موند بريس

الرحلة الملعونة

الرحلة الملعونة

موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف


أتشعرُ أنّي مرهقٌ جداً ،متعبٌ من كلّ شيءٍ،من السفر الطويل وكثرة التفكير في الوضع الذي أصبحت أعيشه،أصبحت ساخطٌ على كلّ شيءْ،حتى على كل التفاصيل التي كانت تبدو لي وردية ،احلام بريئة تحولت إلى كابوس أسود،الحياة تبدُو لِي كذلك أو أكثرمما كنت أتوقع،عيناي الضيّقتانِ، تزيدانِ من حدّتي في الوصول إلى عمل مهما كان الثمن ومهما كانت الظروف، كلّما اكتملتْ تلكَ العقدةُ الّتي تعلُو وجهي احس بالعياء وضيق شديد يكاد يخنق أنفاسي،وفي سريتي ادعوا الله بان انال حضي من سخط الدنيا ،كل شيء يواجهني وكأني خصمه.
فكرت في الرحيل إلى بلاد بعيدة علي اجد شيء جميل يغير ما يمر بي ،وفي طريق بحثي الطويل صادفت أحدهم وقد دعاني إلى السفر إلى مدينة بمشرق المغرب تدعى ورزازات للمشاركة في أحد المسابقات الثقافية حول الكتابة السينمائية..فكرت في ذلك طول الليل وأطراف النهار،فأنا أستطيعُ ان اذهب الى اقصى الدنيا اذا تطلب الأمرذلك ،أنا أتفهّم غضب امي لكن علي الرحيل الى هناك ،خاصة وانه وعدني بالعمل هناك بإحدى الشركات الأجنبية،أحسست أخيرا أني سأستطيع تغيير قدري نحو الأفضل...طوال الطريق من يوم الأحد حيث كانت الانطلاقة من مراكش نحو ورزازات،طوال خمس ساعات وانا ارسم الاحلام تلوى الأخرى..المال ينتظرني هناك ،الأصدقاء والأحبة هناك ،انهم يحبونني كثيرا،كما خيل لي وصدقت نفسي التي لا تعرف للحقد لونا ولا اسما.
ونقمتي على الحياةِ كلّها تحولت إلى احلام وردية..بدأت احلم بسيارة وفتاة جميلة..منزل ومقاولة صغيرة..تفكيري الذي كان يراودني وأنا أجلسُ كلّ صّباحٍ في هذهِ الزاويةِ المعتمةِ منْ هذا الكوكبِ المقفر الأسودِ، انتظرُ منْ يمرُّ من هُنا راغباً في مسحِ حذائهِ،او ان اخدمه مقابل دارهم معدودة استطيع أن اواجه به ظروف الحياة الصعبة،البطاطس لا تكفيني والخبز الحافي قد نفذ ،الأموال لم تعد معي...تذكرت كل هذا وابتسمت وانا في طريقي في حافلة أسفار البغدادي اترقب الوصول إلى شرق المغرب ،أنتظر الجنة الموعودة والفردوس الذي افتقدته وافتقده عند مغرب كل يوم.
توقفت الحافلة بإحدى المدن الصغيرة ،اخذت القليل من الخبز والماء ثم عدت ادراجي نحو مقعدي،كان هاتفي يرن عند رأس كل ساعة،انهم يسألون عني وعن احوالي والنقط التي مررت منها لكي يتأكدو من قدومي،تعجبت كثيرا لكل هذه المحبة التي يكوننها لي..الحافلة تتوغل بين الجبال والتلال وفوق الوديان،كنت اشد الناس اعجابا بهذه المناطق الجبلية ،أنهار ووديان..جبال واهازيج اطلسية امازيغية تفوح من فجاج الجبال..كنت لا افهم حديث الناس الذين معي في رحلتي هذه كونهم يتحدثون بالامازيغية،لم أفهم شيئ كل ما يقال كان امازيغيا،يتهامسون ويتغنون يضحكون ويلتفون حول بعضهم البعض..بينما كنت أدير رأسي يمنة وشمالا،وهم يعلمون بأني لا افهم شيء.
الحافلة تدخل المدينة الموعودة أخيرا وقد حل ظلام ورزازات الحالك،وردتي رسالة بأنهم ينتظرونني بالمحطة الطرقية وبعدها سنذهب إلى المنزل من أجل مناقشة موضوع العمل الجديد..ساورني ريب وشك فيما يقال لي في الهاتف وما قيل لي ،تذكرت كلام امي المسكينة ورغبتها في عدم الرحيل الى هناك،فكرت في العودة الى مراكش من جديد ،سألت صاحب الحافلة الذي أشار إلي بان حركة السير توقفت وان علي الإنتظار حتى صباح الغد.
لما وصلت الى هناك ووجدتهم ينتظرونني شعرُت بشيء يخبرني بأن هذه الخطوة التي اقدم عليها ليست جيدة ،اسمع صدى كلمات قلبي لعقلي يقول له أليسَ كذلك؟ إنها خطوة تهور أو ربّما أشعرُ أنّي مطحونٌ في ركنٍ منسيٍ من هذا الكونْ، أشعرُ بالرّغبةِ في البكاءْ، كلّما ناولني أحدهمْ نظرهم وهم يضحكون،ووراء الابتسامة أشياء أخرى كثيرة خفية،انا بالنسبة لهم مجرد ضحية عبارة عن اوراق مالية زرقاء وبنية..المحبة رداء واقي وأيديولوجيةَ هوجاء لكي تقع الضحية في الفخ، أنا فهمت حقاً وان كان ذلك قد جاء متأخر اني ضحية لعصابة ناهبي الأموال..ضحكت من فرط غباءي وثقتي العمياء بهؤلاء الأوباش..فكرت في طريقة اتخلص بها منهم ..طوال الليل كنت اسمع كلاما معسولا وأشياء لا يصدقها عقل عاقل امواال..فتيات،سيارات ..احلام وردية، لكنّني لم أفهمُ أيضاً أنّنا لا نختارُ ما نحنُ عليهْ إلا بعد أن نصل إلى الحد الذي نستطيع من خلاله التفكير الإبداعي الذي سيخرجنا من الورطة، بينما نستطيعُ تغييرهُ بأيدينا مسْتقبلاً،إننا نبْنِي أنفسنا، فلا نسْتهنْ بكلّ الّذي تقُومْ به الآن فالحاجة ام اختراع الأفكار والعطاء.
بعد العشاء الذي كان مرقا طلبت النوم وعلى غير العادة نمت باكرا أو هكذا خيل لهم،كنت اسمع يتهامسون بصوت خافت حيث يقول أحدهم للاخر:"الضحية جات وغدا غيوصلوه الفلوس وها حنا ضبرنا على فيكتيم جديد"..ثم يتصافحان،لقد تمت الصفقة أخيرا وقد سعدا بذلك..عند الصباح تأخرت في النوم حتى طلوع الشمس،الهمس نفسه من جديد والموضوع يعاد صباحا..ناداني أحدهم وبعدما كرر ذلك استجبت له واستيقظيت،تناولنا الفطور..حملت حقيبتي وتوجهنا إلى أقرب مقهى،حيث أجريت اتصالا هاتفيا اوهمت به الذي كان يرافقني،ثم شرعت ابحث لنفسي عن طاكسي صغير يقلني إلى المحطة لكي اعود ادراجي بعد حديث طويل وحيل لا تنتهي استعملت فيها الذكاء والخدع لكي انجوا من الفخ الذي وضع لي مسبقا.
إنها العاشرة الحافلة نفسها قادمة من تتغير نحو مراكش ،أخذتالتذكرة على عجل ورحت أطوي الأرض طيا نحوها ،جلست على عجل في المقعد الثالث..الحافلة شبه خاوية على عروشها إلا من بعض الركاب..عشر ركاب كانوا أغلبهم من النساء..الأمازيغ مرة أخرى طوال الوقت الملل لا احد سيتحدث معي..في الجانب الآخر كانت هناك فتاة شقراء جميلة وامامي حيث تجلس عجوز طاعنة في السن،لا تعرف تكلم العربية بتاتا..كانت الفتاة تراقب تصرفاتي طوال الوقت وكأنها تريد أن تقول لي شيء ولكنها لم تهتدي إلي سبيلا..أدارت العجوز وجهها إلي وابتسمت ثم أخذت تتحدث بالامازيغية لم أفهم شيئ مما قالته ..كنت أكتفي بالضخك وخط رأسي ثم أنظر إلى الجبال والتلال والوديان..في منتصف الطريق صعد أحدهم وكان طالبا يجيد التحدث بالامازيغية والعربية..كنا نتحدث عن أشياء كثيرة تافهة وأخرى كانت اشبه بالجدية ..ظروف الدراسة والسكن والحياة اليومية..كرة القدم وأشياء أخرى..إسماعيل أضحى يترحم لي ما صعب علي من كلمات اللهجة الأمازيغية ..علمت بأنها مسافرة للقاء ابنها بمراكش وأنها مريضة..كانت تعتقد باني من دولة اخرى ولست مغربيا،مسكينة لا تعرف ظروفي..قبل أن تنام تمنت لي حظا موفقا وزوجة صالحة،ثم نامت طوال الطريق حتى الوصول إلى مراكش حيث التقينا بابنها،ذلك اللقاء الذي أثر في نفسيتي وتمنيتلو ان اني كنت احمل الة تصوير وموسيقى حزينة،زوجة الإبن تنزل من السيارة ..تعانق العجوز ثم تحمل الأمتعة إلى السيارة..بكت من شدة الاشتياق طويلا وبكت العجوز..ثم تنازلت عن مكانها االأمامي وعادت الى الخلف ..صعقت لهول المشهد وتجمدت واقفا بلا إحساس فلو لم أكن على علم بأنها زوجة محمد ابنها لقلت بأنها ابنتها،..وقبل أن تصعد العجوز فاظمة السيارة ادارت وجهها وهي تمسح دموعها ثم دعتني وقد تسمرت ولم أتمالك نفسي حتى عانقتها وكأني أعرفها جيدا..ثم لوحت إلي بديها وصعدت..غادرت السيارة الصغيرة الصفراء بينما صدى كلماتها ما تزال تتردد على مسامعي،.."ستنجح يا ولدي وعادي تخدم وتوصل وغتلقى بنت الناس غا صبر راك مرضي الوالدين"..لما ادرت اجري نحو الحافلة الأخرى القادمة نحو دكالة،وقعت عيني مرة أخرى على نفس الفتاة الشقراء التي كانت تنتظرعودتي لعلنا نتحدث..الحافلة تخرج لا وقت لي لأتحدث معها..لا اريد رقمها ولا أي شيء،انا لا اصلح للحب يا لاكشمان،فلتذهب الشقراء إلى الجحيم.
غداً حينَ ستكبرْ، ستدركُ أنّك قدْ صقلتَ الرّجولة فيكَ مبكراً جداً، وأنّ الطّفولةَ الّتي حُرمتَ جنّتها، ستعوّضُ برجولةٍ مكتملةٍ وقادرةٍ على مواجهةِ صُعوباتِ الحياة، أنتَ تصنعُ من نفسكَ الآن رجلاً، وقليلُون جداً همُ الرجالُ على هذا الكوكبْ.
يا صّغيرِي، لا تخجلْ منْ نفسكْ أبداً، فأنتَ الآن درسٌ للعالمِ كلّه.
أنتَ درسٌ للعالمِ أجمعْ.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار