موند بريس

ليتنا لم نلتقي...!

ليتنا لم نلتقي...!

موند بريس

بقلم ضمير عبد اللطيف

الهاتف يرن من جديد،اتمنى ان يكون خير..المتصل أخبرني أني سأذهب للعمل في مدرسة ثانوية بقرية خارج الدار البيضاء،فرحتي الآن لا توصف،وأخيرا سيتحقق الحلم الذي راودني منذ مدة طويلة،أشياء كثيرة تبادرت إلى ذهني..العمل،الوزرة البيضاء،التلاميذ..مكان جديد..الطريق الذي اكتشفه لأول مرة في حياتي يأخذني إلى ذكريات كثيرة من الماضي..الساءق الأسمر ينفت بدخان سجارته عاليا،يفسد كل ما أفكر به،يتحدث عن العمل والمشاكل،الحياة الزوجية،الأولاد..الدراسة،الصغيرة كانت تنظر الي بغرابة،تريد أن تقول لي شيء ما ولكنها لا تستطيع..بدأت تعود الإبتسامة من جديد،الحياة هنا أجمل مما كنت أعتقد،الحقول شاسعة،أشجار الزيتون والخضروات،القمح والبصل والعديد من المزروعات التي لا أعرفها..
السيارة الصغيرة تطوي الأرض طيا،كلما اقتربت من تجمع سكني،كنت أعتقد أنها القرية المقصودة،هشام هناك ينتظرني يزودني بكل تفاصيل الطريق،أحس الساءق أني ازور "الكارة" لأول مرة،نظر إلي طويلا،رمى السجارة،وبادرني بسؤال كنت أتوقعه...سيدي إنها المرة الأولى التي اصل فيها إلى هنا،لقد أتيت للعمل هنا بإحدى المدارس الخاصة،هشام ينتظرني بالقرب من محطة سيارات الأجرة...لم يتوقع الإجابة المدروسة التي قدمتها له،ابتسم وواصل قيادة السيارة بسرعة جنونية،كان يعجبني الأمر فأنا أحب التهور والقيادة بجنون.
إنها العاشرة صباحا واخيرا الوصول المتعب إلى "الكارة"،ترجلت من السيارة وأنا أنظر يمنة ويسرة،ابحث عن صديقي الذي دعاني إلى هنا،حيث أعد لي ظروف السكن والعيش هنا،تبادلنا أطراف الحديث لوقت قصير،بعدما رتبنا الأغراض في المنزل الذي سأقيم فيه،بعد ذلك كان لزاما علينا أن نذهب إلى المدرسة للتحدث مع المدير العام والطاقم الإدارى..الأوراق جاهزة،كل شيء جاهز،استاذة العربية التي لا تطاق هناك في الطابق الثالث،بعد جولة قصيرة بين الأقسام،رحب بي الجميع وخاصة مدير المدرسة والحارس العام..نظرات اغلب الموظفين هنا غير عادية لدرجة أن إحداهن كانت تنظر إلي باستهزاء كبير...كنت أقول في نفسي،مرحلة عابرة وستمضي،وبعدها سأعود إلى الأصل،الأشياء الصغيرة تطوى بسرعة،فقط تحتاج إلى القليل من التجاهل وقوة الشخصية.
الإبتسامة عادة ما كانت تعلوا محيى المدير الذي كان يحترمني بشكل كبير،يجلس معي للحوار حول أشياء كثيرة تتعلق بالغربة والدراسة،التلاميذ والتعليم بالمغرب،في إنتظار صديقي العزيز ثم نخرج للجلوس بالمقهى المجاور كالعادة،لا شيء جميل هنا ابدا،كل الأشياء اعتدت رؤيتها بدكالة،الجرارات والعربات،الحصادات...
بعد شهر من العمل والمشاكل التي واجهتها هناك مع بعض الأساتذة،بدأت أعرف أشياء كثيرة خفية ولكني كنت اتستر على ذلك،ولا أبوح به لأحد،اناجي نفسي واطلب المدد والعون ليلا ونهارا من الله ان يوفقني في كل خطوة اقدم عليها بأرض المداكرة.
لم تبقى إلا أيام قلائل وتنتهي الدورة الثانية،وكعادة المؤسسة القيام بمجموعة من الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية ..بحضور أولياء أمور التلاميذ والأساتذة وكل الأطر التربوية،اقترحت على المدير أن اشتغل على عمل مسرحي،كانت أولى التجارب بهذه المؤسسة ولربما المرة الأولى التي سيصعد فيها أغلب هؤلاء التلاميذ ركح المسرح....خلال التدريب على أدوار المسرحية وخلال الحصة التدريبية الثانية،حضرت فتاة جميلة ..طويلة القد،تبتسم ابتسامة باردة على شفاه ناعمة حمراء،كأنه الندى على أغصان الورود،هادءة خجولة نوعا ما،شعر طويل متماوج على اكتافها،ذلك الخلخال المزركش الذي كان يزين اسفل الساق،نظرة واحدة،إبتسامة واحدة كانت كافية بأن يتعلق بها قلبي،أشياء كثيرة جميلة،جعلتني أفكر في أن امتلك قلبها مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن،أعرف أن الطريق إليه صعب جدا،الحياة علمتني أن افوز لكي اعيش،فلا حياة بدون لذة الإنتصار...بقيت على هذا الحال اراقب تلك الإبتسامة الراقية الجميلة الجذابة،دون أن استطيع ان افعل شيء،لاول مرة اجد نفسي عاجزا عن الكلام...لم أعد احكم السيطرة على قلبي،وانا الذي لم احب من قبل..انا هنا لفترة معينة وبعدها سأغادر هذا المكان إلى الأبد،احلام الفوز بقلب كوثر بعيدة التحقق،علي أن هذا الإسم إلى الأبد..هكذا كنت اخاطب قلبي،صراع ما بين قلب يريدها وعقل يدعوه إلى التفكير والابتعاد...فكرت في أن ابتعد عن مراقبتها والنظر اليها فما استطعت،وكنت كلما نظرت إليها احس براحة كبيرة وحيوية،وكأنها كانت أفيون حياتي هناك وسط زحمة المكان المظلم.
الحب وحده لا يكفي،الابتعاد عنها هو السبيل الوحيد لنسيان هذا العابر،قررت أن اصارحها بذلك مرات عديدة دون جدوى...ترددت كثيرا في الإقدام على تلك الخطوة،حاولت البحث عن وساءل أخرى لكي أخبرها بحبي لها،أو لنقل العذاب الذي يعذبني طوال جمال ابتسامتها وهمس كلامها،واناقتها،كل شيء فيها جميلولكن هناك ظروف تمنعني من التعبير عن حبي لها.
مر الإحتفال السنوي بأفضل حال،بالرغم من أني لم اهتم لأمره بتاتا،كل ما كان يشغل بالي هو تلك المحبوبة،تلك الابتسامة الساحرة،الرقصة الهندية...انتهى كل شيء،غادرت الحفل الختامي،إنها المرة الأخيرة التي سوف ارى معشوقتي،وكل من في المدرسة،غادرت دون وداع فما كان يشغل بالي طيلة هذه الفترة،ساحرتي التي اسرتني بلا قيود،وسجنتني بلا زنزانة..كنت أقول في نفسي القدر أقوى من أن أعبر لها عن حبي...اذا كانت ستبادلني نفس الشعور ستبحث عني،وإذا كانت حياتها مع شخص اخر فسأكتم حبي إلى الأبد دون أن يعلم أحد بذلك.
الشمس في عز رمضان حارقة،علي أن انتظر قدوم المدير لكي يوقع شهادة التدريب،ثم أعود إلى الدار البيضاء مجددا،اللعنة على الحب والعشق والغرام،أنا لا أصلح لذلك كما كان يقول لي صديقي الغالي لاكشمان...وداعا لكل الذكريات الجميلة والحزينة هنا،وداعا كوثر اذا كتب لنا أن نلتقي ولو بعد حين سنلتقي،وإن كان غير ذلك فسيعيش حبك في قلبي إلى الأبد.
بعد يومين بالبيضاء عدت إلى دكالة من جديد من أجل بعض الاغراض،وبعدها سوف انتقل إلى المحمدية من أجل العمل الجديد،نزلت بمدينة صغيرة اتجول رفقة الوقور "اديريا"،وكعادتي اتفقد الهاتف دوما،لمطالعة الاخبار وكل جديد،صدفة لمحت عيني اسم كوثر ضمن طلبات الصداقة،اعدت النظر والتمعن،إنها هي،الإسم نفسه والنسب عينه...القدر الذي قادني إلى هناك جاء بها إلي من جديد،إنه الحب....سعادة لا توصف،قفزت من الفرحة،صرخة مدوية هزت المكان كله....لكن لا شيء من ذلك تحقق....



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار