موند بريس

ليلة الوداع الأخير

ليلة الوداع الأخير

موند بريس

بقلم ضمير عبد اللطيف

وقف منتصب القامة ،وجهه الشاحب يوحي بشيء حزين..يحاول أن يتمالك الدموع التي تغالبه كلما حاول أن يتحدث إلى أمه،على غير العادة عاد باكرا دون أن يذهب إلى المدرسة التي أحبها كثيرا وسعى جاهدا إلى أن يكون ناجحا..أمه كانت اكثر من سانده منذ نعومة الأظفار ،وكلما تعرض للكي أو الضرب من طرف الفقيه ابن عمه عبد الرحيم ،كانت تغضب كثيرا وتحاول أن تهدم المسجد الصغير بما تمتلكه من قوة.
غالب أخيرا دموعه مخاطبا امه للمرة الأولى ،إنه يحبها كثيرا ويعلم أن الأمر سيزعجها كثيرا،تردد طويلا حتى أنه فكر في السكوت المميت الذي ظل يعيش معه طوال الوقت،الام "لالة زهراء" التي كانت تعد الحساء احست بما يكنه الابن في صدره،نظرت إليه ،زاد الإحساس وعلمت بأن وقوفه الطويل هذا الذي لم تعهده لن يمر مرور عابر فرن طبخ الحساء..تقدمت نحوه وبحنانها المعهود صمته إلى صدرها وبدأت تسرد له ما تحس به من ضيق العيش والظلم الذي تعرض له في المسجد ،وما يتعرض له الاخ الأصغر،ثم توقفت كثيرا عند الأب الذي يهجرها كثيرا بسبب عمله .."بني يجب أن تعلم أني احترق الف مرة كلما سمعت صرخة واحدة من صراخك الطويل المفزع..اعلم ان ذلك الملعون لا يريد بكما خيرا،انت شخص نجيب وهذا الأمر لا يعجبه،انت تعلم أن ابوك يغيب طويلا ولا يعود إلا ليمدنا بالقليل من المال الذي لا يكفينا حتى لشراء الدقيق ..اعلم انك بحاجة إلى أشياء كثيرة لكني لا أملك المال وما باليد حيلة..بني الحساء سيكون جاهزا بعد قليل ،عليك بالذهاب إلى "عمتك فاطنة" لتمدنا ببعض الخبز والسكر ،لقد نفد كل ما نملك وأبوك لم يعد حتى الآن...لا تتأخر الحساء اصبح جاهزا لنتناوله جميعا،إن اخوك سوف يعود الى المنزل مبكرا كالعادة إنه لا يحب أن يكون يكون راعي الغنم ويرفض الذهاب إلى المسجد...فقط يريد أن يعزف على الكمان والوتر..".
بخطى متثاقلة خرج يرج رجليه الى منزل "امي فاطنة "وهو يعلم انها ستلقنه درسا جديد في التبجح ،لقد اعتاد على سماع ذلك كلما ذهب إليها،أحيانا كان يفضل الموت على أن يطرق الباب الملعون..الكلام الذي سمعه من امه المسكينة ما يزال يتردد على مسامعه ،توقف قبل ان يصل وجلس إلى جوار ظل شجرة وارفة الظل..وفي نفسه يردد"يجب أن أذهب إلى العمل لا اريد ان ارى امي تغلي الماء بدل الحساء،لا اريدها ان توهمنا بأن الخضر واللحم بهما الأمراض،أعلم أن امي تكذب،المسكينة تكذب لكي لا نحس بالنقص يا لها من ام عظيمة!..اخي ما يزال صغيرا ،أبي بين الأشجار والغابات ،الله وحده من يعلم بحالنا...العم اللعين يستغلنا أبشع استغلال،يعيش على اكتافنا ..ابي المسكين يصدق هذا اللعين بأنه يدبر أمورنا بشكل أفضل....لن اذهب الى تلك المرأة المتعجرفة،سوف أتخذ الكذب وسيلة كما تفعل امي،ليلة اخرى من ليالي الجوع بانتظارنا،اخي الصغير يتدور جوعا،سوف يبكي طوال الليل..".
تقدم إليها وفي نفسه يردد تعويدته المعهودة "افضل الموت جوعا على أن أسمع صوتك أيتها الشمطاء المتعجرفة"..ما إن طرق الباب بعناية مخافة أن يقلقها فترده خاءبا على اعقابه ،فلا هو بخبز وسيسمع وابلا من السب والشتم وكل ما حمل جمل "لالة فاطنة" او "فيطنة" كما كان يسميها..خرجت بخيلاءها المعهود وتبسمت بازدراء كبير وقالت كما عهدها تقول دوما"انت مجددا تعود لنفس الغرض،الخبز والسكر..هذه المرة لن امنحك اي شيء ولتذهب إلى امك الجبانة ولتخبرها بأن تخبز التراب وان تأكل الحجر أو أن تغلي الماء كما عدتها تفعل..."ثم اغلقت الباب الملعون..ما زال واقفا يتأمل هذا الباب الملعون طويلا وكأنه كان يمني النفس بأن تعود محملة بالخبز كما كانت تفعل من قبل.
صديقي لاكشمان لقد اصبت بنوع من الفخر والفرح وانا احقق حلم هذا الشخص بكتابة سيرته الذاتية ،احس اني اكتب لنفسي،نعم هناك الكثير من الأشياء المشتركة التي عشتها من قبل،تذكر أيها الغالي الشخص الذي لطالما خدمته بإخلاص ولم احصل على مرتبي كما حصل مع غيري..الحياة ظالمة ومظلمة يا صديقي..لنلعب الورق ونرتشف بعضا من القهوة وبعدها سوف اكمل كتابة هذه الرواية.
تأمل الباب اللعين لآخر مرة واصر أن يغادر الدراسة وان يعمل بجد وجهد من أجل أن تعيش امه وأخوه الأصغر بصورة أفضل وان لا تذهب هذه الأم المسكينة إلى بيت "لالة فاطنة"مجددا.
بخيبة الأمل عاد يجر رجليه المجهدتين إلى أمه التي ما تزال توهم اخاه بأنها تحضر الحساء وما هو بحساء ولكنها الكذبة التي اعتادت ان توهم الأولاد بها طوال الوقت...صرخت بصوت عالي أين الخبز والسكر؟..بحزن ممزوج بأسى وحرمان بادرها بالجواب..لقد اكلته الكلاب الضالة في الطريق الى المنزل بعدما تبعتني ومسكت بي حتى أن جلباب عمي الذي رقعته اكثر من الف مرة نهشته الكلاب وتمزق...زاد بكاء الطفل الصغير ومعه زادت حيرة الام والولد الأكبر.
يدخل لاكشمان محملا بكوب من القهوة ،إنها المرة الأولى التي يضع بها سكرا،لا أدري ما الذي جعله يتذكر السكر...الحب يجعلك أكثر نضجا من السابق ،يحاول أن يبدوا واثقا من نفسه خاصة وأنه يعلم أني سوف امنحه الكثير من النصائح المفيدة التي يجهلها ...عاد إلى مكانه مسرعا دون أن يلعب معي الورق...نادية على الخط مرة أخرى لم تعد قادرة على تحمل تحمل العيش من دونه،لاكشمان هذا صديق غبي لكنه محظوظ...من قلبي اتمنى له السعادة الحقيقية.
خرج من البيت يبحث عن شيء يسد به رمق ما يحس به من جوع وهو يخاطب نفسه ويهزم العزم على أن يغادر المدرسة إلى العمل مهما كان الثمن وطبيعة العمل،وعلى الطريق حيث الحفر المتناثرة هنا وهناك وجد ارنبا ميتة للتو ،حملها إلى المنزل ودون أن يلفت إليه نظر امه المسكينة وأخيه قام بذبحها وسلخها بعدما أخبر امه بأنه استطاع ان يتدبر عشاء الليلة من الغابة المجاورة بسبب براعته في الصيد..على نار ملتهبة طبخت الام الأرنب وقدمتها عشاء لابناءها.
عند منتصف الليل وبعد أن نام الاخ الأصغر ،طرقت الام الباب ودخلت لتجده جالسا يلقي نظرة وداع على بعضا من كتبه الذين احبهم بوفاء كبير،حتى أنه كان لا يخشى على نفسه من المطر ويخشى عليهم..جلست إليه وقالت بنهم :"بني احس بشيء ما بداخلك اوك الإفصاح عنه منذ مدة لكنك لا تستطيع..اعلم ان الأرنب ميتة وانك لم تصطدها من الغابة ولكن هان علي وعليك الأمر بعد سماع صراخ اخيك ...بني انا هنا لتقل ما بداخلك ..".
تشجع للمرة الأولى "امي اعلم انك تضعين الماء مكان الحساء..اعلم ان عمي يستغلنا أبشع استغلال ..اعلم ان أبي دخله قليل ولا يستطيع أن يوفر لنا حتى لقمة عيش بسيطة..سوف أغادر المدرسة وأذهب إلى العمل لكي أساعدكم على العيش الكريم .."
قاطعته الام "لا يا ولدي لا تغادر الدراسة إنها السبيل الوحيد لنجاتنا من هذا الواقع المزري،عليك أن تكافح يا بني لان الحياة تحتاج إلى شيء من التضحية والفداء والبذل والعطاء وصبر طويل".
رد عليها "أمي لقد قررت القرار الأخير سوف أغادر أسوار المؤسسة إلى الأبد،انت لا تعلمين حجم المعاناة التي اعانيها،لا اتوفر على الكتب واللوازم المدرسية والرياضية وكلما سألني المعلم عن عمل أبي أو عدم توفري على اللوازم،زملائي يضحكون طويلا..امي تعلمين أن ما البسه يعود لعمي وهذه الجلباب رقعته اكثر من الف مرة..امي كلهم يأكلون ويشربون بينما انحاز إلى جدع شجرة وحيدا لا مال لي ولا طعام..القدركتب لي أن اتوقف هنا..".
إنها تحبني يا صديقي لقد اعترفت بذلك وانا سعيد جدا،سوف اقبل رأسك يا ضمير يا صديقي الغالي مودتي التي لا تشيخ تسلم أناملك المبدعة،رسالة المميزة جعلتها تسقط في الفخ،الحمد لله والشكر لله رب العرش العظيم الذي أرسلك لي صديقا واخا...لقد حان وقت العشاء سوف نتناول الليلة "المقرفشات" سوف اتكلف بإعدادها بنفسي إنه يوم عظيم...
صديقي العزيز دعك من المعجنات و الفطائر والمقرفشات،انا مدعو لتناول وجبة العشاء في مطعم المحطة وغدا سنكمل الحكاية.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 2
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
  1. تعليقات الزوار