موند بريس

"الحب في زمن الكوليرا"الحلم يتحقق بعد خمسين عاما.

"الحب في زمن الكوليرا"الحلم يتحقق بعد خمسين عاما.

موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف


الحب في زمن الكوليرا رواية من افضل الروايات العالمية على وجه الإطلاق،تجسد الحياة اللاتينية لكاتبها الكولومبي كارسيا غوميز الذي يستمد من مخيلته وتاريخ أمريكا الجنوبية الشيء الكثير ليحقق نوعا من التآلف في كتاباته ويعطي نوعا من الشحنة المفرطة التي تحمل القراء إلى عوالم مختلفة تجعلهم منغمسين في قراءة الرواية وأعماله بشكل عام،حيث يقول "إن اعظم ما يملكه الإنسان هو الخيال"ويضيف في مقولة أخرى بأن الخيال هو الارضية المثالية لممارسة الواقع،وهذا ما نلمسه في كتاباته.فروايته "مءة عام من العزلة" يعترف اعترافا صريحا بأنها هروب من الواقع ،هذا الهروب ليس بالسهل بتاتا وإنما يحتاح إلى الكثير من الدقة والمعرفة بعوالم السرد والايديولوجيا وغيرها من الأشياء الأخرى.
في رواية "الحب في زمن الكوليرا " يجد هذا الكاتب غارسيا ماركيز نفسه أمام مواصلة نفس التحدي لكن بالعزف على الوتر الحساس،واختار أن يكون الموضوع المعبر عنه ينطلق بالذات من قصة حب بين فلورانتينو أريثا و فيرمينا داثا ،هذه القصة التي زج بها والتي لا نعرف عن ماضيها اي شيء يذكر .
القصة التي بدأت بعبارة " حسنا، أوافق على الزواج منك ان أنت وعدتني بألا تجبرني على أكل الباذنجان" مكتوبة على قصاصة ورقة طويلة منتزعة من هامش دفتر مدرسي و تتنهي مع آخر صفحة بهذه الفقرة:"- الى متى تظن بأننا نستطيع الاستمرار في هذا الذهاب و الاياب الملعون؟
كان الجواب جاهزا لدى فلورانتينو أريثا منذ ثلاث و خمسين سنة و ستة شهور و أحد عشر يوما بلياليها. فقال:مدى الحياة. "
اذن هذا الحب الذي استمر ثلاث و خمسين سنة و ستة شهور و أحد عشر يوما بلياليها و الذي قضته فيرمينا داثا مع زوجها الدكتور خوفينال ماركو اوريليو اوربينو العائد من فرنسا بعد اكمال دراسته و الذي يحضى بفضل اسمه العائلي بمكانة عالية في مجتمعه، قضاه فلورنتينو أريثا محاولا مداوات حبه لفيرمينا بحبه لنساء كثيرات مررن بحياته من أرامل و مطلقات، هاربات من مستشفى المجانين و أخيرا مع فتاة صغيرة من أقرباءه كان ولي أمرها يستلمها من المدرسة في نهاية الأسبوع، و التي فضلت الانتحار عندما تخلى عنها فلورنتينو و فضل قضاء بقية عمره مع حبيبتة الربة المتوحة -كما كان يسميها- التي ضل وفيا لحبه لها أكثر من نصف قرن على متن سفينة تابعة لشركته; شركة الكاريبي للملاحة النهرية التي ورثها عن عمه ليون الثاني عشر لوايثا.
و بين هذا و ذاك تطرق ماركيز الى فترات الحب التي عاشها الأبطال الثلاث من مراهقتهم الى الزواج ف الشيخوخة و موت خوفينال و بقاء أوريليانو فقط مع فيرمينا داثا ربته المتوجة كما كان يتمنى هو.
ابطال الرواية على مدار طولها وتشعب الأحداث التي ظلت تحملنا من مكان لاخر وعبر أزمنة مختلفة برزت شخصيات مختلفة رسمت لنا أحداث الرواية ومسارها واتخذت الشخصيات التي وصفها الكاتب رؤى إستراتيجية سردية مختلفة ،اخبرتنا أو حاولت أن تفعل ذلك وتلعب دورا ما لنظل متلهفين لإكمال هذه الرواية العظيمة حتى النهاية ومن بين أهم هذه الشخصيات نجد:
"فلورينتو اريثا":ذلك الطيف الشبح الرومانسي غريب الاطوار احب فتاه في فترة مراهقته و ظلا يتبادلا الرسائل و لم يياس يوما من تهديد والداها الذي اصابه الحب بمتلازمة اشبة بالكوليرا فعجز عن الوقوف في وجه هذه العلاقة ،ظل يحبها الي ان تركته هي عندما تخطت مرحله المراهقة لانها كانت لا تجد فيه شخص بل شبح ،تألم وحده ظن انه يستطيع مداواة جراح الحب باكثر من حب كما كان يقول وانه يستطيع ان يتجاوز هذا الفشل بإمراة أخرى" هو أن بوسع المرء أن يعشق عدة أشخاص في الوقت نفسه ، ويتألم الألم ذاته لهم جميعا ، دون خيانة أي منهم” ،فغرق في لذه المتعه الجسدية فاكتشف الارامل و المطلقات و الهاربات من مصحات الامراض العقلية و الفتيات الصغيرات رغم كبر سنه لكنه وبالرغم من هذه التجارب كلها إلا أنه كان متعلقا بامرأه واحده فقط هي التي عشقها في مراهقته ( فيرمينا داثا ).
"فيرمينا داثا"مرت بنفس حالة الحب الملتهب الذي مر به فلرينتو اريثا معه في سن المراهقة،و لكنها تزوجت بالطبيب خوفينال اربينو من اجل المكانة الاجتماعية المرموقة وعمله الذي يدر عليه دخلا وفيرا،كانت تحبه و لكن بعد الزواج في رحلات باريس و لندن كل شيء بدأ يتغير ويأخد منحى اخر ما الجميع يطرح السؤال البديهي ،اكانت تحبه حقا ؟ ام ان “الأمن , النظام , السعادة هي أرقام ما ان تجمع مع بعضها حتى تتحول مباشرة الى شيء كالحب : الحب تقريبا . ولكنها ليست الحب !”
كبرا معا و مرا بتجربة الخيانة الزوجية، حتي توفي خوفينال زوجها ،بعد اصرار فلورينتو علي عوده العلاقة بينه و بين فيرمينا عادا لبعضما بعد انتظار 51 سنة عادا متحررين من السن كاسرين قيدا ان الحب له سن معين و من الكلفة و المظاهر الاجتماعية و تقاليد الزواج هاربين في الحب من اجل الحب بهروبهم في قمرة سفينة،مكتشفين الام الشيخوخة معا ان الحب يزداد كثافة كلما اقترب من الموت.
وفي النهاية اعترف ان رواية "الحب في زمن الكوليرا"رواية فريدة من نوعها وأنها بلا شك من الروايات النادرة التي وقفت أمامها عاجزا عن وصفها ،فقد نقلتني لمدة أسبوع للعيش في أمريكا اللاتينية بحالة صدمة، صدمة واقع سكان اللاتينية والواقع المعيشي السيء، تعايشهم مع المخلفات والنفايات وكأنها جزء آخر من الطبيعة وحتى رفض بعضهم إصلاحها، والأصعب من ذلك تعايشهم مع ضحايا الكوليرا وجثثهم المتناثرة في البحر أو التي تملأ مدينة كاملة.
وقد أضافت هذه الرواية شيئاً من الروعة أيضاً، وذلك من خلال قدرة الكاتب على تصوير طبقات مجتمعه المتخلفة الفقير والغني، الكبير و الصغير، الأرامل والمتزوجات ليقدم تحليلاً نفسياً متكاملاً لشخصيات المجتمع الذي يعيش فيه.
إنها حياة شعب بأكمله أو لنقل أمريكا الجنوبية، وهنا كانت في فترة زمنية معينة تحكمها الكوليرا ليتحدى ماركيز الموت والكوليرا بالحب،احبو وتحابو ودافعوا عن الحب حتى ولو كلفكم ذلك خمسين عاما.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار