاربة الذين تمت إعادة انتخابهم عدة مرات ،كما أن هذه العلاقة الناتجة عن صغر الدائرة الانتخابية جعلت النائب البرلماني يتحول عمليا إلى مكلف بالشؤون المحلية أكثر منه إلى الشؤون الوطنية .
وللقطع مع هذه الممارسات السلبية تم العمل بنمط الاقتراع النسبي اللائحي منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2002 و2007 ، وهو ما تكرس في انتخابات 25 أكتوبر لسنة 2011 ،والتي جرت في سياق دستور جديد ، وعلى ضوئه كذلك جرت الانتخابات التشريعية لسنة 2016،نظرا لأن نمط الاقتراع الأحادي الاسمي ساهم إلى حد كبير على مدار الاستحقاقات التشريعية ،في التأثير على السلوك الانتخابي للكتلة الناخبة ذلك أن معيار الاختيار لا يكون على أساس البرنامج الذي يتقدم به الحزب ، ولكن عل أساس الشخص ، وهو ما يؤدي إلى تكريس الولاءات الشخصية والزعامات التقليدية.
وفي هذا الإطار ،يمكن القول إن النتائج المطعون فيها خلال التجارب الانتخابية بالمغرب قد أبانت عن قصور الاقتراع الفردي ذي الدورة الواحدة في تنظيم الحياة السياسية وعقلنتها ، بل وحتى للوصول إلى نفس النتائج والآثار المترتبة عنه في الأنظمة الديمقراطيةالعالمية ، بل عمل على تجدير ممارسات أعطت جسما انتخابيا عليلا بالمغرب ، رغم الآليات والأدوات التي كانت تسبق كل عملية انتخابية ، تعديل دستوري ، لجان اقليمية لمراقبة الانتخابات ،توافقات ، ميثاق شرف .
ثانيا : تأثير التوظيف السياسي للتقطيع الانتخابي
يشكل التقطيع الانتخابي أهمية مركزية في رسم السياسات الانتخابية في إطار الأنظمة الانتخابية الديمقراطية والتنافسية حيث يتحول إلى أداة لمنح مختلف المرشحين حظوظا متساوية للفوز بمقاعد البرلمان أو المؤسسات المحلية المنتخبة. فالأمر هنا لا يتعلق بمسألة شكلية؛ بل بعامل أساسي في توجيه الانتخابات؛ فهو آلية سياسية قبل أن يكون آلية تقنية لذلك يعد من العوامل الأساسية المؤثرة في النتائج الانتخابية؛ إذ يحدث أثرا مباشرا على نتائجها . كأن يتم رسم حدود بعض الدوائر بطريقة تؤدي إلى جمع الأصوات الموالية لحزب أو مرشح منافس داخل حي واحد أو اثنين على الأكثر بحيث يحصل هذا الحزب أو المرشح على أغلبية ساحقة هنا في حين يصبح نصيبه من الأصوات في بقية الدوائر هزيلا للغاية . لذا تحرص الدول الديمقراطية على أن تسند مهمة التقطيع الانتخابي إلى هيئة مستقلة عن الحكومة والبرلمان مثلما هو عليه الحال في بريطانيا استراليا؛ كندا ؛ جنوب إفريقيا .
كما تحرص العديد من الأنظمة الديمقراطية على تحقيق المساواة في مسألة التقطيع الانتخابي فقد قضت المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية بأن شرط الحماية على قدم المساواة يعتبر مشروع تقسيم الولاية لدوائر في انتخابات الكونغرس غير دستوري لأنه أخفق في تحقيق المساواة بين الناخبين في كل دائرة . بحيث أن تفاوتا صغيرا يصل إلى 0.6984 في المائة يعتبرغير دستوري .
و يتأثر التقطيع الانتخابي بنمط الاقتراع بشكل ملحوظ؛ فالاقتراع الأحادي الاسمي يقتضي وجود دوائر صغيرة فيما يتطلب الاقتراع بالتمثيل النسبي توزيع الدوائر إلى دوائر كبرى قد يفضي عدم استحضار هذه المعطيات إلى إحداث نوع من اللا تناسب بين الإطار المرجعي للانتخابات والوحدة الإدارية القائمة حيث يتم توزيع الناخبين على دوائر مثلما كان عليه حال المغرب قبل أن يتبنى نظام الاقتراع بالتمثيل النسبي وفق اللائحة المغلقة.

إذن التقطيع الانتخابي القائم بالمغرب لا يسمح بتمثيلية فعلية لكل الناخبين مما يخلق تناقضا بين وظيفة البرلمان الرئيسية وهي تمثيلية ،وبين استمرار وجود فئات اجتماعية غير ممثلة على الرغم من مشاركتها في الانتخابات ضمن الهيئة الناخبة ، حيث تقوم السلطة المكلفة بالتقطيع على اصطناع دوائر متساوية من حيث عدد سكانها لمنها تعسفية في هندستها ،بحيث تشتت بعض الدوائر التقليدية على دوائر جديدة ، أو تربط دوائر حضرية بأخرى قروية أو تمزق وحدة المدينة ،مما يؤكد أن التقطيع الانتخابي في المغرب يخضع لمنطق سياسي يتماشى مع استراتيجية السلطة السياسية وعملها في تزوير إرادة الناخبين ،وإضعاف المؤسسة التمثيلية لصالح المؤسسات المعنية التي تستمد شرعيتها من ظهير التعيين الملكي وليس من الاختيار الشعبي . وبفعل النية الدائمة للسلطة في تهميش وإقصاء بعض النخب البرلمانية من خلال التعديل المستمر لحدود الدوائر الانتخابية ، وذلك إما لتدعيم حزب معين أو إعاقته ،مستدلة في ذلك بالتوجهات السابقة للمصوتين ،مما يترتب عنه تهميش الأحزاب التي تعتمد في أدبياتها وسلوكياتها على المعارضة والنقد ، وتدعيم جانب المرشحين الذين ينهجون سلوك الدعم والموالاة للحكومة ، مما يساهم في حد كبير وعلى مختلف التجارب التشريعية في إفراز نخبة برلمانية تلتزم في سلوكها وأدائها بمختلف الضوابط والقواعد التي تسطرها السلطة السياسية .
إضافة إلى ما سبق ، فالتقطيع الانتخابي يطرح أيضا إشكالات على مستوى الجهة التي يسند إليها مهام الدوائر الانتخابية ، وما يلاحظ في المغرب أن التقطيع الانتخابي هو من اختصاص الحكومة ، حيث تحدث الدوائر الانتخابية بمرسوم ، ذلك أنه لا يندرج ضمن الفصل 46 من دستور 1996 المحدد لمجال القانون سوى التشريع في النظام الانتخابي لمجالس الجماعات المحلية ، في حين ترك أمر تحديد طريقة انتخاب البرلمان إلى القوانين ي الانتخابية .
ولا يشكل إسناد الإختصاص في هذا المجال إلى السلطة التنظيمية تجديدا قانونيا ، إذ تؤكد الممارسة أن إحداث الدوائر الانتخابية بمرسوم أصبح يشكل تقليدا في الممارسة القانونية المغربية منذ دستور 1962، وهو ما يفسر ان تدخل الحكومة في التقطيع الانتخابي لا يكون عن حسن نية ،لان السلطة المركزية دائما تقوم بتأييد بعض الفئات المحلية الحضرية والقروية ، والتي هي معروفة بتصويتها التقليدي ،وهذا ما يسمح لها دائما بتوقع التوجهات الانتخابية وتوقع نتائج الاقتراعات ، وبالتالي ضمان خلق نخبة برلمانية تسهل على الحكومة مهام ضبط سلوكها ودوافعها وفقا لتصوراتها ومواقفها ،مما يؤدي بالنخبة البرلمانية إلى إنتاج نماذج مستقرة للسلوك تتماهى مع ضرورة منح الاستقرار للحكومة والإبقاء على اختلال التوازن بين البرلمان والحكومة لصالح هذه الأخيرة .
وعليه كان من الضروري إسناد الاختصاص للبرلمان في مجال التقطيع الانتخابي ، لأنه يجعله محل المناقشة العامة حول طبيعته مع إمكانية مراقبته من المحكمة الدستورية ،وهو ما تم فعلا مع الدستور الجديد لسنة 2011 ، والذي جعل من النظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية مجالا من مجالات القانون ومن اختصاص البرلمان حسب الفصل 72 ، وبهذا الاصلاح يكون المشرع الدستوري المغربي قد حرص على ضمان احترام المبادئ الدستورية المرتبطة بتساوي الناخبين وتقييم الدوائر الانتخابية بشكل متوازن مع ضمان تمثيلية متساوية بين مختلف الدوائر الانتخابية .
.إن عملية اصلاح الانتخابات لا يمكن اختزالها في تغيير نمط الاقتراع أو إعادة النظر في عملية التقطيع الإنتخابي بالرغم من الإشكالات التي تطرحها ،وإنما العمل على تغيير سلوك الناخبين من خلال تكريس ثقافة سياسية تصب في اتجاه تحقيق الصالح العام ،وجعل الانتخاب كوسيلة لبلوغ مراكز المسؤولية ببعدها الأخلاقي والتسييري ،ومن جهة أخرى تغيير سلوك الهيئة الناخبة في لحظة الانتخابات من خلال إدراكها أن المردودية الفعلية للأصوات الانتخابية في توفير الشغل والصحة والتعليم ….، وإدراكها أيضا أن استثمار هذا الصوت في بناء ديموقراطي يلمس إرهاصاته في سلوكيات الصوت نقدا وفورا .

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


35 + = 44