موند بريس

الرواية الحديثة بين الإبداع والفكر

الرواية  الحديثة بين الإبداع والفكر

موند بريس
خديجة التاوري

استطاعت الرواية أن توسع دائرة جمهورها ومخاطبيها منذ نشأتها في القرن التاسع عشر ميلادي إلى يومنا هذا، ولم يكن هذا اعتباطيا بل هذا راجع لتطور مضامينها وقف أهدافها عبر الزمن، ذلك أن الرواية تطرح قضايا أخلاقية واجتماعية وسياسية مختلفة بهدف تنبيه المتلقي خاصة والمجتمع عامة إلى ضرورة التغيير من خلال معالجتها و ضرورة البحث فيها، بمعنى آخر هي إبداع في محاولة إيقاظ ذلك الفكر النائم بطريقة مقبولة من خلال أحداث وشخصيات روائية تثير تساؤل المتلقي وتساهم في تنمية وعيه بطريقة يسيرة، وهذا مايدفعنا إلى طرح السؤال التالي:
هل الرواية للإبداع أم للفكر؟ أم أن الإبداع والفكر عملية متفاعلة لايمكن الفصل بينها على مستوى العمل الروائي ؟
الرواية والإبداع :
تعد كلمة إبداع كلمة غنية نظرا لأنها ترتبط بعدة معاني متصلة بالخلق ،والخلق في كلام العرب ابتدع الشيء على غير مثال لم يسبق إليه، وجاء كذلك في معجم لسان العرب لابن منظور "وأصل الخلق تقدير"وإذا ما تأملنا هذا التعريف فسنجد أن الخلق هو التقدير والإيمان بما سننتجه قبل الإبداع، فالإبداع يكمن في درجة أهمية ما سننتجه سواء على مستوى الأدب والعلوم أوأي مجال آخر،إذن يمكن القول أن الإبداع هو تعبير عن انشغالاتنا الفكرية ،وبهذا الصدد يقول هارول أندرسون أن " أهمية الإبداع تكمن في كونه عملية إنتاج تشهد كل لحظة من لحظاتها ولادة جوهر ذات قيمة آنية،ليس ذلك فحسب بل تكمن الأهمية في كون الإبداع ضرورة من ضروريات الحياة"، في حين يرى ذ. أحمد المديني أن الإبداع "مسألة خصوصية وسمات مائزة قبل كل شيء". لقد عرف هارول أندرسون الإبداع من خلال أهميته فربطه بنقطتين: زمن الولادة وضرورته في الحياة، النقطة الأولى تكمن أهميتها بالنسبة للذات المبدعة ( على المدى القريب) والنقطة التانية تكمن أهميتها في فائدتها بالنسبة للمجتمع (على المدى البعيد)،أما أحمد المديني قفد عرفه من خلال خصائصه معتبرا أن الإبداع مسألة خصوصية ذلك أنه ربطه بالتميز والتفرد.
أما بالنسبة للإبداع في العمل الروائي بصفة خاصة فهو يعد تفاعلا لعدة عوامل عقلية وبيىئية وشخصية فتكون الكتابة ترجمة لهذا التفاعل بحلول جديدة تم ابتكارها للمواقف العملية خاصة في المجال الإجتماعي ، فبالنظر للروايات العربية الحديثة سنجد أن كتابها يراهنون على إبداع طريقة في طرح القيم الإجتماعية المؤثرة من خلال خلق شخصيات غير نمطية لايمكن إسقاطها على جميع الشخصيات المتفشية بالمجتمع والتي تساعد المتلقي والقارئ على الإحساس وإدراك المشكلة ومواطن الضعف والبحث عن الحلول واختبار صحتها وإجراء تعديل على النتائج،كما أنها تهدف إلى ابتكار أهداف جديدة مفيدة ومقبولة عند تطبيقها،كما تمكن صاحبها من التوصل إلى افكار جديدة واستعمالات غير مألوفة سواء على مستوى اللغة أو المعنى ،وفي هذا الإطار يقول ذ.حلمي القاعود عن الرواية العربية الحديثة " قد وجدت فيها صور بانورامية شاملة لصراع الأفكار والمعتقدات والتصورات وقد أحسن استغلالها نفر من الكتاب لطرح ما يؤمنون به أو يريدون الترويج له سواء كان متفقا مع روح المجتمع وهويته أو كان مصادما لهما"، هذه القولة تجعلنا نقول أن مابين الإبداع والفكر توجد الرواية الحديثة. قد فصلنا في مفهوم الإبداع بصفة عامة والإبداع على مستوى الرواية الحديثة بصفة خاصة أشرنا إلى نقطة إلتقاء الإبداع مع الفكر، لكن لم نفصل في مفهوم الفكر وعلاقته بالرواية لتكتمل الإجابة عن السؤال المطروح: هل الرواية للفكر أم للإبداع؟
الرواية والفكر
جاء تعريف الفكر في المعاجم بمعنى إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى المجهول،أي توظيف الإنسان لإمكاناته العقلية بخصوص المحصول الثقافي المتوفر عليه بهدف إيجاد حل للمشكلات أو كشف العلاقات بين الأشياء بهدف الكشف عن الحقيقة ، إذن يمكن أن نقابل كلمة الفكر بالكشف كونه الهدف الأسمى للفكر وكونه ينتج ثقافة معينة من خلال منظومة من الأفكار المترابطة بينها، فإلى أي حد ينطبق هذا الطرح على الرواية ؟وهل يمكن للرواية أن تكون أداة للكشف ومحركها الفكر؟
إن الرواية مند ظهورها تعمل بما لديها من إمكانيات للوصول إلى مرحلة النمو والتطور عبر مواكبة مجموعة من الأحداث التاريخية والإجتماعية ،ذلك أنها تعمل على تصوير الحياة ونقدها،وعلى سبيل المثال نخص بالذكر رواية " شجيرحناء وقمر"، فهذه الرواية تصور نظام السلطة والمخزن وثقافة المجتمع المغربي من عادات وتقاليد وأفكارسائدة في مرحلة معينة من تاريخ المغرب وتعمل على نقد السلطة ونظام المخزن بصفة خاصة ،لتدعو الرواية القارئ بذلك إلى التفكير في جميع القضايا المتصلة بالحياة، إذ يمكن أن ينتج عن هذا التفكير ثقافة معينة شرط أن تكون وليدة نسق فكري وكما يقول ويليامز في خلاصة عن معنى الثقافة " هي عملية عامة من التطور العقلي" ، وبالتالي هذه الثقافة الناتجة تزحزح ثقافة سابقة نسجتها أفكار سابقة (تراث فكري) وترسخت في وعي المجتمع عامة، وهذا يعني أن الرواية تساهم تدريجيا في نمو الوعي الفكري وتعقد الظروف التاريخية والإجتماعية والسياسية، ذلك أن الرواية من أهم الأشكال التعبيرية عن الهموم اليومية للفرد لذلك فإنها تجد إقبالا عند القراء، فهي تعبر عن روح الأمة وعواطفها وترسم التناقضات الداخلية، وبهذا الصدد نجد ذ. عبد الله العروي يقول في إحدى استجواباته " أشعر أني كشفت عن كل الأوراق في الفريق وفي أوراق"، ذلك أنه عبر عن آرائه الخاصة ،حيث طرحت هاتين الروايتين العديد من القضايا الفكرية التي شكلت الحيز الأكبر لانشغالاته في كتاباته النظرية والتاريخية منها .
وتأسيسا على ماسبق يتضح أن علاقة الإبداع بالفكر على مستوى العمل الروائي هي بمثابة ثنائية لايمكن الفصل بينها، فالعلاقة متمثلة في خلق وابتكار طريقة للكشف عن الذي ظل مجردا في مرحلة ماقبل الإبداع ، ليستطيع المتلقي استبصاره وذلك من خلال خلق شخصيات غير نمطية وحوار بين الأفكار الجديدة والأفكار السائدة وبالتالي خلق نقاش عام وعميق بنفس الوقت.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار