موند بريس

الخطاب الإيديولوجي والاستعمار

الخطاب الإيديولوجي والاستعمار

موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف

عرف القرن التاسع عشر بزوغ ما سمي بالتوسع الاستعماري،الحركة الإمبريالية التي قادتها الطبقة البورجوازية الأوروبية،لغزو ما يعرف اليوم بدول بالعالم الثالث ،وخاصة دول أفريقيا وآسيا،هذه الإمبريالية لم تكن لتنجح لو لم يكن هناك خطاب إيديولوجي قوي ومؤثر،مهد لدخول هذه الدول الضعيفة تحت أسباب خطاب الإصلاح ،فنظرة الدول التي عرفت ثورات صناعية وفكرية لهذه الدول هي نظرة متوحشة هدفها السيطرة على هذه الدول والاستفاذة من خيراتها،هذه الخطوة التي أقدمت عليها دول الإمبريالية تحتاج إلى جانب القوة العسكرية قوة مهمة وهي قوة الخطاب الإيديولوجي الموجه لسكان هذه الدول وللعالم،لذلك فإن هذه الدول كانت تدرس طبيعة الشعوب وخاصة فيما يتعلق بنقط الضعف التي تميزها،كالتعدد العرقي والديني والصراع القبلي وغيرها من الأمور التي تم العمل عليها لتفرقة الشعب الواحد ومن تمة يسهل عليها الدخول إلى هذه الدولة والاستفاذة من خيراتها تحت ذريعة التنمية والإصلاح وبمباركة من السكان المحليين.
إن الدول الاستعمارية كانت توجه خطابا ممزوجا بنوع من العاطفة في المؤتمرات العالمية لتبرير ما تقوم به من نهب وسلب وقتل وحشي،فقد سمت في البداية هذه الدول بالمتخلفة التي لا تعرف القراءة والكتابة،وهي الحجة التي اتخذتها كل من فرنسا وبريطانيا على وجه التحديد لغزو شمال أفريقيا وآسيا،فهذه الدول كانت تقدم نفسها على أنها مركز الحضارة والتقدم ومن الواجب عليها أن تخلص العالم من الجهل وتخرجه إلى النور،مستغلة قيادتها للعالم في مجالات مختلفة منها الصناعي والعلمي بكل أنواعه.
إن الغرب المتقدم في كل المجالات عليه أن نقل العالم المتخلف إلى عالم آخر،إلى عالم مزدهر كما كانت تروج الخطابات عبر المجلات والصحف،هذا على المستوى الظاهري لهذا الخطاب الخطير،لكن ما كان خفيا هو أن هذا الخطاب يحمل الكثير من الدلالات الأخرى ويكتنفه خطاب إيديولوجي خطير مارسته الطبقة البورجوازية الأوروبية على دول العالم الثالث من أجل البحث عن موارد بشرية واقتصادية جديدة وتصريف المنتوجات الفلاحية والصناعية التي شهدتها هذه الدول والتي أدت إلى التضخم المالي والاقتصادي،بل إن خطاب كل من فرنسا وبريطانيا كان موجه ليس فقط لهذه الأسباب التي تطرقنا إليها،بل إلى القيادة والزعامة العالمية وبسط مناطق نفوذ كبيرة،فالاعلام الانجليزي والفرنسي ضلا يقدمان بلديهما بصورة نموذجية بعيدا عن الاستغلال الذي تمارسه هذه الدول،وبالتالي فإن المجتمع العالمي اقتنع بأن الهدف الأسمى للدول الغربية هو الإصلاح ومن تم تقدمت دول أخرى كثيرة أوروبية إلى التوغل داخل القارة الأفريقية خاصة،حيث حصل صراع قوي جدا كشف حقائق الخطابين الفرنسي والإنجليزي،وولد نوعا من الوعي لدى المجتمع المثقف من أجل المقاومة الشعبية والمطالبة بالاستقلال.
ان الخطاب الإيديولوجي للاستعمار الذي ساد لفترة ليست بالقصيرة سيعرف نوعا من التراجع خاصة مع ظهور خطاب انتروبولوجي اخر،سيكشف عن الاستغلال الذي تمارسه هذه الدول وخاصة التعامل مع شعوب المستعمرات،حيث فهم المغاربة مثلا أن الظهير البربري الذي أصدرته فرنسا في الثلاثينيات من القرن الماضي،والذي يحمل خطابا أيديولوجيا خطيرها يهدف إلى التفرقة بين عرب المغرب وامازيغه،لم ينجح لان هناك طبقة من المثقفين العرب والامازيغين الذين نادو بضرورة رص الصفوف ومواجهة العدو الفرنسي ،بالرغم من الاختلافات في التقاليد والعادات وأشياء أخرى ،إلا أن هناك أشياء تتجاوز حدود الاختلافات والفروق بين المغاربة وهي الدين الإسلامي والوطن،وبذلك فإنالدور الانتروبولوجي لعب دوره الفعال واستطاع القضاء على الظهير المشؤوم،الذي زاد من وحدة الشعب المغربي،وجعله اكثر صلابة ..وعكسه نجد أن الشعب السوري وما يعيشه من حروب طاحنة سببه المباشر تلك الخطابات التي تشاع بين السوريين وتفرق بينهم على أسس عرقية ودينية وغيرها،فلو استعمل السوريون العقل وتجاوزو كل تلك الخلافات العرقية والدينية لما استطاعت دول العالم ان تدخل إلى سوريا وتشن حروبا لسنوات طويلة قضت على كل شيء،وطمست هوية هذا الشعب السوري.
إن معرفة طرق تفكير الشعوب والصراعات الداخلية وانساقها التواصلية وتقاليدها من أهم الأشياء التي لعبت عليها هذه الدول الغربية في الخطابات والمنشورات التي كانت تنشرها داخل هذه الدول المستضعفة،فكلما تمكنت من معرفة تاريخ دولة معينة وجغرافيتها،سهل عليك السيطرة عليها دون عناء،وهنا أشير إلى نقطة مهمة،وهي أشكال تعاطي مع الأحداث العالمية والأشياء والناس،النابعة من متخيل المجتمع،وبالتالي فقد استعملت فرنسا في مستعمراتها جواسيس مهمتهم نقل الأخبار التي كانت تروج في الأسواق الأسبوعية والمواسم،فكان المقيم العام يدرس تلك الخطابات بدقة من أجل إتخاذ القرار المناسب،لذلك نجد أن بعض المناطق عرفت مقاومة الاحتلال مقاومة شرسة،كالمناطق الجبلية والريفية والتي ارتبط اهلها بالقران الكريم وحبهم للتراب والأرض،بل والى الهوية،دون أن ننسى التضاريس الوعرة التي كانوا يستغلونها في حرب العصابات المسلحة،ثم اللغة أو اللجهة التي كانوا يوظفونها في خطاباتهم ونقل أخبارهم،لذلك نجد أن الريف وحده وللقضاء عليه تطلب الأمر إلى اتحاد قوتين كفرنسا واسبانيا للقضاء على الخطابي والرفاق.
هذه الانتروبولجية التي استخدمتها الشعوب المستعمرة بنوع من البداهة او لنقل العفوية دون علم بما كانت تقوم به،كانت الدول الامبريالية تخصص ميزانية مهمة لدراسة هذه الشعوب ،وارسال باحثين وجمعيات من خلال منح مجموعة من التسهيلات المالية واللوجيستيكية،والتي بدأت منذ مدة طويلة ولربما كان ذلك مع مطلع القرن السابع عشر مع الرحلات الاستكشافية،بطبيعة الحال ان هذه الدول انطلقت من هذا العلم الحديث وعملت به ميدانيا من أجل تدبير اسهل وبأقل الخسائر للمستعمرات،هذا العلم الشمولي في خطابه يتم توظيفه على اكثر من صعيد ويستعمل للدلالة على التطور الذي وصلت إليه هذه الدول.
إن الدول الغربية التي كانت بدول العالم الثالث عملت بشكل كبير من أجل طمس الهوية الثقافية واللغوية لهذه الشعوب وقد نجحت بشكل كبير خاصة في دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا،فهذه الدول كما هو واضح فقدت لغاتها الأمر واتخذت من لغات الدول الإمبريالية لغات رسمية،البرتغالية في البرازيل والإسبانية بباقي الدول اللاتينية الأخرى،فيما دول أفريقيا وخاصة جنوب الصحراء فقد فقدت لغتها واتخذت الفرنسية أو الإنجليزية لغات لها،باستثناء دول شمال إفريقيا التي حافظت نوعا ما على هويتها وثقافتها الخاصة،ويمكن أن نرد ذلك إلى تمسك هذه الشعوب بالقرآن الكريم.
ولشرعنة هذا الخطاب الإيديولوجي الاستعماري بعد ظهور طبقات من المثقفين بدول العالم الثالث،غيرت الدول الغربية من خطاباتها وجعلتها اكثر ليونة من سابقتها،فقد عمل علماء الانثروبولوجية بكل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية،على بث مصطلحات جديدة كان الهدف منها التستر كما تطرقنا إليها سابقا تبرير مشروعيتها في إستغلال خيرات وثروات الشعوب المستعمرة،فأصبحت الدول الغربية تنعث هذه الدول بدول "ما قبل الصناعية" لكنها لم تغير في الوضع شيء لأن الطبقة المثقفة بهذه الدول بدأت بالعمل على نشر خطابات حماسية امتزجت بروح الوطنية والدين والهوية،وان كانت هذه الدول الغربية قد حاولت أن تصنع جدارا من الخطابات الأيديولوجية للفصل بين هذه الأشياء التي ظهرت مؤخرا،من خلال توصيفات وتصنيفات تبرر بدون شك اختلاف التفكير والحياة بين المجتمعات الصناعية الحضارية ،العلمية..بالمجتمعات الغابرة التي ما تزال تعيش زمن الخرافة والوهم الأسطورة،وبذلك فإن هناك صراع لخطابين مختلفين الأول مبني على أسس علمية والثاني منبثق من الثقافة الأسطورة،ولربما كان هذا عاملا مهما في توسع خطاب الشعوب المستعمرة للقضاء على المستعمر.
هذا التفاوت في مستوى الخطاب الإيديولوجي لكل طبقة جعل بعض الدول الغربية تغير من طرق خطابها الأيديولوجي وتنتقل لإستعمال مفهوم "الحماية" كما حصل مع المغرب وتونس،أو الانتداب بالمشرق العربي ودول الشام.
إن الخطاب الإيديولوجي للاستعمار الذي ساد وما زال إلى يومنا هذا هو الانتشارية الذي يقضي الى ضرورة إضعاف الثقافات المحلية للقضاء عليها من أجل أن تحل محلها ثقافة جديدة ،خاصة على مستوى التنظيم والعلاقات الاجتماعية التي تتميز بنوع من الدفء والحنان والتماسك بدول العالم الثالث وخاصة الإسلامي على عكس الدول الغربية التي تريد بسط تجربتها الإجتماعية على هذه الدول،لذلك كانت فرنسا وبريطانيا ودول أخرى يؤكدون على ضرورة تعلم لغات بلدانهم لأبناء المستعمرات،وهذا ما يمكن أن نلمسه من خلال خطاب الانتشارية الذي ركز على مختلف الاشكال الحضارية المادية في صيغتها الغربية وليس كما وجدت في هذه المجتمعات،المسافات الجغرافية ليست مهمة بالنسبة لهذا الخطاب بقدر ما يهمهم سيادة النموذج الغربي بهذه الدول،مبرزة ان هذه الخطابات وما تحمله قابلة لأن تستنبت بالرغم من المسافات والسياقات التاريخية في هذه الدول،فنادرا ما ينظر لخاصية الإنسان بهذه الدول ومدى تقبله لهذا الخطاب الجديد،وهنا كانت تكمن الصعوبة التي جعلت تطبيق هذا الخطاب شبه مستحيل،ما عجل بضرورة تغييره ليشمل البعد التاريخي الثقافي،ولو أن الاستعانة بهذا المنهج التاريخي خدم الشعوب المستعمرة بشكل كبير وعجل بسقوط خطابات الإمبريالية،فأغلب الشعوب رفضت الاستعمار المباشر مفضلة الإستعمار غير المباشر الذي يعترف بثقافة الشعوب المستعمرة ،وبحقها في المساهمة في تدبير شؤونها الداخلية مشكل من أشكال الاحتكاك الثقافي الإيجابي ،الذي بموجبه تستفيد من التقدم الغربي،دون أدنى إستغلال،لذلك نادت هذه الدول بالإدارة غير المباشرة.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار