موند بريس

لقاء بعد معاناة طويلة

 لقاء بعد معاناة طويلة

موند بريس

بقلم ضمير عبد اللطيف

كان علي أن اجد عملا مهما كانت الظروف لكي اتمكن من توفير المال والمصاريف لمواصلة ما تبقى من فصول الدراسة الجامعية،لم احصل على المنحة الجامعية لأسباب اجلها حتى اليوم ويعلمها "المقدم"الذي ترك منصبه اللعين لإبنه الذي لقنته درسا في العربية عندما كنت أمر من أمامه صباح مساء،حينما أراد أن يستفزني بأشياء كانت تبدو له صعبة الفهم علي،غبي لقد اختار الخصم الخطأ..بالإضافة إلى المنحة الجامعية لم أتمكن من الحصول على الحي الجامعي بالرغم من أني احق به ممن درسوا معي ومدو الأظرفة الصفراء المحشوة بالمال..
رن الهاتف في طريق العودة إلى المنزل بعد مباراة رفقة زملائي بالدوار الذي اعود إليه كلما حل عيد أو إنتهى فصل دراسي ،وانا لعودته غير محب،أحيانا كان يبدوا لي جحيما،كنت افضل الأعمال الشاقة على المجيء إلى هذا المكان...رقم غريب يتصل بي ،فتحت سماعة الهاتف واجبت،وبعد ثواني علمت بأن المتصل صحفي طلب مني العمل معه بعد أن تفحص ملفي واعجبته قدراتي في الكتابة والإقناع،العنوان بمكان بالدار البيضاء،والموعد صباح الغد على العاشرة صباحا،لا يجب أن اتأخر عن الموعد هكذا كانت تقول لي صديقتي بالجامعة ...امتزجت السعادة بالارتباك وبدأت على عجل في التفكير بالترتيبات من أجل العودة إلى البيضاء من جديد..فكرت في العمل الجديد طوال الليل حتى أني لم استطع النوم تلك الليلة..لم أخبر أحدا حتى صديقي لاكشمان لم يكن يعلم بذلك،فقط لأنه كان يستهزء بكل ما اكتبه،أتذكر أني اقترحت عليه تأسيس جريدة ثقافية نكتب فيها ما عشناه وما نعيشه أيام الثانوي والجامعة..لكنه لم يكن يبالي،وكان ذلك بالنسبة إليه مجرد لعب ..مع كل ضحكة أو استهزاء من صديقي أو من شخص آخر،كنت اكتب مقالا حول قضية معينة ..اذكر اني كنت اميل الى كل ما له علاقة بالرياضة وخاصة كرة القدم،لقد تأثرت كثيرا بكتابات صحفيو جريدة "المنتخب"،ولكني بدأت فيما بعد بالاهتمام بكل ما يتعلق بالسياسة والاقتصاد وأحيانا الفن.
صباح الثلاثاء السادس من أكتوبر غادرت دكالة إلى البيضاء لكن هذه المرة بصفتي صحفيا وليس طالبا جامعيا،طوال الطريق كنت أنظر إلى الساعة مخافة أن اتأخر عن موعد اللقاء،حوالي الساعة التاسعة صباحا توقفت الحافلة بالمحطة الطرقية أولاد زيان بالدار البيضاء،ترجلت مسرعا من الباب الخلفي ،مسرعا نحو محلبة هناك..كوب قهوة وفطاءر تناولتها بسرعة ثم غادرت مسرعا إلى حيث للبحث عن الباص الذي سيمر من هناك،العنوان غامض بعض الشيء ،المكان يبدو أنه يحوي الطبقة الغنية ،عمارات شاهقة،أزقة جميلة،شوارع نظيفة..لم اعتد على ذلك بهوامش البيضاء والأحياء الشعبية.
حوالي الساعة العاشرة إلا الربع،بدأت بالبحث عن العمارة الموعودة التي يتردد إسمها على مسامعي ،تفقدت العمارة الشاهقة طويلا لم أجد عنوانا يدلني على الطابق الذي يوجد به مقر الجريدة..أخيرا ساعتي تشير إلى العاشرة أدركت أن علي أن اتصل به حتى يعلم بقدومي واكون بذلك قد التزمت بالوقت،حاولت اكثر من ستين محاولة الاتصال به لكن هاتفه كان يرن دون أن يجيب،بقيت على الحال نفسه أحيانا أصعد إلى العمارة للبحث عن المكتب،الأبواب مقفلة وكأنها مهجورة..ثم أعود إلى الخارج أنتظر صعود أحدهم لأستفسره عن المكان..سألت اكثر من شخص ولكني لم احصل على ما اريده.
حوالي ثلاث ساعات وانا أنتظر دون جدوى،فكرت في أمر واحد هو ان صاحب العمل وجد شخصا اخر مكاني وتعمد عدم الرد على الاتصال ..بدأت في البحث عن عمل آخر،لا أريد أن اضيع وقتي ،الحياة لا تتوقف على شيء معين..بعد بحث طويل جلست إلى حارس احد الشركات بالقرب من العمارة واخذنا نخوض في حوار طويل لا بداية ولا نهاية له،أخبرني بأنه جندي سابق في جيش المشاة المغربي،شارك في حرب الرمال والعديد من المعارك بالصحراء المغربية..كان يفاخر بنفسه وببطولات الجيش المغربي ،ثم توقف عند الحياة الدراسية وندمه الشديد على عدم إكمال دراسته،فقد تعلم الفرنسية من خلال العمل بالجيش ومجاورة جنود فرنسيين بمختلف البعثات المغربية بدول افريقيا...ثم ابتسم واخرج صورا أبناءه الثلاثة وبدأ يسرد تفاصيل أجزاء كثيرة من أسرته وكيف أنه كافح من أجل مستقبل ابناءه،مر مرور الكرام عن سيرة الابن الاكبر الذي اضحى استاذا وتوقف قليلا عند حياة الثاني الذي اضحى مهندسا معماريا...ثم بكى وأطال الحكي عن الثالث الذي درس الحقوق واضحى من أهم المحاميين المشهورين عالميا،حيث يعمل بجمهورية الصين الشعبية ،لقد تزوج بصينية ويعمل هناك بمنصب حساس للغاية...اعاد الصور إلى جيبه وقال إنهم كافحوا من أجل الوصول الى الوظيفة ولم يفشلوا كما فشل اقرانهم مما كانوا يتوفرون على ظروف افضل...أبنه المحامي كان لا يجب أحيانا ما يلبسه وكان يقطع مسافة طويلة جدا من المنزل إلى كلية الحقوق.."كان ولدي كيمشي على رجليه حتال لافاك بصندالة الميكة مقطعة ومكانش كيلقى حتى لفلوس باش يشري المطبوعات..ولكن كان كيشرح لشي وحدين لاباس عليهم وهما كانوا يشريو ليه كلشي.."قبل أن يكمل الحديث توقف عند زوجته ودمعت عيناه دمعة حب ووفاء ..وقال بان سر نجاح الأبناء ما كان ليكتمل لولا هذه الزوجة العظيمة التي كانت جنديا في البيت بينما كنت اقاتل هناك كانت تحرص على لعب الدورين معا دور الأب والأم في الوقت نفسه،رضيت بالقليل وتمسكت بحبها لي ووفاءها لسنوات طويلة.."مراتي ضحات معايا بزاف ربات الدراري وبقات كتنتظرني واخا شي اصدقاء قالو ليها مات "..ثم تمنى لي حضا موفقا بعدما ودعته وقررت أن أنهض من جديد للبحث عن عمل ،تقدمت خطوات غير بعيدة،ثم سمعته يناديني بصوت عالي،ثم ابتسم ابتسامته المعهودة وهمس بصوت خافت.."إلى بغيتي تتزوج تزوج ببنت الأصل لي تقدر تهز معاك حمل الدنيا الثقيل..اما الزواق ديال دابا راه غا لعكر فوق الخنونة ومتنساش تعرض عليا في العرس".
عدت إلى حيث كنت اقيم عند عائلتي بالدار البيضاء أجر خيبات الأمل،الفشل في تحقيق الحلم الذي يراودني منذ مدة طويلة،تذكرت كلام لاكشمان الغبي ،قلت مع نفسي أني حقا فاشل..غدا سوف اذهب للبحث عن عمل في مكان آخر اما الآن يجب أن اخلد إلى النوم وأن أرتاح لان القادم يحتاج إلى الكثير والكثير من القوة والتضحية..
تناولت العشاء كما العادة وذهب إلى سريري لأنام،فإذا بي اسمع صوت هاتفي يرن وكان الإتصال من الشخص الذي دعاني للعمل معه ،وقد اعتذر على عدم الرد على مكالماتي وانه قد قرأ مقالي الأخير وأعجبه كثيرا..ثم دعاني إلى المقهى اسفل العمارة الموعودة عند العاشرة صباحا،وهكذا كان اللقاء الأول قبل ان أعود إلى المنزل من جديد ،لقد طلبت منه مهلة زمنية للتفكير في العقد الذي سيربطنا،أعلم بأن المهمة الجديدة صعبة جدا والمقابل المادي ضعيف وزهيد ولكني ومهما كانت الظروف سوف أقبل به فلا بديل عن هذا العمل.
في اليوم الثالث صعدت الى الطابق الثاني من العمارة ،وجدت في استقبالي فتاة أفريقية علمت فيما بعد أنها من ساحل العاج،خاطبتها باللغة الفرنسية بنوع من الاستعلاء ففي اعتقادي واعتقاد الكثيرون من المغاربة امثالي ممن لا عمل لهم أنها أخذت مكان لشخص مغربي..ثم دخلت إلى المكتب دون أن أكثر الكلام معها ،إنها المرة الأولى التي أحس فيها بنوع من الأهمية،كل شيء مرتب وعلى نسق عالي جدا من الدقة والمسؤولية..المدير ذو المكتب المكيف وبجانبه نسخ من الجرائد والمجلات وملفات اخرى..مكتب فارغ على يمينه واخران على شماله لصحفيتان اما الرابع فهو مخصص لي وآخر لمصور لم يلتحق بعد.
بدأت العمل دون أن أتعرف إليهما فقد كنت اعرف المدير التنفيذي ورئيس التحرير،الكل كان يراقب كل ما أكتبه ،بعد يومين التحق بنا المصور أيوب وصحفيتين جميلتين،اخترت الجلوس بالقرب من أيوب الذي أعجبتني شخصيته كثيرا،لم يكن متدينا ولا يؤمن بالكثير من الأشياء التي نؤمن بها،يؤمن بالعمل والاجتهاد في أن يكون ذلك مميزا،إنه يفكر بمنظور غربي،ينظر إلى الأشياء بمنطق بعيدا عن الاسقاطات الدينية..كان قد عاش في فرنسا وتونس،حاول جاهدا أن يعلمني الكثير من الأشياء ،كان يضحكني كثيرا بمغامراته مع الفتيات والنساء ،له لغته الخاصة وذوقه الذي يختلف عني تماما..كان يطلب مني أن اتحدث باللغة العربية طوال الوقت وخلال فترة الإستراحة ان اجسد أدوار مسرحية مضحكة.
لم التزم يوما بمبادىء الصحافة والكتابة كنت اكتب ما يحلوا لي بعيدا عن الاسقاطات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية،حتى أني قدمت استقالتي بعد شهرين وتنازلت عن المستحقات المالية وغادرت دون أدنى تفكير بالعواقب،فأنا لا اقبل الاستعباد والاستبداد والذل الذي كان يمارس على زملاءي الذين كانوا يستجيبون لكل شيء يقال لهم...بعد مرور عشرين يوما على استقالتي اعتذر المدير مرة أخرى وطلب مني الحضور وقرر تحسين العقد الذي سيربطنا من جديد،لم اقبل بذلك لولا تدخل زملاءي الذين افتقدوني كثيرا.



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار