موند بريس

فراق أقوى من الحب

فراق أقوى من الحب

موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف

رمى الأوراق أمام أقدامي وصرخ بأعلى صوت "فلتذهب إلى الجحيم يا لعين ...من تضن نفسك غيفارا زمانك"...وقعت اوراقي بسرعة لم اعهدها قط في حياتي ،لقد أصبحت خارج هذا المبنى الكبير الذي لطالما حلمت به وناضلت من أجل أن أصل إلى هنا..كنت احلم بان أكون صحفيا مشهورا وان اكتب عن الفساد والمفسدين وان استطيع تغيير الواقع من موقعي ،حقا لقد ندمت يوم أن قررت دخول هذه الجامعة الديكتاتورية المملة..ها انا اخرج بجرة قلم،اوراقي ترمى أمامي دون أن افعل أي شيء،لقد انتهى كل وعلي أن أجد مكانا امارس فيه ما استطعت من حريتي الأدبية والفكرية،استطيع ان اكون شمعة تضيء المكان،أن احلم طويلا واعيش مع أحلامي حتى النهاية...مدينة الجديدة قاسية للغاية،حزينة..الكل هنا يفكر في نفسه...لاكشمان ايضا بات يفكر في نفسه ،أصبحت وحيدا اكتوي بنار الغربة مع نفسي.
في السادس من رمضان 2013 غادرت احمل اوراقي بسرعة إلى الدار البيضاء ،دون اتوقع ما قد يحدث لي جراء هذا القرار المتسرع،ابي لم يوافق على فكرة الانتقال إلى هناك..كنت احس بان امي تحاول اقناعه بطريقة غير عادية،لقد عشت أيام عصيبة وليالي طوال ،فضلت الموت أحيانا على أن احيا هنا على أرض دكالة القاسية،القدر الذي قادني إلى وعلي أن اواجه التحديات والصعاب مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن..ما كان يشغل بالي هو ان احصل على شهادة السكنى،كل الوثائق المطلوبة سهلة جدا،والجامعة وافقت على قبولي.
السابع من رمضان حملت حقيبتي وتوجهت إلى البيضاء ابحث لنفسي عن مكان جديد هناك،دكالة طردتني ..الكل هنا يسير عكس ما اشتهي،صديقي لاكشمان الغبي هو الوحيد القادر على إخراجي من هذه الدوامة السوداء التي زادت حياتي سوء وادخلتني إلى جحيم كان كبركان يحيط بي دون أدري.
في طريقي الى البيضاء تذكرت أن هناك أوراق وكتب ومذكرات وأشياء أخرى لا استطيع التفريط فيها وعلي أن احملها معي،توقفت الحافلة بمحطة الجديدة على الساعة العاشرة صباحا،كان علي أن اقطع مسافة طويلة مشيا على الأقدام لكي اصل إلى المنزل الذي عهدت أن اقطن به مع رفيق دربي لاكشمان..كنت كلما اقتربت أتذكر أشياء كثيرة تافهة وأخرى كانت اشبه بكابوس،تذكرت يوم أن وجدت ذلك الرضيع بجانب الرصيف يصرخ بأعلى صوت ثم غادرت دون أن اهتم لأمره،الشرطي ابتسم بسخرية وأشار الي بان هذا الذي يصرخ هو ابني..دون أن أدري وقعت عيني على امرأة جالسة هناك في ركن مقرور تعودت ان تجلس فيه تنتظر دورها لكي تذهب الى العمل في الحقول أو البيوت،امرأة كنت اسميها بالمرأة الحديدية التي لا تكل ولا تمل،بالرغم من تقدمها في السن،أبناءها لا يشتغلون بتاتا،عادة ما ينتظرون عودتها من عمل يوم شاق لتمنحهم بعض الدراهم..ثم توقفت كثيرا عند المستشفى الكبير بالقرب من السجن أتأمل كل هؤلاء المرضى وأسر السجناء وهم ينتظرون دورهم لزيارة دويهم،أو لرؤية مرضاهم..الموتى ايضا بكاء نواح عويل،كل شيء هنا محزن جدا...الباعة الجائلين يزيدون من ضجيج المكان ،الحركة لا تتوقف طوال اليوم لكن مظاهر البؤس بادية على قلوب أهل المكان ومرتاديه.
سرت حتى انتهى بي المطاف في ركن وراء المشفى،ابتسمت طويلا وشدني الحنين إليه وكأنه لا يريد توديعي..المكان الذي كنا نجلس فيه نتداول اخبار الرياضة ومآسي الايام الحزينة..الحب أحيانا كان يفرج من كربنا،المواضيع تختلف كثيرا لكني كنت اميل الى السياسي منها ويعجبني التحدث في أمور الحب والغرام وما دار في فلك الفتيات والعلاقات..لوحدي بدأت اضحك لا اعلم هل لضحكي هذا معنى ام ان سخرية القدر لعبت لعبتها اللعينة..انا سيء عندما يتعلق القدر بالحب لا اجيد طرائق النجاح في العلاقات الغرامية بالرغم من أني جربت اكثر من مرة،كتبت العديد من الرسائل الغرامية لأصدقاء الدراسة،اللعنة على الحب والعشق والغرام..انا لا اصلح لذلك ..لا يجب أن اعاني مثل من سبقوني من الأصدقاء،اني اذكر صديقي اديريا الذي كان يحبها وكانت توهمه بذلك وفي نهاية المطاف تركته بلا سبب تجري جريا وراء المال،لقد عاش جحيما لا يطاق،كنت احاول ان ابعده عن ذلك ..حاولت ان اجعله يفكر بطريقتي وان يلتمس من شخصيتي القاسية أشياء كثيرة تبعده عن شر النساء..الحب لا يجب السعادة بقدر ما يجعلنا نفقد كل شيء في سبيل من نحب..اديريا اضحى يدخن السجائر التي كان ينهاني عن الإمساك بها..لاكشمان هو الآخر اكتوى بنار الحب حب لسنوات طويلة ينتهي بزاوجها ..اللعنة على الحب والعشق والغرام،لا أحد يستطيع،هكذا كان يردد صديقي الغالي لاكشمان،ثم ينفت بدخان سجارته عاليا،لينظر إلي بابتسامة مزيفة تخفي احزانا أعمق مما يبدوا ظاهريا "هكذا هوما العيالات غدارات مفيهم ثيقة عبرتي غا انت يا خويا قلبك قاسح ولكن نهار غادي طيح غادي تجرب ..هاك خود ليك شي نثرة دوخ لمجاج".
أمي السعدية صاحبة المنزل اوقفتني في الطريق ثم ضمتني على غير العادة ضم الأم لابنها وقد اغرورقت عيناها بالدموع ،هي لا تريد توديعي ،الشخص الذي اضحى جزءا من العائلة سيغادر،لم تتمالك نفسها حاولت فعل ذلك فلم تستطع انا ايضا حاولت أن تفعل او ان اظهر قويا كما عهدتني،انا ضعيف بين دراعيك يا امي السعدية،الشخص الذي لطالما كان مبتسما اضحى حزينا يجر خيبة تعود عليها منذ طفولته القاسية...إنها المرة الأولى التي ابدوا ضعيفا أمام هذه المواقف..تراجعت إلى الوراء وهي تمسح دموعها بادرتني بالقول" وليدي واش صافي غتمشي وتخلينا..داغي سخيتي بنا واش درنا ليك شي حاجة تقلقك..أنت راك ولدي وربي شاهد والدار دارك علاش باغي تمشي ..عفاك اولدي فكر تبقى منقدرش على فراقك...على الأقل بقا غا حتا تتزوج عفاك اوليدي.."لم استطع ان أتمالك نفسى مرة اخرى وأحسست أني ابكي من اعماق قلبي،لكن عقلي مصمم على الرحيل ولا مجال للعودة إلى الوراء..دكالة لا تصلح لي ولن احقق أحلامي بهذه المدينة الموحشة القاسية.
ثم غادرت امي السعدية إلى حيث اعتادت أن تذهب يوميا بينما مازلت واقفا انظر إلى خطواتها المتتاقلة،خطوات تقول لي لا ترحل ،كل شيء هنا يرحب بي ولا يريدني أن ارحل ..توقفت وبدأت تنظر إلي ولربما تقول في نفسها ،إنها المرة الأخيرة التي سوف اراه هنا..جفت دموعها ابتسمت تم نادتني،ولما اقتربت عادت وعانقتني مرة أخرى وطلبت من الله ان يوفقني"الله يسهل عليك اولدي انت افضل ولد في هذا الدنيا وحتى فلوس لكرا لي كنتسالك الله يسامح فيها ..عنداك غا تمشي وتغير ومتبقاش تشوفنا".
صديقي لاكشمان على غير العادة لم يشغل مشغل الموسيقى ولم يستمع إلى الشاب الهندي الذي عادة ما يخفف عنه باغانيه الغرامية،جمع ما يملك من ملابس ومتاع وجلس إلى جوار الباب ينتظرني،عيون ملبدة بغمام دموع الحزن والبكاء،وداع صديق واخ عاش معه طيلة عقد من الزمن،عشنا معنا أشياء كثيرة جميلة تافهة بسيطة جعلتنا نبتسم طويلا..عشنا جحيما لا يطاق وتغلبنا مع على صعاب كثيرة..جدران البيت تحكي قصص حياتنا هنا ..ابيات شعرية ورسومات لاعبي كرة القدم واسم حبيبته "حنان" ..كتب متناثرة هنا وهناك أوراق واشياء اخرى..خاطبته على غير العادة ،اول مرة سنتحدث بشكل جدي بعدا عن المزاح والضحك..شخصية لاكشمان الحقيقية لا تطاق..نظر إلي مطولا ثم سلمني رسالة على عجل ،جمع اغراضه وغادر البيت دون أن يتحدث إلي،بيت مهجور لا يطاق..لاكشمان غادر الكوخ دون كلام عيناه تخفي حب أعمق اكثر مما كنت اتخيل،تبعته الهت علي الحقه لأكتشف ما يخبأه وراء حزنه الشديد على فراقي..قبل ان اصل إليه توقف يمسح ادمعه وقال لي "لقد تحملت قساوة فراق حنان والآن انت ترحل ..الحياة قاسية للغاية يا اخي العزيز ..أتمنى لك التوفيق والنجاح هناك...كن قويا كما عهدتك دائما".



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار