موند بريس

نظرة الساحرة لا تكذب

نظرة الساحرة لا تكذب

موند بريس

بقلم ضمير عبد اللطيف
في سمرة نونبر وامطاره،في زحمة المدينة..الرياح وأمطار فصل الشتاء،دعاني إلى شرفة المقهى المطل على البحر،أشياء كثيرة كانت تدور في ذهني،قمت مسرعا إلى حيث كان اللقاء،ثم جلست أنتظر قدومه،طلبت من النادل أن يحضر لي كوب قهوة بالفانيليا،اعتصره كما يعتصر قلبي الحزين،الأمطار الغزيرة تزيد المكان جمالا ورونقا خاصا...القهوى على الطاولة،لم أنتبه إلى الأمر،النادل ابتسم في نهم وغادر دون أن يحدثني كما عهدته يفعل كلما زرت هذه القهوة،فلربما أحس بسحر ما كنت احس به وأنا أنظر إلى الأمطار الغزيرة،تمنيت لو أنها كانت معي هنا،كانت تمر ببالي كلما لمحت عيني عشيقان على شاطىء البحر،الساحرة التي سحرت قلبي،صاحبة الخلخال المزركش الذي كان يزين اسفل الساق،بعيدة كل البعد الآن،تتمنع ولا تريد أن تعترف بذلك..الحب لا يموت أبدا،قد يعيش خمسين عاما،صديقي المغفل لاكشمان هكذا كان يقول لي كل يوم...لا يهم الوقت يمضي بسرعة جنونية،القهوة شارفت على الإنتهاء،صديقي الذي وعدني لم يأتي حتى الآن،الأمطار غادرت،خرج العشاق وانا هنا لوحدي،الجريدة التي كانت هنا تصفحتها اكثر من مرة،الأخبار هي نفسها كما عهدت،أشياء كثيرة مكتوبة توحي بالعدم والحزن،لا شيء يعجبني،هي الوحيدة القادرة على فعل ذلك.
الولد الصغير يعلب الكرة،سعيد بما يفعله،لا يدري قدره بعد سنوات في الحب والعشق،لقد كنت قبل هذا أسعد الناس،أكبر همي أن يمر من أمامي مشهد فانفجر ضاحكا،الوضع تغير كثيرا بعدها،الحب اللعين الذي بداخلي يجعلني افقد كل شيء في سبيل الوصول إلى قلبها،وكأنها الوحيدة في هذا الكون الكبير،تعاسة جميلة يحس بها كل عاشق عندما يحقق ما يريد،لكني دوما وابدا ما عرفت هذه الحلاوة،كل شيء في ساحرتي غامض ومبهم،قلبها ليس لأحد وجزء منه لي ولربما كله ولكن كبرياء أنثى أقوى من حب الرجل أحيانا..لا شيء أقوى من صبري واصراري في الوصول إلى قلبها،هي تعلم اني أحبها كثيرا،تعلم صدق مشاعري،ولكنها تتفنن في تعذيبي،تعذيب حتى الموت،قد يستمر حتى نهاية العالم..كلهن ماتو في عيناي،وسواها تحيى في قلبي إلى الأبد..هكذا كنت امضي كل يوم اكتب الخواطر وعذب الكلام والأشعار،هناك في مدينتها،كل يوم كنت اتخيل نفسي اقف امامها ماسكا يديها،أنظر إلى تلك العيون الجميلة الجذابة،الى الشفاه والشعر...الحيرة كانت تقتلني كل يوم،كنت أقول عادة وأنا اضمض جراح نفسي والف قلبي الحزين بلفاف الصبر،"لقد أتيت إلى هنا من أجل العمل وليس من أجل الحب فليذهب قلبي إلى الجحيم"..في اليوم الموالي،أنظر إلى الساحرة فانسى كل شيء،وأصبح مستعدا للموت من أجل الفوز بقلبها،حتى عندما غادرت للمرة الأخيرة،ذهبت اتفقد كل مكان كانت تجلس إليه،كل ركن كانت تبتسم فيه،إلى المكان الذي سحرتني فيه أول مرة..ثم أتذكر كلماتها وخجلها ودورها في حكاية عنثرة وعبلى،ثم اضحك قليلا وانصرف إلى تفكير عميق ينتهي بصوت عالي يقول لي دوما "ستكون لك مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن..فلربما تحبك أو ستحس بذلك بعد سنوات"..سنوات سنوات انا تعيس الحظ كالعادة يا صديقي العزيز.
وفي غفلة مني جاء الصديق ومعه الإبتسامة الجميلة التي لا تشيخ ابدا،فكلما التقينا بدت على محياه،جلس بعد أن اعتذر على التأخر،ثم طلب من النادل فنجان قهوة إيطالية،تصفح الجرائد والمجلات كلها،ثم رماها بعيدا بعيدا،الأخبار لا تصلح أن نهتم بها مرة أخرى،لا شيء جديد،الهموم والأحزان ومشاكل الحياة في كل مكان...هكذا كان يقول قبل ان ينظر إلي وشيء ما يوحي على أنه يريد سماع خبر ما،القصة القصيرة التي نشرتها مؤخرا،يعلم أنها قرأتها،لكنه لا يعلم ردة الفعل تجاه الموضوع..همهم وتمتم قبل أن يدخل الى صلب الموضوع...السؤال نفسه الذي كنت أتوقعه،تأملت كثيرا في الجواب،قبل أن نستغرق وقتا طويلا في الكلام،يعجبه أن أتحدث كثيرا وهو منصت الى ما اقول،يطلق علي فنان الخطابة والإلقاء...
الساحرة قرأت القصة واعجبت بها ولربما كثيرا يا صديقي إنها فتاة غامضة وعميقة في الوقت ذاته،لم تفصح عن شيء معين،اعترفت على أنها كانت تنظر إلي وإلى عيناي،وهذا غير كافي لكي أقول مرة أخرى إنها ستحبني...اللعنة يا صديقي انا لا أصلح بتاتا للحب،أو أني احببت الشخص الخطأ..
أكمل ما كان في الكوب من قهوة،وارسل نظراته إلي من جديد دون أن يتحدث على غير العادة،صمت رهيب يعم المكان،أمواج البحر على اعتاب القهوى التي بدأت تخلو من روادها،بعد مساء رومانسي طويل،بالنسبة لهم للعشاق الذين كانوا يمرون من أمامي وخلفي،اما انا فإني لا أملك غير الساحرة وان كانت بعد المسافات واختلاف كل شيء بيننا...وكأنه كان يعلم ما بداخلي،او أنه كان يسمع مناجاتي لقلبي،وقف من مجلسه وقال:"نظرات الساحرة لا تكذب"ورددها اكثر من مرة،ثم غادرنا القهوة،رسالة بهاتفي من الساحرة الجميلة...على طول الطريق أعيد ما قاله لي صديقي الغالي،نظرات الساحرة لا تكذب....اللعنة إنها الرسالة يجب أن اقرأها في الحال....



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار