موند بريس

"أولاد حارتنا" جرأة نجيب محفوظ ام الواقع المسكوت عنه؟؟!!

"أولاد حارتنا" جرأة نجيب محفوظ ام الواقع المسكوت عنه؟؟!!

موند بريس
بقلم ضمير عبد اللطيف

تعتبر رواية "أولاد حارتنا" التي اثارت جدلا واسعا واسالت مداد اقلام النقاد ،للروائي المصري نجيب محفوظ من حيث المضمون، الأكثر تطرفًا في إثارة حفيظة الأوساط المتدينة والمحافظة.
هذه الرواية تسرد لنا حياة الأنبياء كما تصورها الكاتب المصري المرموق نجيب محفوظ من وجهة نظره.
كما يحاول أن يصوّر للقراء مدى الظلم الإلهي الذي حلّ بالبشر وخصوصًا بالضعفاء، منذ أن طرد الله آدم من الجنة وحتى اليوم، ثم طرد الربُ الذي أصبح عجوزًا لا يقوى على شيء، الأشرارَ يعيثون في الأرض فسادًا وينزلون أشد العقوبات بالضعفاء.. كما أنه نسي وتناسى أن يعطي الفقراء نصيبهم من هذه الدنيا.
تقوم كتابات نجيب محفوظ كما ورد على لسانه هو على محمورين هما الاسلام والعلم فلا يمكن لأمة ان ترقى بين الامم الا بالعلم كما قال هو ايضا كذلك فى رواية "اولاد حارتنا".
أراد نجيب من خلال هذا العمل ان يقول بان اسلام بدون علم سيكون كفة خاسرة والعلم بلا اسلام كفة خاسرة أيضا .. فالناس حين تخلوا عن الدين ممثلاً فى شخص الجبلاوى حين تخلوا عن وصيته فى الوقف وشروطه العشرة ضاع الامن والسلام واعتقدوا انهم يستطيعون بالعلم وحده أن يدبروا حياتهم فتحول العلم الى اداة شريرة ولقمة صائغة فى فم النظام الحاكم الفاسد فسلبهم حريتهم وكرامتهم الامر الذى اودى بحياة العلم الوجودى ممثلاً فى رفاعة .
ومن أبرز شخصيات الرواية التى من الممكن ان نقسها على أوساط الناس الآلاف بل الملايين منهم:
"أدهم" مثال للانسان الطيب رقيق المشاعر والقلب لا يريد من هذه الدنيا الا التمتع بالنظر الى الحدائق لاغناء فى البيت الكبير ولكن سرعان ما انقلبت الامور عليه وبالخديعة والمكر خرج من البيت مطروداً بسبب أخيه إدريس الشرير ،وهنا يتجسد موقفا الشر والخير.
"جبل " مثال للشخص الذى استطاع ان ينفذ ويصل الى ما يرنو اليه فى الوقف وتحقيق العدل دون أن يسئ الى البيت الذى شمله بعطفه .
"رفاعة " انسان وهب نفسه لسعادة الناس وتحقيق الامن والامان لهم ومات وهو لا يحمل فى قلبه حقداً لأحد ومن شدة اخلاصه دفنه جده بنفسه .
"قاسم " هو مثال للقوة عندما تضعف وسائل الترغيب حيث جنح الى تكوين كتلة عديدية قوية استطاع ان يسترد بها العدل ويحقق بها الامن والسلام .
"عرفة" هو مثال كما قلت للعلم الوجدودى عندما لا يربطه دين يتحول الى اداة طائعة فى يد الحاكم فيُسلب الناس حريتهم وكرامتهم .عاش وهو يرنو الى سعادة الناس ولكن خانه الحظ فمات شريداً.
يعتبر الكثيرون أن هذا العمل المثير للجدل كعمل أدبي عظيم لعدة أسباب، وذلك من خلال جرأة محفوظ على ذكر الكثير من التفاصيل المدروسة بدقة، فكل جملة وكل مقطع له تأويل لأفكار لا متناهية تحمل دلالات رمزية ذات أبعاد قوية.
محفوظ من وراء كتابة هذه الرواية ،عمل بشكل من الاشكال على كسر الحواجز أو "التابو "المتعلق بتناول المواضيع الدينية خاصة الحساسة والتي تتعلق بعلم الغيب، والتي اعتبرها ويعتبرها البعض كفراً أو إلحاداً.
بعد سماعي لكل هذه الضجة شخصياً عملت على قراءة الرواية ولو حتى وقت متأخر من صدورها، لم تعجبني هذه الرمزية حيث كنت أعتقد بأن محفوظ يستطيع أن يقدم لنا أفكاره ذاتها بقوالب أكثر عبقرية وبدون ان يخفي أو يعيش وراء مدلول للكلمات القوية .
حسب اعتقادي فإنه عمل على استخدام هذا الأسلوب، لأنه أراد أن يقدم لجمهوره مقاربة واضحة للغاية اضطر فيها لاستخدام الرموز بحرفيتها ليقوم بإسقاطها بكل معانيها دون وجود أي حاجة لاستخدام بعض التأويلات للوصول إلى المعنى.
بعد ثورة يوليوز شعر نجيب محفوظ بالصدمة بالمسار الذي آلت إليه البلاد العربية ومصر تحديدا، وأراد أن يقدم رسالته بشكل صريح إلى الفصيل المثقف اكثر منه إلى عامة الناس، فكانت الرمزية في هذه الحالة أجدى وأكثر نفعاً من الواقعية التي اعتاد على استخدامها في أعماله الأدبية التي سبقت هذه الرواية.
كانت الرواية أطول مما ينبغي، بالنسبة لي فقد شعرت بالملل وخاصة أن هذه القصص نعرف مآلها جميعاً على اعتبارها مستوحاة من قصص الأنبياء.
وأخيراً وكقارىء لم اصل بعد إلى مستوى النقد، هناك بعض التفاصيل المتسفزة في حبكة الرواية مثل سكوت الجبلاوي عما يحدث في الوقف وغيرها، كل هذه التفاصيل خلقت بعض الإشكالات أو أنها كانت بحاجة لتفسير وخاصةً أن محفوظ جعلنا نقرأ النص برمزيته ونفسره كما يوحي تماماً.
أما بالنسبة للجزء الأخير من الرواية وهو تغلب العلم على الدين المتمثل في قتل عرفة للجبلاوي، ورضا الدين عن ذلك من خلال وصية الجبلاوي برضاه عن عرفة، وبقاء رسالة عرفة قائمة حتى بعد قتله أيضاً، فقد كان برأيي أهم جزء.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار