موند بريس

بكيت الف مرة...!

بكيت الف مرة...!

موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف

النادل يصرخ بأعلى صوته ... فنجان القهوة يا سيدي الفنجان يا سيدي ..إنه هنا تعالى إليه...إنه ليس هو يا صديقي..النادل يجري وراءه في مشهد غريب أثار انتباهي بعد انغماس طويل في قراءة رواية وادي الدماء.
بعد دقيقيتين عاد والنادل معه يتحدثان،يلعن القدر..الظروف التي جعلته يفكر بهذه الطريقة،الرجل الهمجي الذي اغتصب حقه ولم يرحم ضعفه ولا صغر سنه..اللعنة إنها لرابع مرة يحدث هذا،المجتمع لا يرحم..الذين يمتلكون الجاه والسلطان والمال يجب أن يحرقوا جميعا،لقد عذبونا بما فيه الكفاية في الأرض،دون رحمة....هكذا كان يردد الشاب الأسمر النحيل هذه العبارات وملامح البؤس والحزن بادية على محياه،القهوة السوداء المرة تملأ نصف الكوب الصغير....يقترب شيء فشيء الوجه نفسه الذي درس معي أيام ثانوية الجرف الأصفر،الملامح عينها،لكنه تغير كثيرا بعد سنوات لم نلتقي،لم نتبادلأطراف الحديث،غابت الضحكات والمواضيع الهزلية،غاب كل شيء.
عانقته عناق الأم الحنون لطفلها ،بكينا معا بعد سنوات من الفراق المر الطويل،لقد اختار كل واحد منا طريقه،وارغمتنا الظروف على الابتعاد،بعد مغادرتي الجديدة إلى الدار البيضاء...جلس إلي والدموع تملأ عيونه السوداء،وجه شاحب وتقاسيم تحكي مرارة ما مر به وبنا معا من سنوات،بعد برهة من سكون طويل،ابتسم اخيرا وتأمل وجهي وأخذ رشفة من فنجان القهوة وناولني سجارة... عفوا يا صديقي لم أعد كما كنت في السابق لقد انتهى الأمر...استغرب ورد السجارة إلى علبة السجائر،ثم سألني عن صديقي الغالي لاكشمان الغبي...
دار حديث ذو شجون بيننا حول الكثير من الأمور، الدراسة ..الزواج،العمل ..ثم بدأ يناديني بالأستاذ بعدما علم بأمر تخرجي،أكمل كوب القهوة واردفه سجارة كان يستنشق دخانها بمرارة وكأنه مرغم على ذلك،ومع كل زفرة كانت آهات و آلام تخرج من فمه....عادة ما يكرر عبارة الواقع اللعين المر،ولكني سأثبت للعالم أني ليس كباقي البشر....
اعلم ذلك ولكن ما قصتك يا صديقي الغالي؟؟
بعد اسبوع من العمل الشاق المتواصل بدون كلل ولا ملل،كنت أعمل طوال اليوم وأطراف الليل اذا اقتضى الأمر،بشكل جدي دون باقي العمال الذين كانوا يمررون لي رسالة التخادل في العمل والغش المبالغ فيه...لكني كنت اتجاهل ذلك مركزا على العمل والانضباط،معتقدا أن الجزاء سيكون بحجم العمل الذي اقوم به،كنت أنوي أن اتجاوز خمسين درهما لليوم الواحد،الذي يبدأ من طلوع الشمس وينتهي عندما ينتهي العمل،العاشرة ليلا من كل يوم.
كنت مازلت في السابعة عشر من عمري،أصغر عمال مزرعة الحاج علال،واكثرهم حيوية،عادة ما كنت ارتدي سروالا مرقع الثياب،حافي القدمين إلا من حداء قطعت اطرافه من الأمام والخلف وطلت اصابعي كالعصافير،كنت قد رفعته ذات مساء بعد عودتي من العمل...عجزت على شراء قبعة تقيني حر الشمس،الأموال لا تكفي لعام من الدراسة والعيش هناك،الكراء والملابس،الكتب المدرسية،أريد أن اتعب الآن وارتاح باقي حياتي.
في الصباح الباكر اذهب الى العمل ،استيقظ باكرا على صوت جدتي الذي كان يزعجني كثيرا،ثم اتذكر اليوم الطويل الشاق الذي ينتظرني في المزرعة،تجر الغطاء عني وتركلني كالعادة..بعد دقائق أبدا في البحث عن ثيابي المتسخة التي لا أملك غيرها.
السادسة صباحا،لقد تأخرت عن العمل،سأجد كلاب علال قد سبقوني إلى هناك،اشعة الشمس بدأت ترسل اشعتها الحارقة في صيف يكون الأطول كل عام في حياتي..الآلات بدأت بالهدير والدوران،ضجيج الجرار يقترب مني،النوم يغالبني وتفكيري يقيدني،اليوم الطويل المتعب الذي ينتظرني..العمال هنا عادة ما يتهامسون ويهمسون بكلام مشفر موجه لي،كوني كنت أتابع دراستي واعمل في الوقت ذاته،الشيء الذي كان يغيضهم كثيرا،عبارات السخرية والاستهزاء كل صباح ومساء...كنت احاول ان اتجاهل مثل هذه الأشياء والأمور،ليس ضعفاولكن ايمانا مني باني سأكون ذات يوم شخصا من أنجح الناس.
يحل يوم جديد مليىء بالعذاب،يبدأ بنظراتهم ،نظرات الحسد والإحباط،يعتقدون بأني لا استطيع تحمل مشقة العمل،هم يعتقدون وانا بصبري وعزيمتي التي قهرت كل شيء،كنت اصمد في وجه كل الظروف والتحديات،اقبل المهمات الصعبة،لقد اوتيت صبرا وقوة وجلدا،لا يستطيع أحد غير فعل ما فعلت ..تحملت العذاب والمشقة وقاومت حتى الموت،حتى عندما امرض استجمع كل قوتي ،وارغم نفسي على العمل ومكابدة المحن،حتى اجمع بعض المال ولا يقال أني ضعيف ويشمت بي الناس هنا.
السادسة وعشرين دقيقة الكل هنا ينتظر الحاج علال،بهالته المرعبة التي كانت تخيف الناس الذين كانوا يعتقدون أنه ملك الرزق،دونهم ولربما تقاسمت ذلك مع بعض الذين كانوا ثوريين مثلي،عدم الاكترات له ولما يقول،ما يهمني أن يمنحني الدراهم وبعدها سأغادر هذا المكان وليذهب إلى الجحيم..كنا عادة ما نصطف على شكل كروي،نجلس على الأحجار والتراب،تحت شعاع الشمس المسنون،وسمرة البرد الشديد في الشتاء...الكل يتحلق حول الخبز والشاي والزيت،ليبدأ الصراع من جديد حول الخبز وكؤوس الشاي وعادة ما ينتهي بخصام تنسيه ضحكات كبار الخدم هنا،وينفض الجمع كل ووجهته التي كلف بها.
توزع المهام والاختصاصات التي لا تراعي عامل السن وقدرات العمال والفلاحين الفقراء،كانت تسند إلي مهمات كثيرة جد صعبة،ربما لاختبار صبري أو رغبة من الحاج علال وابناءه في التخلص مني بطريقة ما ..علاقة صاحب المزرعة لم تكن جيدة معي،بالرغم من أني كنت احرص الناس على اثقان عملي،ربما كان يحس بنقص عدم القراءة والكتابة،ربما كنت انا العدو الذي يكرهه ولولا عملي وحاجته إلي لما وصلت الى هنا.
كنت ارفض العديد من الأشياء التي كانت تضر بالعمال،لكني كنت اجد نفسي وحيدا ادافع عن مجموعة يتآمرون خلسة مع الحاج علال ويضحكون في وجهي،يساندونني علنا ويطعنونني ظهرا إذا غبت.
العمال يغادرون مع غروب الشمس خلسة،دونهم لا أغادر حتى أنهي كل شيء،ساعات العمل الطويلة وأخرى إضافية ،يوم مميت بالنسبة لي،أحيانا كنت أتحدث مع نفسي بأن الغذ لن أعود إلى هنا مجددا،أو أني سوف أموت من التعب والكد...ثم أتذكر الأحلام والدراسة،واقول مع نفسي،العظيم يولد من رحم المعاناة.
عادة ما اصل حوالي العاشرة والنصف ليلا إلى المنزل،جدتي المسكينة تقوم بتسخين الماء على ما جمعت من حطب الغابة،ثم اغتسل بسرعة،أتناول القليل من الأكل،أدون ما مر بي في هذا اليوم المتعب،واخلد إلى النوم،في انتظار يوم جديد مليىء بالعذاب.
هكذا كانت تمر أيام العذاب كل أسبوع،فإذا حلت الجمعة كنت أسعد الناس،وأخيرا سوف أحصل على المال ويوم السبت سوف اقضي يوما ماتعا،الذهاب إلى السوق الأسبوعي،مباراة كرةالقدم،مشاهدة فريقي المفضل.
غروب شمس مغيب ذلك اليوم،من جمعات غشت الذي سأذكره كثيرا طالما حييت،بعد إفراغ جرارات الزراعة،تجمع العمال والفلاحين حول الحاج علال الذي كان يعد المال وينظر إلى الوجوه،كنا ننتظر أخد المال منه بلهفة،عيوننا شاخصة...سلمني المال واحس اني غاضب منه،ثم أرجع باقي الأوراق المالية إلى جيبه،ثم أشار إلي بالرحيل إلى المنزل،على أن يكون الموعد يوم الأحد،استغربت كثيرا،الحاج علال الذي لا يحبني سلمني النقود أولا دون البقية،إنه لأمر يثير الإستغراب حقا...اعاد تفحص المال مرة أخرى ومرتين وثلاث،ليقدمها إلي،أمسكت المال وجلست إلى جوار الآخرين أنتظر دورهم،لقد علمت أخيرا مكره وما ينوي فعله،همس احدهم بأني سأنال المرتب الأضعف بين العمال والفلاحين،ثم بدأ يوزع المرتبات والأجور بعدما تيقن أني لن أغادر المكان...
اغرورقت عيناي بالدموع وقبل أن يكمل توزيع الأجور،غادرت المكان والحسرة،والحزن باديان على وجهي،امسكت دموعي بصعوبة بالغة...إحساس بالظلم المر الطويل،ينظرون إلى خطواتي المتتاقلة ودونهم لا يبالي،الأمر ليس مهما كما يبدوا له،إلى منزلنا أجر رجلاي المجهدتان،وفي نفسي ألف مرارة،ثم أمضي ،الطريق طويل لأول مرة أحس بذلك.....
اه اه إنه النادل من جديد يا صديقي الغالي،لملم دموعك الغالية ولنذهب إلى المنزل،إنه منتصف الليل يا رفيق دربي،لا تدخن هذه الليلة لقد ارهقت نفسك بالبكاء والحديث وعليك أن تنام وقبل طلوع الشمس ستنال ما تتمنى،كن على يقين يا صديقي الغالي....سوف اخبر لاكشمان الغبي بذلك لا تخف....ثم غادر وهو يبتسم لقد أصبح رواءيا وكاتبا مشهورا،روايته الجديدة تشارف على ولادتها.....تبا للحاج وأمثاله.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار