موند بريس

حياة النسيان

حياة النسيان

موند بريس

بقلم ضمير عبد اللطيف

اختارت أن تجلس مرغمة كما اعتادت أن تقوم بذلك كل يوم بعد الإنتهاء من الأشغال المنزلية الشاقة،تحت شجرة وارفة الظل تنتظر قدومهن من المدرسة،فاطمة وسلمى وخديجة.. كل يوم يعدن من المدرسة الإعدادية،فيما حليمة تخفي مرارة الحرمان من الدراسة ومجاورة رفيقات طفولتها..كل إبتسامة شفاهها في وجه صديقاتها تحمل آهات آلام وأحزان،حرمان البؤس والضياع...خصوصا وأنها تتمتع بمهارة عالية وذكاء حاد جعلاها تكون مميزة في الأعمال المنزلية الشاقة والسهلة ،منذ الصغر ،لم تعرف معنى الحياة قط..سلطة الأب التي قهرت كل أحلامها ،وجعلتها تعيش صراعا نفسيا كتمته طوال الوقت،لم تجد أجوبة لأسئلة ظلت تشغل بالها طوال الوقت..بدأت تتعلم بعض الشيء ،قراءة الحروف والأرقام،الأمر الذى كان يسعدها كثيرا..عن طريق صديقاتها مريم وخديجة بدأت تطل على الحياة من نافذة صغيرة ضيقة شعاعها لا يتجاوز تقوب الأحرف والأرقام التي تعلمتهما.
حليمة الفتاة الجميلة الجذابة التي ظلت حبيسة منزل ابيها ،لم تستطع مواجهة إبيها المتسلط وامها المغلوب على أمرها،فكانت تجد فسحة للبكاء كلما غادر الأب المنزل إلى السوق أو إلى الحقل،تلعن القدر تصيح وتولول ثم تهتدي إلى صدر امها ،حيث تبادرها الام بعبارة أضحت مألوفة لها "هذا قدرنا يا حليمة ما باليد حيلة..ابوك شخص لا يتنازل عن قراراته،اصبري وصابري الفرج قادم يا جميلتي ستتزوجين وتعيشين حياة سعيدة وتغادرين حياة الجحيم إلى الأبد"...ترد حليمة" أمي منذ اربعين سنة وانت متزوجة فلم أرى من هذا الزواج إلا المشقة والمعاناة..أمي اربعين سنة من القسوة والحرمان احقا هذه هي السعادة المعودة؟..أمي العالم تغير التقاليد والعادات تغيرت ،المرأة لم تعد كما كانت ،انا لم اخلق لأكون خادمة منزل،هناك أشياء أخرى كثيرة" ...يخيم صمت رهيب على الأم التي تتمالك نفسها وتحاول أن تظهر قوية أمام ابنتها"هذا قدرنا يا بنيتي ما باليد حيلة".
ما كادت تكمل كلماتها حتى الموت الذي ظل يعيش مع حليمة طوال سبعة عشر سنة،الشخص الرهيب بقامته الطويلة،اسمر الوجه،تقاسيم وجهه تظهر مدى قسوته وجبروته،بصوت ملأ المكان ضجيجا وصراخا طلب من حليمة الماء الساخن ووجبة الغداء على الفور،كانت حليمة تتاقل ولم تسرع كما كانت تفعل من قبل وكأنها تنوي تكسير قيود العبودية كما كانت تقول دوما،لكن امها أشارت لها بأن دوام الحال من المحال..أيام معدودات وستصبحين زوجة مستقلة المنزل ،إنك أجمل فتاة بالدوار "الله يحفظك من عين بنادم"..ابتسمت حليمة إبتسامة وهي تعلم أن امها لا تملك لها شيئا إلا أن تدعمها نفسيا...كانت تقول في نفسها الزواج صراحة خلاص من سلطة هذا الأب المتعجرف،حتى إذا فشل ذلك لن أعود إلى هنا مجددا...اووووف ماذا عن امي المسكينة؟؟..الله وحده يعلم ما قد يحل بي لكني الآن اتمنى أن أكون زوجة محمد يا له من شخص راءع..صديقه عبد اللطيف ايضا مميزا لكنه لا يناسبني همه كل الهم السلطة والمال وأنا اريد شخصا يحبني ويدللني اكثر من اللازم..يونس خجول بعض الشيء وأنا لا أحب ذلك،فليبارك الرب زواجي المبكر بمحمد اذا كتب ذلك فأنا لا أريد غيرة.."
ناولت حليمة ما كانت تحمله لأبيها بعدما قامت بغسل رجليه ثم عادت إلى المطبخ تكمل ما بدأته من أحلام حول الشاب محمد الوسيم.."سيحصل على عمل وإذا كتب لي الزواج به فأكيد سأكون سعيدة للغاية فكل الظروف تناسبني..ام حنون ،لا إخوة لديه..."ما كادت تكمل كلماتها حتى سمعت حوارا بين ابويها حول زواجها بشخص من دوار "اللؤلؤة"،سمعت الأب الجشع يقول ان العريس يقطن بالديار الإيطالية شاب يملك الكثير من المال ،سيارة فاخرة،منزل بالدار البيضاء وحقول تتسع لتضم أشعة الشمس كلها...لأول مرة تدرك حليمة أنها لعبة أو شيء سيباع من أجل أطماع الأب التي لا تنتهي..مرت سنوات الطفولة القاسية كشريط فلم بالأبيض والأسود،حلم محمد تبخر واضحى نسيا منسيا،لأنها لن تستطيع رفض طلب الأب وان فعلت ذلك فهي تعرف ما ينتظرها،وينتظر امها..كل شيء يسير عكس التوقع..إنها المرة الأولى التي ستواجه رجلا غير ابيها المتعجرف،لم تغادر يوما المنزل لكي تلامس جدار العلاقات وتعيش ردحا من الحب كما كانت تفعل صديقتها سلمى،التي كانت تحكي لها عن مغامراتها المجنونة مع حبيبها الذي تحبه..مرات قليلة كانت تغادر المنزل إلى السوق رفقة امها،حينما نبض قلبها لأول مرة وتعلق باسم محمد الوسيم..
علمت حليمة بعد نهاية الحديث المطول بين الأم المسكينة والأب خبر خطوبتها من شخص ما لا تعرفه،فقط ما همست به لها امها أنه شاب في إيطاليا ابن الحاج الفاخوري رئيس جماعة دوار "اللؤلؤة"،وان أبوها قد وافق على زواجها بحميد مباشرة بعد عودته صيفا من روما...فكرت طويلا،قلب يحب محمد واب يريد المال والسلطة ولا يهمه اي شيء آخر،سعادة حليمة اخر شيء يفكر فيه...تقول مع نفسها "محمد قد لا يبادلنني نفس الشعور ،إنه شخص وسيم ،مثقف من الصعب أن لا يكون بدون علاقة حب ،وحتى وان كان كذلك فلربما ينوي الزواج بفتاة متعلمة موظفة،علي أن اقبل بهذا الشخص أنه الحل الوحيد الذي سيخلصني من جحيم أبي...."
محمد في قلبها وجحيم الاب أمامها وهي تقف عاجزة ما بين حب معلق وقرار لا تعرف نتائجه وما قد يترتب عنه..فكرت إن تكتب رسالة لمحمد دون تردد وتعلن حبها له،تراجعت عن ذلك،فكرت طوال الليل حتى أنها لم تنم على غير العادة،الرسالة التي سأرسلها لا اعرف سبيلا لكتابتها،صديقتي فاطمة تكرهه لذلك سترفض فكرة كتابتها...وجدتها خديجة تحب صديقه المتهور اكيد انها ستقبل بذلك..."
الآن عليها أن تتخذ القرار الحاسم،اوهمت امها بمهلة تفكر فيها قبل ان تحسم قرار زواجها بحميد ،فكانت تحضر لكتابة رسالة إلى محمد قلبها،خديجة ساعدتها على ذلك لغرض تعلمه حليمة،بعد أيام وصلت الرسالة إلى منزل محمد الذي كان مسافرا إلى الرباط لقضاء بعض الأعراض،تأسفت خديجة كثيرا لعدم وجوده في البيت وبدت عليها ملامح الحصرة والخيبة،سلمت الرسالة إلى امه واوصتها بأن تمده بها مباشرة بعد عودته،عادت مسرعة تجر ورائها الخيبة والفشل،..سقطت الرسالة سهوا من الام وراحت تتقادفها الرياح إلى أن سقطت في الجب...



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار